تصنيع ذاكرة الخلاف

كما لو أن الوجود قد تعمد خلسة أن يضيع ذاكرته، أو بالأحرى أن يتخلص منها «هناك» حيث لا علم لأحد بهوية ذلك الـ»هناك» أو زمانه، كي تظل الكائنات البشرية بنخبها وعوامها منصرفة أبد الدهر إلى إعادة تصنيع هذه الذاكرة، أولا إشفاقا على «الوجود» من مأساوية ضياع، لم يعد يتذكر معه بندا واحدا من بنود ميلاد سبق أن حدث في صلب لحظة مكانية وزمانية ما. وثانيا، بالنظر لأن العيش تحت سلطة المجهول، هو الأذى الأكثر إيلاما من الإقامة في كنف الجحيم، خاصة حينما يتعلق الأمر بجهل أصل الوجود جراء غياب شيفرة السر، التي لها فقط، يعود الفضل في إضفاء الحد الأدنى من المعنى على مدارات الحياة ومسالكها. فالمعنى «الأصلي» هنا – وطبعا في حالة وجوده – هو الكفيل بضخ ماء الكينونة الحقيقية في ما يتوزع عليها من دلالات ومفاهيم.
ما يفيد أن الدلالات المتفرعة عن المعنى الأصلي الذي لم يعد عمليا له من وجود، تعيش حتما حالة يتم ساحق، لا تختلف عن حالة أي لقيط يعاني من عقدة الجهل بجذوره، التي تعتبر مبدئيا دليله الضمني على حقيقة هويته، التي يمارس بها حضوره في مدارج المعنى. وبصرف النظر عن تضارب وتنافر المواقف الفكرية، الإبداعية والعلمية المعتمدة في إعادة تصنيع ذاكرة الوجود، إلا أن الهدف يظل واحدا ومشتركا، يتمثل في ملحاحية ترميم ما تحدثه تداعيات ضياعها من تصدعات في هياكل المعيش الناظمة للعلاقات الإنسانية البالغة الحساسية والتعقيد في آن. وسيكون من الضروري في هذا السياق، الاقتناع بحتمية تعدد وتنوع المسارات والمنهجيات الموظفة في البحث عن الشيفرة المنشودة، على ضوء تعدد وتنوع المؤشرات الخاصة بكل مجال من مجالاتها. فعبر المسارات البحثية، يمكن رصد محاولات استحداث ذاكرة متعددة الأبعاد، من شأنها مد المتسائل بما يتطلع إليه من إضاءات حول الأسرار الاستهلالية والبدئية، التي سبق للوجود أن أعلن فيها عن فكرة انكشافه وتجليه. وهي بمثابة ذاكرة استدراكية، تقوم مقام الذاكرة الأصلية، موحية بإحالتها «الموضوعية!» على أصل خال من أي شك أو التباس.

نستحضر في هذا السياق ثوابت الرسائل السماوية، في إضاءاتها طريق المؤمن التواق إلى الإحاطة الوافية بكل التفاصيل الدالة على صلته بخلق الوجود، وما يترتب عنه من حقوق وواجبات. والشيء ذاته بالنسبة للإيحاءات المتضمنة في الذاكرة الأسطورية، بما هي نصوص مجازية يستند إليها المتسائل في بحثه عن حقائق الكون، أسوة بالمنظومات الفلسفية والإبداعية، وكذلك أسوة بالفرضيات العلمية المفضية بقوانينها إلى الوجهة نفسها. وكل هذه المبادرات تشتغل داخل فضاءات قد يتنكر بعضها للبعض الآخر، كما قد يتكامل معها، انسجاما مع تباين أو تكامل الانتماءات الفكرية والنظرية المعتمدة في صياغة سرديات إثبات الظاهرة أو نفيها، حيث يتطلع الخطاب عبرها إلى إقناعك بوقوفك تحت سماء، لا تغيب عنها شمس الحقيقة الأصلية، وأن ما أنت بصدده، هو حكي صادق مستمد من صلب الذاكرة الأولى. غير أن ذلك لا يؤثر سلبا في ظهور مسارات مضادة مطمئنة إلى فقدان ذاكرة الوجود، وغير معنية مطلقا بالبحث عن ملابساته، بل عكس ذلك، إنها بفعل تنكرها لذاكرة الوجود الأولى، تهتدي إلى خلاصها التام من سلطة الأصل، بناء على تنكرها التام لما يلازمه من مواصفات ملتبسة، وأيضا بناء على إمعانها بالدفع به في اتجاه ذاكرته المفقودة، كي يتقاسم معها المصير المعبر عنه بالعدم.
فما يتبدى أمامنا بالنسبة لهذه المسارات المضادة، هو الأصل الفعلي المعول عليه في القبض على المعنى، ثم إن ما يدرك بالحواس من وجهة نظرها دائما هو المبتدأ والمنتهى، حيث لا معنى من وجهة نظرها لما يسمى بالروح المطلقة المتخفية، ولا وجود لجوهر أو علة مستترة ومتمنعة عن الظهور والانبجاس. وذلك هو إطارها المفضل الذي تتبدد فيه الحقائق الروحية والمثالية، مفسحة المجال للحقائق المادية المعيشة والملموسة. لكن، سواء تعلق الأمر بالمسارات الحريصة على خلق إبدالات ممكنة للذاكرة المفقودة، أو بنقيضتها المستميتة على التنكر، لأي سبب يشي باحتمال استعادتها، فإن مستويات وطرائق التعامل معهما معا، تظل محتفظة بمركزية اهتمام الكائن، بصرف النظر عن المرجعية التي يعتمدها في تعاملاته هذه.

غير أن الطريف في الموضوع، هو الحضور الملموس للمنحى الخرافي في الأجناس الفكرية والروحية والإبداعية، المسكونة بتصنيع الذاكرة الأصلية. فبقدر ما نجده قابلا لأن يستقل بمنهجيته في عملية التصنيع هذه، فإننا سنجده أيضا مهيأ لتسريب خطابه إلى باقي الأجناس، باثا في أنساغها ما أمكن من الغواية والإغراء الدلالي.

هكذا، سوف يجد الكائن ذاته أمام عدد لا متناه من الأوراش، المنصرفة إلى تصنيع أعداد وأصناف لا حصر لها من هذه الذاكرة المحلوم بها، حيث ستطمئن كل فئة إلى النموذج المنسجم مع انتظاراتها وتطلعاتها، مع الأخذ بعين الاعتبار، واقع التباينات والاختلافات القائمة بين قناعات واختيارات المنضوين تحت جناح هذا النموذج أو ذاك. ذلك ما تفصح عنه الصراعات المذهبية المنتمية إلى الرؤية الدينية، والشيء ذاته يمكن ملاحظته بالنسبة للصراعات الدائرة رحاها بين التيارات الفلسفية والعلمية، فضلا عن القطائع الجذرية القائمة بين مدارات الفن والإبداع، المنفتحة على أشباهها دون أضدادها. ولعل أهم ما يستدعي الاهتمام في قلب هذا المحفل الكوني، المترامي الأطراف، من جهة جغرافياته ولغاته، وانشغالاته الروحية، المعرفية والثقافية، هو الوجود الضمني لمجموع مساراته البحثية داخل المسار الواحد، إذ مهما حاول اختيار ، يستقل بمركزيته في تصنيع ذاكرته، فإن باقي الاختيارات، لا تلبث بشكل أو بآخر، أن تجد طريقها إليه كي تمارس انصهارها وتسربها بين إوالياته. وهو ما يلاحظ على سبيل المثال لا الحصر، بالنسبة للرؤية الفلسفية للعالم، التي لا تعدم مطلقا حضور ظلال باقي الاختيارات الدينية والأسطورية والإبداعية في تضاعيفها. طبعا بعد إخضاعها لما أمكن من عمليات التكييف والتشذيب. والشي نفسه ينطبق على هذه الاختيارات، في توظيفها للأنساق الفلسفية، ضمن ما تعتمده من إواليات بنائية خاصة بها، كما هو الشأن بالنسبة للديني في تضمينه للأسطوري، والفلسفي والجمالي، وهكذا دواليك .
غير أن الطريف في الموضوع، هو الحضور الملموس للمنحى الخرافي في الأجناس الفكرية والروحية والإبداعية، المسكونة بتصنيع الذاكرة الأصلية. فبقدر ما نجده قابلا لأن يستقل بمنهجيته في عملية التصنيع هذه، فإننا سنجده أيضا مهيأ لتسريب خطابه إلى باقي الأجناس، باثا في أنساغها ما أمكن من الغواية والإغراء الدلالي. حتى ليمكن القول، إن الأصل في البحث عن ذاكرة الوجود المفقودة هو مسلك خرافي بامتياز، بالنظر لقدرته الاستثنائية، على اجتياز أكثر الحواجز العقلانية تعقيدا، فضلا عن قدرته الفائقة على لم شتات محكياته، والإمساك بزمام تلقيها. وتأكيدنا على هذه الخاصية، ينهض على أرضية اقتناعنا بأن طريق البحث عن الذاكرة الأصلية، هو طريق «الخرافي» بامتياز، بفعل تموضعه المعلن والمضمر في آن، خارج مضارب العقل الوضعي، الذي لا تكف كائنات التنوير عن التباهي بكفاياته المنطقية.
في خضم هذا وذاك سيظل الوجود متفرغا لحشد ما أمكن من الفلاسفة والشعراء، والعلماء والمؤرخين، فضلا عن المهرجين والقتلة، انطلاقا من هوسه الغامض بتصنيع ذاكرة، متخصصة أساسا في إضرام نيران الخلاف، أنى رحلت وارتحلت ذاكرة، عبثا تحاول أن تتماهى مع طيف أصلها المستسلم أبدا لفتنة الغياب.

شاعر وكاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية