تصور المثقف والمثقف المضاد لطبيعة الحراك في المجتمع المغاربي: تداعيات الخصومة مع التاريخ!

حجم الخط
0

عبد القادر رابحي1. تبدأ الانتفاضات عادة بـ (ضجيج الأطفال) وتنتهي ـ بطريقة شبه مؤكدة – بـ (تغيير الخوف لموقعه) في لحظة يأس وجودية يصبح فيها الفعل ردَّ فعل استباقيّاً يعتمد القراءة المركزية للحراك، وكأنه أسطوانة قديمة لم تفصح عن كل أسرارها. كم مرة وبأية طريقة بإمكاننا أن نستفيد من فيلم (معركة الجزائر) ونستخلص الدرس مما تخبئه القراءة السيميائية وهي تعلمنا مرّة أخرى كيف يمكن للشاب اليافع أن يصبح كهلا بمجرد حمله لروحه على راحته والرمي بها في مهاوي الردى؟ تماما كما فعل جيل الثورة التحريرية في الجزائر وهو يحمل على عاتقه عبء إعادة نسج بياض التاريخ بالأحمر القاني من خلال تمزيق مترسخات الصفحة الكولونيالية في ذهن التصورات المهادنة التي تميزت بها خطابات العديد من المثقفين الجزائريين في مرحلة بالغة الحساسية من تاريخ الأمة الجزائرية. ربما أخطأ هيرودوت في سبقه التاريخي وهو يسجل قبل العديد من المؤرخين حضوريةَ الامتزاج (اللّواتي، الكتّامي، الهوّاري) بالأرض المتحركة تحت أقدام الداخلين والخارجين من الغزاة الذين استسهلوا كرم الأرض وتناسوا غضبها. وربما كان السبب نفسه الذي جعل عبد الرحمن بن خلدون، وهو ابن هذه الأرض والخبير بخصوصية أهلها، يخرج عن مسار الرؤية العقلانية الصارمة المستمدة من المعايشة الدائمة لدواليب السلطة والحكم في الدويلات المتعاقبة التي شهدها المغرب العربي في العصر الوسيط من خلال محاولته استخلاص نظرية متكاملة للعصبية والدولة، ويُبْدِله بمقاربة تحليلية أكثر انفتاحا على البصمة الإشراقية التي يتميز بها إنسان المغرب العربي في حراكه التاريخي المتجدد، مثلما يؤكد ذلك محمد عابد الجابري، وذلك من خلال استفاضة ابن خلدون في ذكر كلّ شاردة وواردة عن الإنسان المغاربي محاولا إدراج أيقونات الحراك التي ميزت مساره في مجمل تواجداته الزمنية والمكانية والإنسانية. وليس أدل على ذلك ممّا يوحي به عنوان كتابه من (درسٍ / عبرة) لعلنا لم نتوغل في عوالم سميائيته المتخفية في طوله الذي يحتوي على هذه البصمة (العبر، وديوان المبدأ والخبر، في ذكر أخبار العرب والعجم والبربر، ومن جاورهم من ذوي السلطان الأكبر).2. يذكر التاريخ – تاريخ الفتح الإسلامي لبلاد المغرب – أن الصحابي الجليل عقبة بن نافع الفهري اضطر وهو على أبواب القيروان إلى عقد سلم (لا عقلاني) حتى مع الأفاعي والزواحف والأسود المتربصة بدخول الغريب إلى المجال الروحي المغاربي، والواقفة بالمرصاد لكل من تخول له نفسه العبث بقدسية المكان وبكرامة ساكنيه من أجل أن يحترم البعد الذي طالما لم يحترمه الرومان والوندال في تعاقبهم على هذه الأرض قبل الفتح. ولم يحترمه الأتراك ولا الفرنسيون بعده. وقد كان له فيما بعد أن يكون سببا (عقلانيا) مباشرا أو غير مباشر في تخطي الإنسان المغاربي لعقبة استقبال الوافدين من ذوي النوايا الحضارية المختلفة، وفكِّهِ لعقدة الخضوع التي طالما أرّقت هاجس مثقفٍ مثل محمد الشريف ساحلي، من خلال الدّخول في مربع الفاتحين لأرضٍ ما كانت لتُفتح لولا حيوية الحراك وخصوصيته اللتين يتميز بهما المجتمع المغاربي، والتي أدت إلى تغيير جدلية التاريخ بصفة جذرية وقلب موازين معادلة (المُستعْمِر/ المُسْتَعْمَر) (الغازي / الخاضع) في التجربة الأندلسية، وأفضت فيما أفضت إليه إلى تأسيس عقلانية رشدية أنارت الطريق فيما بعد لغربٍ غارقٍ في بحر الظلمات ومتأهبٍ للعودة إلى تنويريةٍ ديكارتية ستفتح له الطريق المعاكس في لعبة ذهاب ومجيء لحركية التاريخ كانت أرض المغرب الكبير ميدانا لها والإنسان المغاربي عضوا فاعلا فيها.3. لقد شكلت التصورات النظرية للمثقفين الغربيين بمختلف اتجاهاتهم قاعدة أساسية للولوج إلى فهم طبيعة الحراك الاجتماعي في بلاد المغرب العربي، وذلك من أجل استخراج الآليات الضرورية التي تتحكم في هذا الحراك واستنباط القواعد العامة التي تسيّر نمط الإنتاج في هذه المجتمعات قبل الاستعمار الفرنسي، أي في العهد التركي في حالة الجزائر التي لا تختلف عن حالة تونس كثيرا. ومثلما قدم كتاب (العبر) لابن خلدون رؤية مستفيضة عن طبيعة هذا الحراك في ما يقارب الألف سنة من التقلبات السياسية والاجتماعية في بلاد المغرب العربي، ومكن الباحثين من تكوين تصور شامل عن هذا الحراك في مظاهره الفكرية والسياسية والاجتماعية، فإن كثيرا من الكتابات لمثقفين مغاربيين معاصرين ستستند على هذا الخزان الهائل للذاكرة المغاربية لإيجاد مقاربة لا تعتمد بالضرورة على التصورات التحليلية للمثقفين الغربيين على الرغم من اختلاف اتجاهاتهم الأيديولوجية، وذلك من أجل خلق مسافة الفارق التي تفرضها طبيعة زاوية القراءة التي ينظر من خلالها هؤلاء الغربيون إلى بنية الحراك في المجتمعات المغاربية. وهي مسافة مكنت الباحثين المغاربيين من إدراج العديد من الأيقونات الفكرية والحضارية المغيبة من طرف الغربيين بطريقة متعمدة لأسباب سياسية أو إيديولوجية، أو غير متعمدة بسبب عدم القدرة على الإلمام بالصورة المكتملة للمعالجة النظرية ‘ لطبيعة البنى الاجتماعية في الجزائر قبل الغزو الاستعماري’ كما يقول عبد القادر جغلول. إن طبيعة الحراك الاجتماعي في بلاد المغرب العربي التي شكلت محطة اهتمام بالغ من طرف باحثين مثل نوشي ولاكوست ودوكوا وجاليسو وفالنسي وبرينان هي نفسها التي جعلت كارل ماركس ينتبه إلى طبيعة البنية الحراكية للمجتمعات المغاربية وهو يعاين أسس تغيراتها فيما تبقى له من استشراف لمجاهيل نظرية الحراك من خلال تحليله وملاحظته لتطور نمط الإنتاج الأفرو- أسيوي في الجزائر خاصة، وبحثه عمّا يمكن أن يكتشف من (فائض قيمة) يزخر به حراك الإنسان المغاربي وهو يرزح تحت نير الاستعمار الفرنسي الذي يعرفه ماركس جيدا من خلال معاينته الواعية لتطلعاته من الضفة الأخرى لبحر المانش. وهو نفسه الحراك الذي أدى بـ (بيار بورديو) وهو يحل مجندا للجيش الفرنسي في منطقة القبائل، إلى التخلي عن الفكرة الوهمية التي كان يحملها عن الفلسفة كممارسة نظرية وينتقل إلى المعاينة الميدانية للحالة الكولونيالية وهي تحقق الشرط الاستعماري البائن بينونة كبرى في معايشة السلوكات الحياتية للإنسان البسيط في منطقة القبائل قبل الثورة التحريرية وأثناءها. ولعل هذا التحول هو ما حدا به إلى الاهتمام بهذا الشرط من خلال تخصيصه أولى كتاباته لتحليل المجتمع القبائلي. والأكيد أن هذه المعاينة لم تنعكس على تصوّره للحراك الاجتماعي في المجتمعات المستعمرة في كتاباته في هذه الفترة فحسب، بل تعدتها إلى اتخاذ مواقف أكثر وعيا بخصوصية هذا الشرط الذي يبدو أنه فهمه جيدا في كتاباته اللاحقة كلما تعلق الأمر بتطورات متسارعة للتاريخ وهو يحاول أن يعطي (الدرس / العبرة) للسُّلَط السياسية المتعاقبة على هذه البلاد في مراحل الدولة المابعدكولونيالية.4. غير أننا سنلاحظ هذا الوعي حتى عند المثقف / المنتوج لهذه الدولة وهو يحاول أن يخرج من عباءة المثقف / التابع التي فُرضت عليه في فترة الأحادية السلطوية المتسترة تحت عباءة التصور الشمولي للايديولوجية اليسارية، وذلك من خلال محاولته درء المسافة الفاصلة بين أحادية السلطة الدائمة وأحادية الايديولوجية المتغيرة بناء على المستجدات الظرفية التي عادة ما فرضت تغييرات جذرية في التصورات الفكرية والسياسية التي يحملها المثقف بصورة نظرية عن المجتمع في حركيةِ تطوّره نحو المجهول كاحتمالٍ مستقبليٍّ وحيد لما يجب أن تكون عليه الشعوب في مراحل انبثاقها من قعر التاريخ الرسمي للأنظمة السياسية المتعاقبة.

ولعله نفسه الحراك الذي أراد أن يترصده عالم الاجتماع الجزائري عبد القادر جغلول، وهو يحاول أن يتلمس في كتاباته الخيط الرابط بين الرؤية الخلدونية والرؤية الماركسية من خلال قراءته لهذا الحراك وهو في بدايات مراحل اشتغاله بالدرس الاجتماعي بعد الاستقلال، ومعاينته، من ثمة، لحركية المجتمعات المغاربية (الجزائري خاصة) في العصر الوسيط في كتابه (مقدمات في تاريخ المغرب العربي القديم والوسيط). وعلى الرغم من اتسام كتاباته في هذه المرحلة بالتصور اليساري للدرس الاجتماعي عموما نظرا لقرب هذا التصور من (الإيديولوجية السبعينية) ذات التوجه اليساري، إلا أن هذا التوجه لم يمنعه من توسيع ميدان المعاينة السوسيولوجية ورفضه لـ ‘ الثبوتية التصورية’ من خلال إدراج أيقونات الحراك الذي يكون قد لاحظه وهو يقرأ ابن خلدون من جهة، ويقرأ العديد من المقاربات الغربية بمختلف توجهاتها الإيديولوجية من جهة ثانية، وهو الإدراج الذي مكنه من تنشيط هذه الأيقونات في شاشة الهاتف الاجتماعي النقال لصورة الإنسان المغاربي المتخاصم مع التاريخ بوصفه أداة رسمية لعبور الساسة المتغيرين منعرجات الجغرافيا وتقلبات الأرض العصية على التسطيح، فكانت دراسته لتاريخ الجزائر الحديث في كتابه (تاريخ الجزائر الحديث، دراسة سوسيولوجية) عبارة عن تأكيد لما يجب أن يضعه الساسة المتغيرون في أذهانهم وهم يصرّون على الاعتقاد بأن حضورهم المحدود في آنية اللحظة التاريخية لا يمنح لهم أحقية الاعتقاد بالإقامة المستديمة في مركزه أو في ضواحيه. ولعل هذا ما مكّنه فيما بعد من استخلاص (الدرس / العبرة) من الحراك التسعيني في الجزائر، فكانت قراءته لهذا الحراك أكثر انفتاحا على المراكز المعرفية والفكرية المغيّبة من شاشة المجتمع منذ تأسيس الدولة المابعد كولونيالية.

ولعل هذا ما نلاحظه في كتابات الباحث الهواري العدّي وهو يرصد هذه الحركية في فترة التسعينيات وما قبلها في الجزائر خاصة، والتي نستنتج من خلالها أن ثمة خللا جوهريا في المقاربة التي يحملها المثقف المغاربي عن الحراك الاجتماعي الذي يعايشه بصورة منفصلة عن الواقع على الرغم من أنه جزء منه، ومفصولة عن مرجعياته المعرفية المتمثلة في غياب ثقل التجربة التاريخية التي مرّ بها المجتمع المغاربي عبر أكثر من ألف سنة من التحولات الجذرية في البنيات السياسية والاقتصادية خلال العصر الوسيط، عن التصورات التبسيطية التي تحملها عادة المشاريع الآنية للدولة الوطنية عن التاريخ وثقل التجربة التي يحملها.

ولعل هذه النظرة التبسيطية في قراءة التاريخ هي التي تعطي الحق للسياسيين، أبناء اللحظة وصنّاع ملحمة التحرير ومعبِّدي طريق الاستقلال، في الاستيلاء على المجال الواقعي للممارسة السياسية الآنية بوصفها فعلا وحيدا قادرا على إحداث التغيير في البنيات الراكدة، ومن ثمة تأكيد الأحقية المطلقة للسياسي المتغير في صياغة المشاريع التحديثية للمجتمعات بمخططات يشوبها كثير من التنميط المفاهيمي المتولد عن الاستغلال المفرط لأسبقية الرجل السياسيّ في صناعة الحراك المؤدي إلى تأسيس الدولة الوطنية المتحصلة على استقلالها بفضل تضحياته الخاصة وتضحيات عائلته (الثورية). ومن ثمة استبعاد القيمة اللازمنية المرتبطة بـ (الدرس/ العبرة) الذي توقّفَ عنده العديد من المثقفين وهم يبحثون في بطون التراكم التاريخي عمّا يجعل هذا المجتمع حرًّا في عمق تصوره لكينونة وجوده وتحقيقه لشرطيتها على الرغم مما يمكن أن يشوبه، بين حين وآخر، من (قابليةٍ للاستعمار) على حد تعبير مفكر جزائري آخر هو مالك بن نبي. 5. لقد تمّ تحييد الحراك الاجتماعي من حضور مأدبة الاستقلال الوطني للمجتمعات المغاربية، لا بوصفه وجها حاملا لأبعادٍ تثويريةٍ لا تتلاءم مع استتباب مرحلة ما بعد الكولونيالية، ولكن بوصفه مُنغّصاً مُزْمنا لهذا الاستتباب في حالة ما إذا تم إشراكه في هذه المأدبة. ومن هنا، تحولت القيمة الفكرية لهذا الحراك بوصفه مشاركةً، إلى قيمة حراك اجتماعي بوصفه مطالبة. وهو سينتقل بصورة منطقية من السير المتوازي مع خطى الرؤية الرسمية للدولة الوطنية إلى السير في الاتجاه المعاكس لهذه الرؤية التي أكدت له في غير ما مرّة تحييدَ حضوريته في اللحظة الآنية لتقاسم الريع (المشاركة)، ومن ثمة تأكيد عدم حُضوريةِ لازمنيةِ (الدرس / العبرة) في ذهن أصحاب المشاريع التحديثية والتنموية. وبناء عليه، فقد تم استبعاد عنصر القيمة اللازمنية للدرس الآني / المستقبلي في صياغة مشاريع بناء الدولة (الدول) الوطنية المستقلة، وتقنين سبل تحديث بنياتها النظرية والمادية بما يحقق نوعا من التكافؤ في تنمية الإرث الروحي، وتوزيع سيولة (فائض القيمة) المادي من خلال وصول الريع (أو المنتوج عن طريق الجهد) إلى قنوات (الفُقَّارة الوطنية) بطريقة عادلة تؤكد المشاركة الفعلية للطبقات (الأرضية) التي ترتكز عليها آليات إنتاج المعرفة في ضمانها لصيرورة هذه الدولة (الدول). لقد شكلت المشاريع التحديثية في الكثير من جوانبها النظرية المقترحة على الدولة الوطنية المستقلة التي تستند إلى الاعتقاد بإمكانية إرضاء الإنسان القاصر بقليل من الخبز والماء، أداةً محوريةً في سلخ الشجرة الواقفة من قشور جذعها الحاملة لجينات هويته، والحامية لمناعته. وسرعان ما تحولت هذه المشاريع، عبر مراحل تطبيقها على الواقع الاجتماعي، إلى ما يشبه محاولة (الاعتداء على الأصول) الفكرية والمعرفية للمجتمع. وهو اعتداء ينم عن جهل مدقع لهذه المشاريع بتاريخية الحراك الاجتماعي في أرض المغرب وعنفوان حضوريته في المكونات الوجودية للإنسان المغاربي. ولم تمكّن هذه المشاريعُ التحديثيةُ المجتمعَ المغاربي في حراكه المتجدد منذ التجربة الرومانية إلى التجربة الفرنسية، مع إضافة تجربة الدولة الوطنية المستقلة، من الانغراس الفعلي في مستقبل الحداثات الوهمية المشروطة في بنيتها التكوينية بشرط (الانبتات) كآلية ضرورية لتحقيق شرطية الانغراس في آنية العصر التي تجبر المترشح على المرور عبر (الكاشف / السكانير) الإيديولوجي أو السياسي أو الاقتصادي لـ (تعرية) الإنسان المغاربي من خصوصية شرطه التاريخي وتحييد جذوره التأصيلية من فاعلية المنظومة المفاهيمية التي أسست لوجوده عبر المراحل التاريخية، من أجل الفوز عندئذ بـ (التأشيرة النظرية) التي تؤهله للدخول في خضم المغامرة الحداثية المفروضة عبر المشاريع ذات التصور الآني التي تضطلع الرؤية النظرية للدولة الوطنية بتسويقها كحل وحيد لرفع سقف التنمية، ومن ثمة رفع سقف الحريات ضمن ما يسمح به التصور العام للمشروع التحديثي السلطوي. ومثلما أن مفهوم ما بعد الكولونيالية قد تمخض في أوج تأزمه وجرّاء انتهاء مدّة صلاحيته، عن ميلاد مفهوم الدولة الوطنية (المستقلة)، فإن وصول مفهوم الدولة الوطنية إلى مأزق استنساخ المنهج التأسيسي لمشروعه المستقبلي من التجربة الكولونيالية نفسها، قد أدى به إلى توليد عودة هذه الأخيرة بوصفها فعلا تسلطيا إلى ساحة الممارسة السياسية الوطنية المنغلقة. وذلك من خلال استيراد الرؤية التنموية الغائبة من الواقع المعاش في المجتمعات المتحررة من الاستعمار بوصفها بديلا حداثيا لا مفرّ منه، واتخاذها منهجا تنويريا لإطالة عمر المفارقة التاريخية المتولدة عن تحول الأنظمة الوطنية التي بنت مصداقيتها السلطوية على البعد الوطني التحرري واستمدتها منه، إلى مُعادِلات موضوعية للأنظمة الاستعمارية في بنية تعاملها التاريخي مع طبيعة الحراك، مكرسةً بذلك انتقال الأنظمة السياسية المتعاقبة من مرحلة الدكتاتوريات الكولونيالية إلى مرحلة الدكتاتوريات الوطنية، إلى درجة أصبحت فيها الشعوب ترفع في وجه حكامها الوطنيين – الذين كانوا إما آباء للمدّ التحرري أو أبناء له -الشعاراتِ نفسَها التي رفعتها في وجه الاستعمار (الكولون)، وذلك من أجل تحيين آليات التحرر من القمع والتضييق والظلم وتحضيرها لمواجهة طبائع الاستبداد.

وقد اضطر التحويلُ المنهجيُّ للمرور من مرحلة الدكتاتوريات الكولونيالية إلى مرحلة الدكتاتوريات الوطنية، إلى تحييد خصوصية الرؤية العقلانية التي تعامل معها ابن خلدون وغيره من المثقفين بلطف معرفي كبير، والتي اتصف بها عادة الخطاب الثقافي لأهل المغرب طيلة صياغتهم للمشاريع السياسية والاجتماعية التي ميزت العديد من تجارب الحكم في المغرب العربي (الدولة الرستمية) وفي الأندلس، وذلك من خلال الاعتماد على المقاربة المعرفية المتوازنة في جوهر تعاملها مع الحراك الاجتماعي في بلاد المغرب الكبير. كما تم هذا التحويل عن طريق التحديث لا بوصفه هدفا ولكن بوصفه وسيلة، لا بوصفه مسارا تنمويا طبيعيا ولكن بوصفه وصفَةَ تحييدٍ عقلانية للقوى الحِراكية في المجتمعات الخارجة لتوّها من أسر الاستعمار، والباحثة لها عن مساحة واسعة للتعبير عن الحراك الاجتماعي بصورة طبيعية غير متشنجة جراء العوارض التاريخية، وغير آبهة بالجدران الإيديولوجية المحصنّة. 6. لقد شكلت خصومة الإنسان المغاربي مع التاريخ في كل مراحله عاملا أساسيا في التصالح مع ذاته الفاعلة، ومرجعيةً أساسية في استعادتها لدورها النافذ بوصفها إرادة باقية ومتحدية لمسارات الأنموذج التحديثي السلطوي المسلط على واقع الممارسة الحياتية للإنسان المغاربي عبر العصور. وقد تحول الأنموذج المسلط في تعامله مع الإنسان المغاربي عبر هذه المراحل التاريخية إلى أداةِ عُتُوٍّ متجددة مكّنت الحراك الاجتماعي في أرض المغرب الكبير من التحول إلى قاعدة ثابتة تستمد مصداقية تجددها من إصرار الحاكم في كل العصور على إعادة إنتاج أنماط القمع الفكري نفسها التي كثيرا ما أودت بهلاك أنظمة سياسية واقتصادية كانت تعتقد أنها خالدة، فيوفر بذلك الفرصة المثالية للتاريخ بإعادة نفسه بنفس مستوى حدّةِ التسلّط والقهر التي سلطت على المتخاصمين معه والمتصالحين مع ذواتهم. لقد أكّد (الدرس / العبرة) الذي يحمله هذا الحراك الاجتماعي أنه بإمكان صانعي التاريخ أن يكونوا ضحاياه المثاليين إذا ما اعتقدوا أنهم في منأى عن عواقبه لكونهم من صانعيه، وأنهم يمتلكون بذلك الحق في تغييره أو الالتفاف عليه أو تجاوزه. إنهم بهذا التصرف يتناسون عادة أن الجغرافيا لا يمكن أن تبقى ثابتة إلى الأبد، وأن الحراك بإمكانه أن يجرّ كل الأيقونات المثبتة في شاشة الحقيقة التاريخية إلى منتهيات غير منتظرة تماما عندما يصل الزبد إلى الطوابق العليا من البناية الوطنية مترهلة الأركان. وهم بذلك يعطون فرصة للتاريخ للبرهنة المادية على أنه قادر على أن يعيد نفسه عندما يتعلق الأمر بتوفر الشرط الاجتماعي للإطاحة بثنائية (الضحية والجلاد). شاعر وكاتب من الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية