لقد كان لحالة التململ الأمريكية من تبعات النية الإسرائيلية لتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية وقع مخيف على القيادة الإسرائيلية التي وجدت نفسها فجأة أمام زئير الأسد الأمريكي الذي طالما كان يستعمل قوته وجبروته لحماية هذه القِطَّة التي لا تكف عن غرز مخالبها في الجسد العربي المسجى بدون حراك.
وكان لحالة الإسلاموفوبيا التي يعاني منها الغرب وإسرائيل ما يكفي من المبررات لكي تقف في صف واحد في دعم هذا الكيان الذي تم إخراجه للحياة بحاضناتٍ إصطناعية قامت بزرع جنينها الغريب في الرحم العربي المخدر.
ولما كانت الأسباب الأكثر حضوراً في العقلية السياسية الغربية، في واقع الأمر، أسبابا اقتصادية وإستراتيجية للسيطرة على مجريات الأمور من حيث منع إعادة تشكيل الكيان السياسي العربي أو الإسلامي الذي طالما حاولت دحره وتدميره خلال القرون المنصرمة، فقد بقيت هذه الأسباب تقف وراء هذا الدعم الغربي الذي تمكن من إنهاء المعارضة المسيحية لتقبل اليهود، ومن ثم استعماله غطاء روحيا لدى شعوبها من أجل تمرير سياساتها العدوانية على المنطقة.
ولكن التحول الخطير في هذه المعادلة اليوم يكمن في أن المبررات الاقتصادية لاستمرار هذا الدعم قد بدأت تسير في اتجاه معاكس لحسابات الغرب الذي ذهب بعيداً ليجعل الولايات المتحدة والدول الغربية تندفع لغزو مباشر لمناطق جديدة تجاوزت عملية الإحلال القسري لليهود بعد إخلاء أكثر من نصف سكان فلسطين، لتذهب إلى أفغانستان ثم العراق الذي كان احتلاله حسب إجماع الغالبية العظمى من المحللين السياسيين، تحقيقاً للرغبة الإسرائيلية في تدمير العراق وتفكيكه حتى لا يشكل في المستقبل المنظور أي تهديد للدولة العبرية، إضافةً إلى اعتقاد أمريكا وبريطانيا بأن بحيرات النفط القابعة في جوف هذا البلد ستقوم بتعويض الخسائر وتعد بمزيد من الأرباح ومن ثم السيطرة على هذا المصدر الحيوي للطاقة.
ولكن الحرب قد تحولت إلى محرقة لرأس المال الغربي وبلغت تكلفتها الأولية ما يقارب الـ800 مليار دولار لتتجاوز الترليوني دولار، وأدت تداعياتها إلى تجاوز حدود المعقول عندما قامت بهذه التضحيات من أجل السيطرة على بلد لن تتجاوز صادرات بتروله المئة مليون دولار سنوياً.
ولهذا السبب كان على إسرائيل أن تتلقى صفعة تأديب من قبل الولايات المتحدة التي رفضت تزويدها بالجيل الأكثر تعقيداً من منظومة الدفاع الصاروخي واشترطت نصبه تحت إشراف خبراء من الجيش الأمريكي. أما الصفعة الأكثر إيلاماً فهي تلك الأخبار التي كشفتها صحيفة ‘الغارديان’ عن إحباط الولايات المتحده للضربة الجوية التي تهيأت لها إسرائيل في شهر ايار/مايو الماضي ورفض أمريكا تقديم تسهيلات على الأرض وفي الأجواء العراقية، لأن الولايات المتحدة ليست في وضعٍ يمكنها من الدخول في مواجهة مع إيران المتأهبة والقادرة على إلحاق الأذى بها، ولأنها ستجر الولايات المتحدة لمواجهة خطيرة في مياه الخليج، إضافةً إلى وضع 150 الف جندي أمريكي تحت رحمة إيران وخلاياها النائمة في العراق والخليج، إضافة إلى تشكيك أمريكا بقدرة إسرائيل على إنجاز هذه المهمة في ضربةٍ واحدة، وأن طول مدتها قد يؤدي إلى إحداث فوضى في منطقة الشرق الأوسط بكاملها.
هذه النظرة الأمريكية الجديدة للأمور لم تكن من واقع صحوة للعقل والبصيرة أو الضمير، وإنما هي محصلة للنتائج الكارثية التي وصلت إليها الولايات المتحده من حيث قدرتها على شن حروبٍ جديدة، وهي التي تعيش في مأزقٍ خطير داخل البيت الأمريكي الذي يمر في أحرج وأخطر مرحلة منذ كساد الثلاثينات من القرن الماضي. ان إسرائيل اليوم تعلم جيداً أن حلفائها ضاقوا ذرعا بتبعات الدعم الذي يقدمونه لها وقد ملوا من شهيتها المفتوحة لشن الحروب على الدول المجاورة وهي الدولة التي يشكل وجودها مخالفة صريحة للقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة، وتستمر في مصادرة الأرض الفلسطينية، وتفشل مفاوضات السلام رغم التنازلات السخية التي قدمها العرب والفلسطينيون.
وخلاصة القول فإن التململ الأمريكي من تكلفة الإندفاع الأهوج وراء إسرائيل، سوف يأخذ أشكالاً أخرى وقد تكون أكثر حدة، ومن المهم التذكير بتلك الدراسة التي قام بها بروفيسوران من كبار الأكاديميين الأمريكيين اللذان أثارا زوبعة كبيرة وصلت إلى الاتهام بمعاداة السامية من قبل اللوبي اليهودي وإسرائيل وهما جون ميرشميلر وستيفن والت John Mearshmeller and Stephen Walt وهي دراسة أثبتت أن مركزية إسرائيل في السياسة الشرق أوسطية أضرت كثيراً بعلاقتها مع الشعوب العربية والعالم الإسلامي، وأن المصالح القومية الأمريكية تتضرر كثيراً من هذه السياسة، وأنها تستفيد من علاقة أكثر واقعية مع العالمين العربي والإسلامي وأن الاستمرر في هذا النهج له تداعيات سلبية على مصالح الولايات المتحدة.
والأهم من هذا كله أن الحالة الأمريكية لم تغب عن العدسة الإيرانية التي تدرك حالة الضعف والإرباك التي وصلت إليها، ولكن الدول العربية لم تخرج من حالة الفزع التي سيطرت عليها بعد الحربين الأمريكيتين وتنصاع بشكل مطلق لمقولة الرئيس الأمريكي قبيل بدأ الحرب على أفغانستان ومن ثم العراق عندما قال… إن من لا يقف معنا فهو ضدنا، مع العلم أن الرياح مواتيةً جداً للعرب من أجل النهوض بوقفةٍ موحدة لإعادة صياغة العلاقة العربية مع الولايات المتحدة وأوروبا ومع القضية الفلسطينية، لأن إسرائيل تعلم جيداً أن الغطاء الذي طالما تمتعت به آخذ في الانحسار تدريجياً، وقد يزيد تسارع هذا الانحسار تبعاً لمنعطفات الأزمة التي تعصف بأمريكا والعالم.
زياد علان العينبوسي ـ نيويورك [email protected]