تضاريس الحداثة وما بعدها
خيري منصورتضاريس الحداثة وما بعدها كتب هنري لوفيفر في كتابه ما الحداثة فقرة تستحق ان نعود اليها الان، لانها تقدم امثولة في استقراء التاريخ وتفكيكه كنقيض للتسليم به والتعامل الغنائي معه باعتباره بديهيات..يقول لوفيفر: ان حداثتنا التي شرعت حدودها ومفهومها الخاص بالاتضاح الان قد بدأت مع التحولات الهامة التي شهدها البراكسيس الاجتماعي في القرن العشرين مع ظهور الامبريالية واندلاع الحربين العالميتين، ومع هيمنة التقنية في السياق التراكمي .وقد وضع لوفيفر كلمة حداثتنا بين قوسين وكأنه يعزل الحداثات حتي لو تزامنت، والحداثة التي يعنيها هي الفرنسية وبدرجة اشمل الاوروبية ما دام الامر يتعلق بالامبريالية والحربين العالميتين في النصف الاول من القرن العشرين، وما يقوله لوفيفر بعد ذلك يأتي بمثابة حشد للقرائن التي تكرس جغرافية الحداثة الاوروبية وتضع لها سياقا حضاريا واجتماعيا يخصها وحدها! فالحداثة الاوروبية في كل اشكالها المواكبة والمنبثقة والآتية كرد فعل، هي ذات ارتباط عضوي بسياق حضاري شامل، وعلي سبيل المثال لا يمكن فصل اشد اشكال الحداثة تجريبا وتطرفا عن الحربين العالميتين، وامحاء الذات المفردة تحت سطوة وهيمنة المؤسسات وعن مجانية الصراع الدامي طوال النصف الاول من القرن الماضي.لهذا السبب كانت الحداثة صادمة، لكنها ذات صدي وترددات، وكانت مسرحية لجان جينيه تقسم الصالة الي فريقين وكان للمعرض الفني مهما بلغت طرافته رواده ايضا والمبشرون به والذائدون عن غرابته!ان صبواتنا التي لا نكل من التعبير عنها لتأصيل حداثة عربية هي التي تدفعنا دائما الي طرح موضوعة الحداثة عنوانا لمحاور ومساجلات وكتابات لم يتح لها ان تتراكم وتنبني ككيان معرفي، فالحداثة ما تزال الواضح والغامض معا، وقد يحشرها البعض من هواة الاختزال والتسطيح في اطار اللغة بهدف تخليصها من الجمود وجعلها مرنة للتعبير عن الحي المعاصر، والبعض يراها تبعية طيعة لنموذج مكتمل، ومطروح للاحتذاء!وثمة فريق ثالث اكثر جدية يقيم حواجز بين مستوياتها، ولو ان الحداثة العربية او حداثتنا ، اذا استعرنا تعبير هنري لوفيفر، نهضت علي مرتكزات صلبة وحاورت مصداتها وكوابحها الذاتية والموضوعية لما كان الموت المبكر حصيلة لمعظم مشروعاتها!والموت الذي اعنيه هنا علي مستويين، عضوي ومجازي، العضوي يتمثل في بيانات رثائية كبيان مجلة شعر الختامي لا تليق بحماس البدايات وجسارة الخطوة الاولي، كما يتمثل هذا الموت في انحسار قصيدة النثر التي ابتكرت جمالياتها ومبرر كتابتها امام ذائقة عامة صاغها المزاج والنقد التقليديان!اما الموت المجازي فهو هذا الهواء الخانق والمؤكسد الذي يضغط علي رئات الكتاب والشعراء الحديثين سواء من حيث فرض ضرورتهم او اقبال الناس علي قراءة واقتناء نصوصهم المكدسة علي رفوف المكتبات.ہہہلقد كانت ضريبة الحداثة العربية باهظة تمثلت في الاحجام عن تحسس ملامح وخصوصيات وطنية يفرضها واقع له اشكالياته الكبري، وكان السبب كما اري في هذا الاحجام عن تحسس الخصوصيات هو بمثابة ردة فعل مبالغ فيها علي شعارات الخصوصية الثقافية والموروث القومي والتي لسوء حظها افرزت نماذج متدنية القيمة! لهذا وجدنا حداثات حلقت في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي عاليا لكنها سرعان ما سقطت لانها ديدالوسية واجنحتها اما مستعارة او من شمع، لهذا اذابتها الشمس.ان واقعا بهذا التعقيد، نتعالي عليه ولا نعترف به وبشروطه بالغة القسوة سيقابلنا بالمثل وسوف يتعالي بدوره علي حداثاتنا واكثر من هذا قد يجبرنا علي اعلان موتنا وبلوغ الجدار كما حدث في البيانات الوداعية لمجلات اوغلت في الحداثة حتي الصمت!!والـ(نا) التي يصر عليها لوفيفر ويضعها بين قوسين لا تختلف كثيرا عن قول رولان بارت احد ابرز ممثلي النقد الجديد في فرنسا الذي يقول: النقد الفرنسي نقد قومي فهو غير مدين علي الاطلاق للنقد الانكليزي او الامريكي، كما انه نقد عصري وغير وفي للماضي .وهنا اركز علي الشق الثاني من عبارة بارت لانه يعطي فهما لقومية النقد غير ذلك المعني السلفي الاتباعي الذي يحاول بعض مدعي الاصالة تكريسه وهو الانصياع التام للماضي، والنظر اليه كنموذج بياني كامل. وما ينطبق علي النقد من وجهة نظر بارت ينطبق بشكل او بآخر علي اشكال التعبير فرواية القرن التاسع عشر لم تكن بهذه السمات، الا انها ولدت في عصر العلم ومن انجازات ذلك العصر اخذت ملامحها المسماة الواقعية وبهذا المعني ايضا تقول ماري كولم : لقد اوجد (تين) ناقد تلك الفترة الشعار الادبي لكتاب عصره حين اعلن ان مادة المعرفة ايا كان نوعها هي حقائق صغري، وقد حاول ان يطبق هذا الشعار حتي علي شعر تلك الفترة، وحقيقة الامر ان تيارات الحداثة في اوروبا لم تكن بعيدة عن قرائن وموازيات فلسفية وفكرية، هذا اضافة الي ما سماه هنري لوفيفر هيمنة التقنية في السياق التراكمي!فالادب الوجودي اطلقته غصون نابتة علي جذع الفلسفة الموغلة في التجريد، والرواية الجديدة او المضادة لم تكن بعيدة عن الظاهراتية او الفينومونولوجيا كقرين فلسفي وفكري! ومسرح اللامعقول لم يكن بعيدا عن العبثية والنيتشوية المتسربة خارج حدود المانيا، وكشوفات الزمن التراجيدي لم تكن بعيدة عن جذرها الفلسفي (هنري برغسون) وهناك من الكتاب مثل (برونكو) يعيد مسرح اللامعقول والدادائية والسوريالية الي ثورة الفرد جاري عام 1896 والتي لا تنفصل بدورها عن افكار ثائرة علي الاخلاق البرجوازية، والقيم السائدة ومنها بل في مقدمتها القيم الادبية!ہہہكتب الكثير عن جغرفة الثقافة، بدءا من اطروحات كولونيالية رفدها الاستشراق وغذاها بمعارف غير ارضية ولا صلة لها بالتاريخ وانتهاء بدراسات انثربولوجية حاول اصحابها تفنيد ونقض ما كان في ادبيات الاستشراق الكلاسيكي اقرب الي المسلمات!نذكر للمثال فقط ما كتب عن المناطق الحارة والباردة، وعن تضاريس الثقافة الموزعة بين اعراق تبدع واخري عاجزة عن الابداع.لكن جغرفة الحداثة بالمعني الذي تحدث عنه لوفيفر تبدأ من اسئلة مختلفة ولها اطروحات لا يمكن ادراجها في خانة الادب الكولونيالي الذي جسده رديارد كبلنج في مقولته الشهيرة عن الشرق والغرب اللذين لن يلتقيا علي الاطلاق!لهذا فالحداثة حداثات لا واحدة، كما ان الواقعية واقعيات والبنيوية بنيويات ايضا، فما قدمه غولدمان مثلا لا يشكل امتدادا للبنيوية الشكلانية لانه ينطلق من مفاهيم تكوينية، ذات بعد اجتماعي، والواقعية التي حررها غارودي من الضفاف اتسعت لتشمل ثلاثة من مبدعي اوروبا الكبار، غالبا ما كان النقد يتداول منجزاتهم باعتبارها مضادة للواقعية وهم سان جون بيرس وبيكاسو ولوي اراغون!لكن الحداثات التي ترسم خطوط الطول والعرض لتضاريسها حساسيات مختلفة ومرجعيات معرفية متباينة، وبيئات غير متجانسة، قادرة علي التحاور، بل التلاقح ولعل المقصود بمصطلح المثاقفة كما اقترحه علماء انثربولوجيا للتدليل علي ان الثقافات لا تعيش في شرانق وعزلات يصبح قابلا للتأويل ونحن بصدد الحداثة، فالمسألة ابعد من مجرد العدوي التي تحدث عبر الترجمة او المحاكاة، رغم ان هناك حداثات ذات نفوذ يتجاوز نطاقها الثقافي واللغوي والجغرافي ايضا، لانها عابرة للقارات واللغات، وقد تكون الحداثة الاوروبية مثالا واضحا لهذا النفوذ.لكن كيف نفسر ظاهرة أشبه بجملة معترضة في هذا السياق، هي الطريقة التي تعاملت بها اوروبا مع الحداثة الوافدة من امريكا اللاتينية؟ خصوصا ما امتاز به امثال ماركيز واستورياس في حذف الحدود بين الاسطورة والواقع، او ما سمي الواقعية السحرية؟ہہہاحيانا يبدو لنا مصطلح الحداثة ذاته بحاجة الي تحديث كي نبدد الالتباس المزمن في دلالات هذا المصطلح، وحين يقول احد مؤرخي الحداثة وهو ماكفرلن ان بيان موت الحداثة صدر في برلين عام 1815 اي قبل ما يقرب من القرنين، فان الحداثات التي اقترنت ببيانات وانقلابات في الرؤي بعد ذلك التاريخ بحاجة الي تعريف آخر..وقد يضطر مؤرخو الحداثة الي رسم حدود تقريبية تفصل بين الحداثة وما بعدها ولو علي سبيل اجرائي.وفي ثقافتنا العربية، هناك عوامل تضاعف من الالتباس، لا في مصطلح الحداثة فقط بل في العديد من المصطلحات التي ترجمت او تم نحتها فالتيار الذي عرف بتيار الاحياء، ادرج عنوة في خانة الحداثة رغم انه صنع تماثيله من الرميم لفرط التقليد، والنسج علي منوال السلف، وقد تتلخص اشكالية الحداثة قدر تعلقها بالعرب وثقافتهم في عبارة واحدة هي ان بناء البيت الجديد من حجارة البيت المهدم!ہ شاعر وكاتب من الاردن0