تضحيات بشرية واقتصادية تاريخية للشعب الفلسطيني

إبراهيم نوار 
حجم الخط
2

لم يتعرض شعب من شعوب العالم لظلم تاريخي مثل ذلك الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني. ويتمثل هذا الظلم في جرائم ارتكبتها الحركة الصهيونية الدينية تستهدف إبادة الهوية القومية الفلسطينية بدءا من الإبادة الجماعية إلى جرائم حرق أرضه وممتلكاته ومصادرتها، وإنكار حقه في أن تكون له دولته المستقلة ذات السيادة، أو حقوقه الإنسانية الأساسية. وتعتبر الجرائم التي ترتكبها دولة إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني منذ أكتوبر من العام الماضي، من الأكثر وحشية منذ اغتصاب فلسطين بتسهيلات من دولة الانتداب (بريطانيا) خلال الحرب العالمية الأولى. وأقامت بريطانيا سلطة الانتداب بصلاحياتها السياسية والإدارية بطريقة تخدم أهداف المشروع الصهيوني لاغتصاب فلسطين، بدءا من إصدار وعد بلفور، ثم تعيين واحد من أعمدة الحركة الصهيونية هو السير هربرت صامويل ليكون أول مندوب سامي بريطاني في فلسطين. وكان صامويل حريصا منذ يومه الأول على زرع الهوية الصهيونية في فلسطين لتزاحم الهوية الفلسطينية الأصلية وتتوسع على حسابها. وفي هذا السياق تم بواسطة الانتداب تعزيز نفوذ الحركة الصهيونية في كل مجالات الحياة، حتى انتهى الأمر إلى إقامة دولة إسرائيل على جزء من أرض فلسطين التي خضعت للانتداب البريطاني.
وتسير تطورات الحرب الراهنة في قطاع غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان في اتجاه تكريس سياسة إبادة الهوية القومية الفلسطينية، وتثبيت رؤية صهيونية دينية تنكر تماما حق الشعب الفلسطيني في الوجود بهويته القومية السياسية على أرضه. هذه الرؤية التي تتبناها حكومة اليمين الديني الصهيوني بقيادة الثلاثي نتنياهو – سموتريتش – بن غفير تمتد جذورها المتطرفة إلى فكر الإرهابي الصهيوني الأول زئيف جابوتنسكي، الذي اعتقد أن الفلسطينيين دخلاء على أرضهم يجب إبعادهم، فلديهم من وجهة النظر هذه أراض كثيرة في دول عربية تحيط بأرض إسرائيل الممتدة على جانبي نهر الأردن حتى البحر المتوسط. ويحاول نتنياهو مع حكومته منذ أواخر عام 2022 الإسراع في تهويد القدس، وقضم أراضي شمال الضفة الغربية وطرد سكانها أو قتلهم بواسطة استخدام أساليب العصابات الصهيونية في النصف الأول من القرن الماضي. وما كانت حرب غزة إلا صدى من أصداء السياسة الإسرائيلية للتوسع على حساب الفلسطينيين في الأرض التي يعتبرها القانون الدولي حاليا أرضا محتلة يتعين إقامة دولة فلسطينية عليها، وأن المستوطنات غير شرعية وغير قانونية ويجب إزالتها. في هذا السياق كانت وما تزال تدور الحرب الحالية في غزة، وهي حرب ليس أمام الشعب الفلسطيني فيها إلا الصمود والمقاومة.

الخسارة البشرية

إن أعظم خسارة يتعرض لها الشعب الفلسطيني في الوقت الحاضر هي الخسارة البشرية التي سيستمر أثرها إلى أكثر من جيل قادم، لأن إسرائيل تستخدم في هذه الحرب كافة الأساليب الوحشية والتكنولوجية من أجل تكثيف قتل الأطفال حتى لا يصبحوا فتيانا في الغد، وقتل النساء حتى لا يحملن ويلدن في الغد، وطرد الفلسطينيين من أرضهم حتى لا تكون لهم حاضنة تنمو فيها هويتهم القومية. ومهما كانت الخسائر المادية للحرب، مثل تدمير البنية الأساسية والمساكن والمنشآت الاقتصادية فإنها لا تعادل الخسائر البشرية أبدا، لأن ماعدا خسارة البشر يمكن تعويضه بسهولة، لكن الخسائر البشرية هي ما يستمر أثرها إلى أجيال قادمة. وطبقا لإحصاءات الأمم المتحدة حتى أول ايار/مايو من العام الحالي فإن نسبة 5 في المئة من سكان قطاع غزة قتلتهم قوات الاحتلال الإسرائيلي أو اصيبوا بسبب العدوان. ووصل عدد الشهداء حتى الآن إلى أكثر من 41 ألفا، في حين يبلغ عدد المفقودين أكثر من 10 آلاف، إضافة إلى عشرات الآلاف من الجرحى والمصابين والمعرضين للموت بسبب الأمراض والأوبئة والجوع وانعدام فرص العلاج الملائم. كما تتضمن الخسائر البشرية النتائج المترتبة على تدمير المدارس والجامعات، وهو ما يؤدي إلى حرمان أكثر من نصف مليون طفل في سن التعليم من حقهم في الحصول على التعليم الملائم. ومن المرجح أن نرى في غزة جيلا جديدا ترتفع فيه نسبة غير المتعلمين، جنبا إلى جنب مع التشوهات السامية الناتجة عن ارتفاع معدل قتل الأطفال والنساء.
وعلى مستوى الخسائر في رأس المال المادي بدءا من المرافق العامة والبنية الأساسية، حتى كافة مكونات الإنتاج السلعي والخدمي، فإن ما يتعرض له قطاع غزة من خسائر بسبب حرب الإبادة الإسرائيلية يفوق كل ما تعرض له منذ عام 1948 وإقامة الدولة الصهيونية. ويقدر خبراء الأمم المتحدة طبقا لتقارير البعثات الميدانية على الأرض، وصور الأقمار الاصطناعية، والبيانات المتاحة من السلطة الوطنية الفلسطينية وحكومة إسرائيل أن إصلاح الدمار الذي تعرضت له غزة قد يحتاج إلى ما يقرب من 20 عاما. وقد لاحظت تقارير منظمات الإغاثة الإنسانية وتقارير الأمم المتحدة أن الحرب على غزة بدأت بينما لم تكن نتائج دمار الحروب السابقة قد تم إصلاحها بعد، وأن نسبة الخراب في البنية الأساسية والاقتصادية والمساكن الآن تصل إلى حوالي 88 في المئة. كما تلاحظ تلك التقارير أن الاقتصاد الفلسطيني خسر ما يقرب من 9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في الأشهر الأولى من الحرب حتى كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، وأن معدل الخسائر تسارع منذ ذلك الوقت حتى نهاية النصف الأول من العام الحالي. وتقدر منظمات الأمم المتحدة أنه في حال استمرار الحرب إلى نهاية العام الحالي فإن الاقتصاد الفلسطيني سيخسر ما يعادل 29 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع ارتفاع نسبة الخسارة في قطاع البناء والتشييد، وهو القطاع الأكثر تضررا إلى 75.5 في المئة. وذكر تقرير للأمم المتحدة والبنك الدولي أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية تقدر بنحو 18.5 مليار دولار وأثرت على المباني السكنية وأماكن التجارة والصناعة والخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والطاقة. وقالت منظمة أوكسفام في تقرير صدر في الآونة الأخيرة إن مدينة غزة فقدت تقريبا كل قدرتها على إنتاج المياه، إذ تعرض 88 في المئة من آبار المياه بها و100 في المئة من محطات تحلية المياه لأضرار أو تدمير.

معاناة اقتصادية

انعكست وحشية الحرب التي تشنها إسرائيل على المدنيين الفلسطينيين في صور كثيرة من الناحية الاقتصادية، فانخفض الاستهلاك العائلي للطبقة المتوسطة الدخل بنسبة تقترب من 40 في المئة، وارتفعت نسبة الفقر من 39 في المئة تقريبا لتتجاوز 60 في المئة. وهبطت قطاعات كبيرة من الطبقة المتوسطة إلى قاع الفقر، حيث يقدر عدد الأفراد الذين يعيشون تحت خط الفقر حاليا حوالي 1.9 مليون نسمة بنسبة تصل إلى 82 في المئة من عدد سكان غزة. ويتطابق هذا الرقم تقريبا مع عدد النازحين الذين يعيشون في ملاجئ مؤقتة، منها الخيام المحرومة من كافة تسهيلات ووسائل الحياة الضرورية والنقص الحاد في الغذاء وخدمات الرعاية الأساسية مثل الصحة والتعليم. وفي سوق العمل قفز معدل البطالة حسب التقديرات الرسمية بعد 6 أشهر من الحرب إلى 46 في المئة من السكان في سن العمل مقارنة بمعدل 26 في المئة قبل الحرب. ومن المرجح أن نسبة البطالة حاليا ترتفع عن 50 في المئة بشكل عام، لكنها ترتفع بين الشباب إلى أكثر من 80 في المئة، حيث لا تتوفر فرص عمل ملائمة، خصوصا مع تراجع أنشطة القطاع الخاص إلى حوالي 10 في المئة فقط مما كانت عليه قبل الحرب. وتقدر منظمات الأمم المتحدة أن مؤشرات التنمية البشرية في كل من قطاع غزة والضفة الغربية قد تدهورت كلها بسبب الحرب، وتراجعت بما يقرب من 20 عاما في قطاع غزة، وما يتراوح بين 13 إلى 16 عاما في الضفة الغربية. وتسهم إسرائيل بإجراءات مباشرة تتسبب في المزيد من التدهور الاقتصادي في فلسطين المحتلة، بما في ذلك وقف دخول المساعدات الإنسانية، وحرمان السلطة الوطنية الفلسطينية من حصيلة إيرادات الضرائب والجمارك التي يحق للفلسطينيين الحصول عليها. وللإمعان في التنكيل بالفلسطينيين اقتصاديا فإن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش يصدر تعليماته بتخصيص هذه الإيرادات لصالح جماعات المستوطنين المتطرفين وأنشطة الاستيطان غير القانونية.

تحديات اقتصادية صعبة

وتواجه الحكومة الإسرائيلية تحديات اقتصادية صعبة بسبب استمرار الحرب، حيث اعترف وزير المالية أمام الكنيست في الأسبوع الماضي بأن حرب غزة هي أطول حروب إسرائيل وأكثرها تكلفة حتى الآن. وتقدر وزارة المالية أن إسرائيل سجلت عجزا ماليا قدره 12.1 مليار شيكل (3.24 مليارات دولار) في الشهر الماضي وحده بسبب زيادة نفقات الحرب على قطاع غزة. كما ارتفعت نسبة العجز المالي من الناتج المحلي خلال الـ 12 شهرا الأخيرة إلى 8.3 في المئة من 8 في المئة فقط في شهر تموز/يوليو في حين أن العجز المستهدف في الميزانية الأصلية حتى نهاية العام الحالي يبلغ 6.6 في المئة فقط. وتقدر الحكومة نفقات الحرب حتى نهاية الشهر الماضي بحوالي 97 مليار شيكل جديد (26 مليار دولار). لكن تقديرات أخرى مستقلة ترفع تكلفة الحرب إلى أكثر من 50 مليار دولار. وبسبب العجز وتباطؤ النشاط الاقتصادي فإن الحكومة تتوقع انخفاض معدل النمو خلال العام الجاري إلى 1.1 في المئة فقط، بعد تحديث التوقعات على موقع وزارة المالية مقارنة بمعدل بلغ 1.9 في المئة قبل التحديث. لكن الوزارة تتوقع أن يتعافى الاقتصاد في عام 2025 وأن يرتفع معدل النمو إلى 4.4 في المئة، وهو أقل معدل للنمو منذ عام 2009 باستثناء عام جائحة كورونا 2020. وبسبب ارتفاع تكلفة الحرب، وزيادة العجز المالي تجاوزت قيمة الاقتراض الحكومي 200 مليار شيكل (54 مليار دولار) ما أدى إلى تخفيض التصنيف الائتماني لإسرائيل لأول مرة في تاريخها، كما هبطت أسعار السندات، وهو ما أسفر عن ارتفاع أسعار الفائدة على الاقتراض من الخارج إلى أعلى مستوى منذ 13 عاما. ومع تزايد العجز في مشروع ميزانية عام 2025 فإن خطة سموتريتش المالية تتجه إلى زيادة الإيرادات برفع نسبة ضريبة القيمة المضافة وزيادة الضرائب على الدخل، وكذلك الحد من المصروفات بما فيها الكثير من الإعانات والمساعدات الاجتماعية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية