تطبيع السعودية للعلاقات مع العالم الغربي يمر عبر تغيير ولي العهد ومصيره بين الإمارات والمغرب

د.حسين مجدوبي
حجم الخط
0

مدريد-القدس العربي”: تمر العربية السعودية بأزمة لا سابقة لها في علاقاتها الدولية مع الغرب أساسا منذ تأسيسها حتى الآن بسبب مقتل الصحافي جمال خاشقجي بطريقة بشعة في القنصلية السعودية في اسطنبول يوم 2 تشرين الأول/أكتوبر الجاري. وبعد اعترافها بارتكاب مسؤولين الجريمة، تواجه السعودية تحديين، الأول وهو كيفية إعادة تطبيع العلاقات مع المجتمع الدولي بعدما تحولت إلى دولة مارقة، بينما التحدي الثاني هو كيفية معالجة ولاية العهد والبحث الشائك عن بديل لمحمد بن سلمان يكون مقبولا من طرف العائلة والمنتظم الدولي.

وتعاملت السعودية في قراراتها الدولية خاصة حول حقوق الإنسان بنوع من الثقة الزائدة إلى مستويات العجرفة ومن ضمن الأمثلة تهجّمها على كندا بسبب تنديد هذه الأخيرة باعتقال الرياض لناشطات حقوقيات. ويبقى المنعطف هو كيف عالجت موضوع الجريمة البشعة التي ذهب ضحيتها الصحافي جمال خاشقجي، في القنصلية السعودية في اسطنبول يوم 2 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، فقد تميّز التصرف السعودي بالاستخفاف بالمطالب الدولية معتقدة في غلبة المصالح بين الدول على جرائم الاغتيال السياسية، ولكنها فجأة وجدت نفسها محط اتهامات إجرامية ومهددة بأقسى العقوبات من طرف المنتظم الدولي.

 وتواجه السعودية عدة تحديات على رأسها إعادة العلاقات مع المجتمع الدولي إلى طبيعتها ثم التحدي الثاني أين سيذهب بن سلمان في حالة تضييق الخناق عليه ومن سيستقبله في حالة تنحيه الذي أصبح مسألة وقت فقط.

ويشعر السعوديون أن المخرج الوحيد الآن لاستعادة ثقة العالم هو التعامل بشفافية في قضية مقتل الصحافي خاشقجي، لكن هذه الشفافية تبقى رهينة بن سلمان. ولا تتوقف التنديدات ولا المطالب ولا الاتهامات التي تشير إلى ولي العهد. فقد ندد البرلمان الأوروبي بالجريمة واليونيسكو والأمم المتحدة علاوة على الموقف المتصلب للطبقة السياسية الأمريكية من الجريمة. وعلاقة بالولايات المتحدة، يرفض الاستبلشمنت الأمريكي استمرار ولي العهد في منصبه، لهذا تعمّدت الاستخبارات الأمريكية تسريب معلومات حساسة لتقويض رواية البيت الأبيض.

وعموما، عملية تطبيع السعودية مع العالم الغربي تمر عبر مرحلتين، الأولى وهي الاعتراف بالمسؤولية الجنائية عن الجريمة، وقد اعترفت السعودية بهذه الجريمة ليلة الجمعة 20 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وذلك بعد قرابة ثلاثة أسابيع من المراوغات والأكاذيب على الرأي العام العالمي. وتتجلى المرحلة الثانية في ضرورة تحمل ولي العهد محمد بن سلمان المسؤولية السياسية للجريمة بعدما أكدت مختلف التقارير الاستخباراتية الأمريكية مسؤوليته، كما لم يقتنع أعضاء الكونغرس الأمريكي بالرواية السعودية التي تنسب عملية القتل إلى شجار داخل القنصلية، وتلاه لاحقا محاولة التغطية على الجريمة بتقطيع الجثة وإخفاءها. وكانت “القدس العربي” سباقة ضمن وسائل الإعلام الدولية يوم السبت 13 تشرين الأول/أكتوبر الجاري إلى التأكيد على استعداد السعودية الاعتراف بالجريمة ونسب المسؤولية إلى موظفين مارقين عندما نشرت مقالا بعنوان “السعودية نحو اعتراف ضمني بمسؤولية قتل خاشقجي وتحميل المسؤولية لأمنيين وإقناع عائلته بالدية”.

وفي آخر المطاف، سوف لن تجد السعودية في ظل تنامي الضغوطات، من حل للنجاة ومن العقوبات الدولية بما فيها محاكمة دولية، سوى التخلي عن ولي العهد تدريجيا وتحميله المسؤولية ولو نسبيا. وهكذا، في ظل تطورات ملف خاشقجي في الولايات المتحدة والغرب عموما، أصبح رحيل ولي العهد مسألة وقت، لكن هذا يتطلب معالجة نقطتين، الأولى من سيخلفه في ولاية العهد، والثانية أين سيذهب؟

في هذا الصدد، لا يستقيم مقترح تعيين خالد بن سلمان، وليا للعهد خلفا لشقيقه بسبب هشاشة هذا السيناريو، فسيستمر بن سلمان في التحكم في القرارات من وراء الستار خاصة بعدما وضع في مختلف مراكز القوة التنفيذية من جيش وشرطة واستخبارات رجاله المخلصين. يضاف إلى هذا أن كل تحقيق دولي سيقود إلى تورط الأمير خالد، السفير السعودي في واشنطن لأنه هو الذي وجّه خاشقجي إلى اسطنبول.

في الوقت ذاته، منطقيا، أبناء بن عبد العزيز مؤسس مملكة آل سعود هم من يشرفون في مجلس البيعة على كيفية انتقال العرش وتحديد ولاية العهد، لكن الملك سلمان استفرد بالأمر وفرض انتقالا عموديا مثل باقي الملكيات من الأب إلى الابن، ومع هذا القرار فقد مجلس البيعة دوره. وإضافة إلى هذا القرار، ترتب عن سياسة الترهيب والاعتقالات التي نفذها محمد بن سلمان، ضد أبناء عمومته إفراغ مجلس البيعة من أي مهمة يقوم بها. ويبقى الانتقال إلى الصيغة القديمة يتطلب حضور أبناء المؤسس، الأمير أحمد يعيش تقريبا لاجئا في لندن، بينما مقرن يستمر في العزاء على ابنه منصور ويعتقد مقتله بأمر من محمد بن سلمان بإسقاط طائرته المروحية في نفس اليوم الذي اعتقل فيه الأمراء، أما الأمير خالد بن طلال الذي يمثل والده طلال، فقد اعتقله بن سلمان ووضعه في السجن. وأمام صعوبة الانتقال، يسود الاعتقاد في احتمال وقوع عملية تغيير بالعنف تعيد ولاية العهد وربما العرش إلى الأمير أحمد بن عبد العزيز، أو إلى محمد بن نايف، الذي يحظى بتقدير في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة.

ودائما في إطار البحث عن مخرج للأزمة، يبقى السؤال: في حالة إقالة محمد بن سلمان من ولاية العهد، وهو مطلب دولي الآن، أين سيذهب وكيف سيكون مصيره؟ هناك حديث عن احتمال محاكمته في السعودية إذا زاد الضغط على السعودية ووجدت نفسها معرضة لعقوبات وخيمة ومنها الحصار الاقتصادي والسياسي. ومحاكمة بن سلمان صعبة وليست بالمستحيلة إذا جرى الاتفاق بين الرياض وواشنطن، خاصة وأن ولي العهد الآن في حالة ضعف وهشاشة. ويبقى الاحتمال الأكثر واقعية هو فرضية انتقاله للعيش في الخارج لأن حياته ستكون مهددة في السعودية بعد الذي فعله في أبناء عمومته.

وهنا يجري الحديث في سرية عن بلدين، لجوئه إلى الإمارات العربية وخاصة إمارة أبو ظبي بحكم الصداقة التي تجمعه بولي العهد محمد بن آل نهيان، صديقه في عدد من المغامرات السياسية والعسكرية ومنها الحرب ضد اليمن، وهو احتمال قوي جدا. في الوقت ذاته، هناك احتمال لجوئه إلى المغرب، للعيش مؤقتا في قصر أبيه سلمان في مدينة طنجة بعدما سيكون من الصعب عليه العيش في قصره الأغلى عالميا الموجود في فرنسا والذي اقتناه بقرابة نصف مليار دولار. وقد يقبل المغرب، لكن شريطة اتفاق دولي وضمانات سعيا منه في إيجاد حل لهذا الملف الشائك الذي يهدد الملكية السعودية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية