تطبيق الأدب علي التحليل النفسي

حجم الخط
0

تطبيق الأدب علي التحليل النفسي

حـسـن الـمـودنتطبيق الأدب علي التحليل النفسيإذا تأمّـلنا النقد الأدبي الحديث، سنجد أن المبدأ السائد الذي يبدو كأنه غير قابل للمناقشة هو أن النقاد يقومون بقراءة الأعمال الأدبية بواسطة نظرية خارجية مستعارة من علم التاريخ أو علم الاجتماع أو التحليل النفسي … الخ. والواقع أن الأدب أسبق في الوجود، فمن هوميروس إلي شكسبير وصولا إلي بروست والرواية الجديدة ونصوص التخييل الذاتي، ومن امريء القيس إلي ابن الرومي والمتنبي ونصوص ألف ليلة وليلة وصولا إلي نجيب محفوظ والطيب صالح وعبد الله العروي ومحمد زفزاف ومحمد شكري…، نجد الشعراء والكتّاب يقدّمون فرضيات عن الإنسان والعالم. وفوق ذلك، فالأدب لا يكفّ عن الابتكار والإبداع، وهو ما يعني أنه يسمح باستمرار بإعادة النظر في المفاهيم والفرضيات التي تنطلق النظريات منها.وإذا حصرنا الحديث في مجال تخصصنا، فان الربط بين التحليل النفسي والأدب قد أظهر إلي الوجود منهجين أساسيين: الأول، وهو السائد في الدراسات النقدية، يطبّق التحليل النفسي علي الأدب. والثاني، وهو قليل في الدراسات النقدية، ينطلق من أن العمل الأدبي يتقدم النظريات النفسانية الحديثة. واليوم، يبدو المنهج الثاني (2) أكثر قوة مقارنة بالأول، إذ لم يعد مقبولا إسقاط نظرية خارجية علي النصوص الأدبية، وخاصة بعد أن ظهرت دراسات تعمل من أجل إنتاج النظرية انطلاقا من النصوص، وترفض أن تجعل من الأدب مكانا نؤكد من خلاله فرضيات التحليل النفسي ونتائجه، وذلك لأسباب جوهرية نذكر منها:ــ أن الأدب هو أساس النظرية النفسانية، فمن دون الأدب لم يكن، ربما، ممكنا تأسيس التحليل النفسي، فقد كانت الفنون والآداب تمارس تأثيرا حقيقيا علي س. فرويد، وميوله إلي التراجيديا الإغريقية والآداب الألمانية كان حاسما في تحديد عقدة أوديب ونظرية الحلم. وقد قام مؤسس التحليل النفسي بقراءة رواية أدبية (غراديفا لينسن) قراءة محايثة انتهي من خلالها إلي أن الشعراء والروائيين هم أعزّ حلفائنا، ويجب أن نقدّر شهادتهم أحسن تقدير، لأنهم يعرفون أشياء بين السماء والأرض لم تتمكن بعد حكمتنا المدرسية من الحلم بها. فهم في معرفة النفس معلّمونا، نحن معشر العامة، لأنهم ينهلون من موارد لم نفلح في تسهيل ورودها علي العلم (1).ولا يجب أن نتخيّل أن فرويد مجرد طبيب، يؤسس فكرة في شكل علمي، ولا علاقة له بالأدب. ففي زمانه، أواخر القرن 19، لم تكن دراسات الطالب العلمي منفصلة عن دراسات الطالب الأدبي كما هو واقع اليوم، وأغلب علماء ذلك العصر كان لهم تكوين أدبي صلب. ففي التعليم الثانوي تعلم فرويد لغات كثيرة، قديمة وحديثة (الألمانية، الإغريقية، اللاتينية، الفرنسية، الإنكليزية، العبرية. وتعلم في مرحلة متأخرة اللغتين الإيطالية والإسبانية). وقد أكسبته هذه اللغات الكفاءة الضرورية لمواجهة مشاكل اللغة، والحصول علي ثقافة واسعة لا تنحصر في الأدب الألماني. ويكفي أن نشير إلي أن فرويد كان مولعا بقراءة الكتب منذ صغره، فقد قرأ شكسبير في الثامنة من عمره، وأعاد قراءته مرّات عديدة إلي أن صارت له القدرة علي سرد فقرات كاملة من أعماله. والأهمّ من هذا أن فرويد قد انطلق من النصوص الأدبية من أجل تأسيس نظرية نفسانية، وتعتبر أسطورة أوديب النص الأساس الذي قامت عليه هذه النظرية. والسؤال الجوهري الذي يطرحه أهل المنهج الثاني هو: ألا يمكن للنقد النفسي أن يعيد تشكيل النظرية النفسانية انطلاقا من إعادة قراءة الأعمال التي استند اليها التحليل النفسي، أو انطلاقا من نصوص أخري لم يقرأها فرويد أو ظهرت بعد موته؟ وبعبارة أخري، لماذا لا نستعمل الأدب لقراءة التحليل النفسي، ولاعادة بنائه وتقويمه وتجاوزه؟من الضروري أن نأخذ بعين الاعتبار أن الأدب لا يكفّ عن الابتكار والإبداع، وأن هناك دوما نظريات أخري في الأعمال الأدبية التي قد نعتقد، بشكل متسرّع، أن تأويلها قد تمّ بشكل تام وكامل. كما أن هناك دوما نظريات جديدة في النصوص التخييلية تبقي قابلة للاكتشـاف، ويمكنها يوما ما أن تتقدم علي التحليل النفسي. ففي كلّ عمل أدبي، نجد ما يؤكد فرضيات التحليل النفسي ونتائجه، ونجد كذلك ما يعلن نهاية التأويلات التي يقدّمها النفسانيون للغة والأدب.وبعبارة جامعة، إن النصوص الأدبية تفتح أفقا مستقبليا للتفكير، وذلك راجع إلي أنماطها وطرقها الخاصة القادرة دوما علي الابتكار. وهي تسمح باستمرار بإنتاج الأفكار والمفاهيم: فإلي سرفانتس وفلوبير يعود الفضل في ظهور فكرتي: مرض القراءة و المكان المشترك ، والفضل لـبروست في التمييز بين الأنا العميقة و الأنا الاجتماعية ، وبروتون هو صاحب فكرة الحلم التنبئي ، ومع رامبو اكتشفنا وجود سكّان مقنّعين في دواخلنا العميقة سمّوا: زوار الأنا Les visiteurs du moi.ويضاف إلي هذا أن النظرية النفسانية قد قامت أساسا علي أعمال أدبية تنتمي إلي ثقافة واحدة من الثقافات الإنسانية العديدة، والسؤال الذي يفرض نفسه: ألا يمكن أن نعيد بناء النظرية النفسانية، أو نكتشف نظريات نفسانية أخري، إذا جعلنا منطلقنا هو آداب الأمم الأخري؟ وما الذي يفتح آفاقا جديدة للتفكير: أهو تطبيق النظرية النفسانية علي آدابنا أم تطبيق آدابنا علي التحليل النفسي بما يسمح لنا بإعادة بناء النظرية وربما تجاوزها انطلاقا من نصوصنا الأدبية؟ ومن اللافت للانتباه أن التحليل النفسي للأدب كثيرا ما اهتم بالنصوص التي يكتبها الرجل، في حين يعرف ما يسمي الأدب النسائي تقدما مهما في عصرنا الراهن، ودون السقوط في التمييز بين الجنسين، يمكننا، إذا انطلقنا من مبدأ الحقّ في الاختلاف، أن نطرح هذا السؤال: ألا يجوز أن يساعدنا الأدب النسائي علي إعادة النظر في النظرية النفسانية، وتجاوز نظرية تقوم علي نصوص الجنس الواحد من أجل التفكير في نظرية نفسانية تقوم علي نصوص الجنسين معا؟ــ أن التحليل النفسي لم يكن علما بالمعني الدقيق، وهناك من الباحثين والباحثات (جاك لاكان، جاك دريدا، سارة كوفمان) من يذهب إلي أن مؤلفات فرويد تشكّل في مجموعها نصّـا يتصف بخصائص النص الأدبي، فهو نصّ منفتح قابل لقراءات متعددة، ومثله في ذلك مثل النص الأدبي، فهو نص يلعب التخييل فيه دورا مركزيا.لقد صدرت طبعة جديدة لكتاب فرويد L homme Moise ، وتصدرت هذه الطبعة مقدمة مهمة للباحثة Marie Moscovici بينت من خلالها أن فرويد قد كان وضع عنوانا فرعيا لهذا الكتاب، وهو لا يخلو من دلالة: Roman historique ، وهو عنوان قد اختفي في الطبعات الموالية للطبعة التي أصدرها فرويد. وسجلت الباحثة التقارب الذي يجب أن يقام بين مفهوم البناء في التحليل ومفهوم الرواية التاريخية .وبعبارة جامعة، نقول إن فرويد قد نال جائزة غوته للأدب، لأن نصوصه كالنصوص الأدبية، تخفي وتكشف، وتستخدم التخييل، وتسمح بإبراز تشكلات الرغبة وجمالياتها.واجمالا، إن النقد الأدبي يبقي في خطر إذا استمر في إسقاط النظرية علي الأدب، ذلك أن تطبيق التحليل النفسي علي الأدب يؤدي إلي تأكيد النظرية لا إلي فهم أفضل للأدب. فعندما نكتشف عقدة أوديب في عمل أدبي جديد، فان ذلك يعني تأكيد النموذج النظري لا إضاءة للعمل الأدبي تفتح أفقا جديدا للتفكير.الفكرة المركزية التي لا بد أن ينطلق منها كل ناقد نفساني هي عدم تعنيف النصوص وإسقاط تأويلات مسبقة عليها، بل إن مهمته هي أن يجعلها مشوّقة، وأن يعمل من أجل أن تمتدّ معانيها في دواخلنا، وأن يساعدنا علي أن نكتشف عناصر معرفة جديدة انطلاقا من النصوص، وأن يسخر باستمرار ودون رحمة من منهجه، إذ لا يجب أن ننسي أن التجربة النقدية تجربة فردية، وقد تتضمن ميولات لاواعية، عدوانية أو انفصامية أو غيرها. إذا انطلق الناقد النفساني من ضرورة تطبيق الأدب علي التحليل النفسي، وليس العكس، فان ذلك يستتبع أن يعتمد علي منهج لا ينشد دوام الاستقرار، ويصرّ علي فتح الطريق أمام احتمالات جديدة بعيدا عن المعيارية والنمذجة وإسقاط المفاهيم الجاهزة، وأن يدرك الاكراهات التي يمارسها النقد علي النص، وأن ينتبه باستمرار إلي الدوافع اللاواعية التي تقف خلف قراءته النقدية، أي أن يسائل في كل مرة فعل القراءة نفسه، وأن يسعي إلي محاورة النصوص والإصغاء إليها، وأن يجعل من التخييل عنصرا فعّـالا داخل النقد نفسه، فيصبح بذلك كتابة تسهم في توسيع امتدادات الخطاب الأدبي الذي يتمرّد دوما علي الواضح والمسلّم به.ولا نقصد بالفكرة التي طرحناها في هذه المقالة أن نستغني عن التحليل النفسي والعلوم الإنسانية، فهي علوم تبقي ضرورية من أجل أن نكتشف باستمرار أن الإنسان أكثر اتساعا من المعارف التي توصّل إليها، وأن الأدب لا يمكن اختزاله أو استنزافه في تأويل محدود، ذلك أنه المصدر الأساس الذي لا يكفّ عن إمدادنا بما يجعل معارفنا تتوسع وتتقدم.كاتب من المغربالـهـوامــش:1 ــ S Freud,Delire et reves dans la GRADIVA de JENSEN,NRF,1970,p1272 ــ Pierre Bayard,Peut-on aتطبيق الأدب علي التحليل النفسيliquer la lierature a la psychanalyse, ed Minuit, 20040

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية