حسام الدين محمد
سيسيل حبر كثير حول الحلقة الاخيرة من ‘الاتجاه المباكس’ (كما سمّاها مشاهد خفيف الظل) والتي شارك فيها محي الدين اللاذقاني (عن المعارضة السورية) وجوزيف ابو فاضل (عن المعارضة اللبنانية للمعارضة السورية). ولأن الحلقة هذه شابهت مباريات المصارعة الحرة RAW التي تعرضها قناة ‘ام بي سي اكشن’ من شتائم وعراك بالايدي والارجل والرؤوس فقد أعجبت ابني الصغير سامي فاتصل بي ليخبرني بلغة مفركشة بتلك الشتيمة البذيئة التي سمعها وكيف قام المصارعان، بالهجوم على بعضهما، وباءت محاولات حكم المباراة فيصل القاسم، بالفشل، بل انه اصيب بجروح، – كما اخبرتنا العصفورة – بعد ان انزلت ستائر البث عن الحلقة الخرندعية تلك.
ولقائل يقرر ان يصرعنا مجددا بمحفوظات شبعنا منها من قبيل ‘ان البرامج الحوارية يجب ان تكون هادئة ومتزنة بحيث يؤدي الحوار الى نتيجة تفيد المشاهد’ اقول: إرحم دموع عينيّ. ألم تكفك يا اخ العرب عشرات البرامج الحوارية العاقلة حتى تنافسنا على هذا البرنامج الوحيد الخارج عن السرب.
البرامج الهادئة المفيدة تذكرني بمحاضرات الاقتصاد السياسي في جامعة دمشق وهي ستدفع من يحضرها حتى لو كان نيتشه وماركس وفرويد الى النوم خلال عشر دقائق من بدئها، فما بالك بنقلها الى ملايين المشاهدين الذين تشتعل بلدانهم بالثورات، وتتحضر طائرات زعمائهم للهروب، فيما يقتل احدهم ويحرق الثاني بالقنابل، والثالث بحرارة طقس السعودية، ويحاكم الرابع مسجّى على نعش، يتابع الخامس مساومات الروس والامريكان على بقائه ‘حرا سيّدا مووومانعا’. انا وابني سننتظر الحلقة الجديدة من ‘الاتجاه المعاكس’ بفادح الصبر، على ان يتدرّب القاسم على بعض فنون الساموراي والتايك وندو على يد جاكي شان ويتحوّل الاستوديو الى حلبة حقيقية، و’علوّاه’ ان تعاد حلقة اخرى للاذقاني وابو فاضل بلباس مصارعة السومو اليابانية (لمنع اخفاء المسدسات والشناكل و’اللذي منّه’)، ويتم بثّ البرنامج بعد الثانية عشرة ليلا خوفا من تنفيذ ابو جوزيف لتهديداته الخطيرة، وان يقوم منتجو البرنامج بدورة دفاع مدني لنقل المصابين بأسرع وقت الى… ام بي سي اكشن!
نوت اينافعرضت قناة فرانس 24 الانكليزية الاسبوع الماضي تقريرا مثيرا عنوانه ‘السعوديون يرحلون الى اندونيسيا بحثا عن ‘السكس الحلال’ اشارت فيه الى هذه ظاهرة التمسك بالاهداب السياحية للدين على طريقة السياح السعوديين في اندونيسيا. يقدم التقرير مقابلة مع اثنتين من ممارسات ‘السكس الحلال’ تشرح الاولى سبب عشقها للسعوديين اكثر من ابناء بلدها قائلة: ‘ربما لأن السعوديين لديهم مال اكثر’ بينما تشرح الثانية ان السياح السعوديين يصرّون على هذه الطريقة في ‘التعامل’ لأنهم ‘يحبون ان يتعرفوا اليّ بطريقة اعمق!’ويشرح احد ‘المتعاملين’ التضحية التي يقوم بها لاضفاء الشرعية على زواجه، فالجنس غير الحلال يكلف 2 مليون روبية اما ‘الزواج’ المؤقت فيكلف 6 ملايين، ويسهب ‘الزوج الطائر’ بالشرح ضرورة ما يفعله قائلا: ‘لا اريد ان اقوم بشيء حرام. لدي مشكلة كبيرة لكنك لن تفهميها’. ‘لا سأفهمك’ تجيب معدة التقرير، فيقول: ‘لديّ زوجتان فقط…’ ثم يتوقف ليسأل عن معنى جملة ‘لا يكفي’ فيقول زميله not enough. ‘نعم. نوت ايناف’. وبما انني متزوج من زوجة واحدة (واندونيسيا بعيدة شويّ عليّ) انتابتني مشاعر الحسد والغيرة من الأخ السعودي فعبرت عن شعوري بشكل لا شعوري عن اقتناعي ورضاي بقدري الزوجي قائلا: مش كفاية يا حبيبي مش كفاية، عايزك انت قلبك انت وابقى جنبك من البداية للنهاية!
الطاهي يترحم على صدام!
على قناة تدعى ‘الناس’ أحب احد المتصلين الطائفيين الثقلاء ان يغيظ مقدم برنامج طهي مصري فجرى الحديث التالي:
استاذ امين السلام عليكم.
عليكم السلام.
شنو فضل عائشة على باقي الطعام؟
المفاجأة كانت في رد ‘الاستاذ امين’ الصاعق: ‘والله انتو كلاب. خلو بالكم انا في برنامج طهي اذا عاوز تخش بحجة اتكلم مع برنامج شيخ’. لكن امين افندي لم يحوّل الأمر على برنامج الشيخ كما نصح بل اخذ دفة الحديث في قضايا طائفية وتحدث بمنتهى الخسة التي لا تبررها بتاتاً طائفية المتصل، لم يكتف الطاهي بلعن سنسفيل آباء المتصل والشيعة عموما بل انه اختصر الرئيس العراقي السابق صدام حسين بخانة معاداته للشيعة فقط، فقد ترحّم عليه لأنه ‘ما كنش مطلعلكو صوت؟’. الطائفية بشعة كيفما كانت واينما صدرت ولأي اتجاه توجهت، وفتح الباب لها على اقنية الفضاء هو تحريض على الاجرام. نقطة على السطر.
الاخوان ومباركالفيلم الوثائقي ‘الاخوان ومبارك’ الذي عرض قبل ايام على قناة ‘الجزيرة’ عمل معدّ اعداداً جيداً، كتابة (السيناريو لعبد الله الطحاوي) واخراجا (عبد الرحمن عادل) وارشيفا وتحليلا، و’فوق البيعة’ كانت هناك اغنية موظفة بشكل يعكس خفة الظل المصرية العظيمة.
يبدأ الفيلم بموقف السادات القاسي من الجماعة مرورا بموته على يد اسلاميين، ثم نبدأ بعصر مبارك الناجي من مقتلة المنصة.
احد اجمل اللقطات توظيفا وتعليقا كانت مع مبارك وهو يتحدث عن حرب 73 فيقول: ‘خططنا دخلنا هجمنا على مطارات العدو في سينا على هجمنا جميع وسائل الدفاع الجوي هجمنا على مطارات العدو هجمنا على… دمرنا 95 بالمية… بدون مبالغة’، ويتقاطع حديث الريّس الذي لا يبالغ مع اغنية لعبد المنعم مدبولي يسخر فيها من جد ‘الشاطر عمرو’ الذي يحب ان ‘يحكي حكايات’. اللقطة الثانية المثيرة هي مشهد جمال مبارك الشهير وهو يضحك على سؤال احد الحاضرين ان كان سيقابل شباب الفيسبوك والاخوان. غير ان المخرج على ما يبدو قرّر حذف شباب الفيسبوك وابقى على الاخوان، وهو مونتاج سياسي فاضح قبل ان يكون مونتاجا لضرورة الاخراج.
الجماعة التي عانت، كما رأينا في الفيلم، عشرات السنين من الاضطهاد، صارت جاهزة مثل غيرها للقص واللصق، والمبالغة على طريقة حسني مبارك.
الفيلم، الى ذلك، قدّم رؤية قطبية تخصم الحراك السياسي المصري وتحصره في طرفين سالب وموجب، وهو افتئات على الحركات السياسية الاخرى، وخصوصا منها من بدأ الثورة وضحى من اجلها فيما كان الاخوان يتمهّلون ويحسبون.
التزوير سلاح ذو حدين، وعلى المضطهد ان يتجنب تقليد من اضطهدوه والا اصبح مثلهم.
خرجية بشار الجعفرياعتقد انها كانت المرة الاولى التي تابعت فيها اكثرية الشعب السوري (وبعض الشعوب العربية) جلسة لمجلس الأمن تلقى فيها الخطب الدبلوماسية، ولعلّ ما جعل الجلسة ممتعة ومسلّية تلك الكلمة البليغة لبشار الجعفري، المندوب السوري للامم المتحدة، بدءا من استخدامه لشعر نزار قباني، الذي كانت السلطات التي ينطق الجعفري باسمها على كره مزمن مع قباني حتى بعد وفاته، وصولا الى حكاية ‘الخرجية’ التي كان يدفعها الجعفري الطفل للمساهمة في اخراج الاحتلال البريطاني من دول الخليج العربي (الشهامة ما ماتت يا جماعة). بمجرد نطقه بهذه الكلمات السحرية تلقّط السوريون الفكرة فكان ان خرجت صفحة فيسبوك بعنوان ‘كلنا خرجية بشار الجعفري’، وانهالت تعليقات التعاطف مع الجعفري من قبيل ‘يا حيف عالخرجية ضاعت عالدول العربية’، وصولا الى طلب ‘لمّة صغيرة’ لشاعر سوريا بالامم المتحدة ‘لأن خرجيته كلها صرفها عالثورات’. وقد اعلنت على اثر ذلك جلسة لمجلس الامن للتصويت على طلب ارسال بعثة تقصي حقائق حول ‘خرجية’ بشار الجعفري!
كاتب من أسرة ‘القدس العربي’