تطبيق “فرنسة” التعليم يواجه صعوبات في توفر الكتب والأساتذة المؤهلين للتدريس

سعيد المرابط
حجم الخط
0

الرباط-“القدس العربي”:لم يعد المغرب محمية فرنسية منذ أكثر من 60 عامًا، ولكن حتى الآن لا تزال لغة موليير هي السائدة، بحيث لا تقوم الجامعات بالتدريس بلغة المستعمر السابق فحسب، بل هو مطلب إلزامي للوصول إلى معظم الوظائف.

وكان النقاش الدائر حول التعليم بين اللغة الفرنسية أو اللغتين الرسميتين العربية والأمازيغية، مثار جدل حقيقي في البلاد.

ولكن ذلك الجدل انتهى، وتكسرت أمواجه على صخور إصدار قانون التعليم الذي يجبر المدارس والمعاهد على تدريس العلوم والرياضيات والتكنولوجيا باللغة الفرنسية، وبه يكون الموسم الدراسي الجاري، أول موسم بعد استصدار القانون المثير للجدل.

هذا القانون يصفه منتقدوه بأنه “قانون سخيف” ابتدعه واستفاد منه “اللوبي” الفرنسي، وما زال حاضرًا في المؤسسات.

وفي الواقع، يتواصل معظم المغاربة بلغة محلية (الدارجة) قريبة إلى اللغة العربية الفصحى، و35 في المئة فقط من السكان لديهم مستوى من الفرنسية.

وفي الوقت نفسه، يعتقد عدد قليل من الخبراء المؤيدين أن هذا التشريع الجديد يمكن أن يقلل من بطالة الشباب، ويجعل من السهل على المزيد منهم إكمال حياتهم المهنية في الجامعة بنجاح، حيث يتم تدريسهم بالفرنسية، ويتسرب تسعة من كل عشرة طلاب قبل الحصول على شهادة في التخصصات العلمية (أكثر من ضعف ذلك في تخصصات أخرى).

وعلى الرغم من تعريب البلاد، وبناء الهوية الوطنية بعد استقلال المغرب، فإن الواقع لا يزال عنيدًا، فالفرنسية هي لغة الأعمال والحكومة والنخب.

وللوصول إلى 70 في المئة من الوظائف، يلزم الإلمام التام بهذه اللغة، والتي ينظر إليها الكثيرون على أنها “لغة استعمارية”.

“القدس العربي” وعلى مشارف إنهاء النصف الأول من أول موسم دراسي في المغرب، بعد الحسم في القانون الذي كان موضوع نقاش سياسي قوي، شمل جميع القطاعات، تفتح النقاش، وتطرح السؤال التالي: هل ينجح المغرب بعد “فرنسة” التعليم؟

اشكالية الأساتذة

 في الوقت الحالي، أصبح تطبيق القانون في الفصول الابتدائية والثانوية المغربية صعباً. بحيث لا توجد كتب مدرسية عن مواضيع علمية مترجمة إلى الفرنسية، ومن الصعب العثور على أساتذة العلوم المؤهلين للتدريس بلغة موليير.

ويقول مصطفى أوزير، رئيس قسم الدراسات الإسبانية، في جامعة محمد الخامس بالرباط “لدينا مشكلة في العثور على مدرسي اللغة الفرنسية واستبدال المتقاعدين. كيف سنجد معلمي رياضيات أو علوم طبيعية يستطيعون تدريس اللغة الفرنسية! هذا مستحيل عملياً”.

جمعية أولياء أمور التلاميذ تختلف بشدة وترفض هذا القانون، وتقول خديجة، أم لطالبة في المدرسة الثانوية، وعضو الجمعية “قبل الموافقة من جانب واحد على قانون كهذا، والذي يؤثر أولاً على الأساتذة وأولياء الأمور والطلاب، كان بإمكانهم أخذ رأينا في الاعتبار”.

ومن بين المنتقدين لهذا القانون، رئيس الوزراء السابق عبد الإله بن كيران، وزعيم حزب العدالة والتنمية الإسلامي، سابقا، الذي يضيف، على انتقاد “فرنسة” التعليم والمجتمع، اعتبار ذلك ضربة للعربية، والتي توجد في المغرب فقط في الكتب المدرسية ووسائل الإعلام والقرآن “اللغة العربية مسألة مبدأ، ومن العار أن يتخلى حزب ذو مرجعية إسلامية عنها في التعليم ويستبدلها بلغة الاستعمار”.

بالنسبة إلى أوزير، فإن إدخال الفرنسية في المدارس، وهي اللغة التي كلفت التعليم الكثير خلال تعريب المغرب بعد الاستقلال، تم من خلال المصالح الاقتصادية والسياسية.

“من ناحية، نريد الاستمرار في تغذية الهيمنة الفرنسية وامتيازاتها، ومن ناحية أخرى، يعد هذا القانون وسيلة لتأجيل النقاش حول كيفية تعليم أطفالنا باللغتين الرسميتين المعترف بهما في دستور عام 2011 العربية والأمازيغية” يضيف أوزير.

أُضيفت الأمازيغية إلى الدستور كلغة رسمية في عام 2011 بعد حراك “عشرين فبراير” أو الربيع المغربي. لكن الحقيقة أنه في الممارسة العملية، يتم تدريس الأمازيغية في عدد قليل جدًا من المدارس، على الرغم من أن نسبة كبيرة من السكان المغاربة-بين 40 و60 في المئة- من أصول أمازيغية، و27 في المئة من المغاربة وحدهم  يعبرون عن أنفسهم بها، وهنا نتحدث عن مناطق واسعة مثل الأطلس، والريف شمالا، وسوس جنوب المغرب.

ووفقًا لأولئك الذين يتحدثون ضد التعليم بالفرنسية في المدارس العامة، ينبغي على المغرب إجراء تغيير كامل في نظام التعليم، وهذا القانون هو مجرد وسيلة لتشتيت الانتباه، وليس إصلاح نظام التعليم، المستمد من النظام الفرنسي، والذي لا يناسب العصر الجديد.

“وسائل الإعلام عفا عليها الزمن، والتلاميذ ليس لديهم حتى أجهزة كمبيوتر، وغيرها من المعدات التكنولوجية في الفصول الدراسية، ناهيك عن التغيب عن العمل الكثير المنتشر بين الأساتذة. فهل يعمل قانون التعليم على إصلاح كل ذلك؟ بالطبع لا بل العكس تماما” يضيف مصطفى.

ووفقًا لشهادته، فإن عواقب هذا القرار ستكون التسرب المدرسي، الذي “سينتشر بشكل أكبر في صفوف الطلاب الذين تلقوا تعليماً باللغة الأمازيغية أو العربية، والذين لا يفهمون شيئًا على الإطلاق في المواد العلمية، ولن تقوم حتى نصف المدارس في البلاد بتنفيذ هذا القانون، ولن يكون أمام مراجعي الحسابات خيار آخر، سوى تزوير النتائج”.

إدماج غير دستوري

وقالت مالكة العلوي، عضوة “الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية” إن “الرؤية الاستراتيجية المنبثقة عن التقرير الذي أعدته اللجنة الوطنية للتقويم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين عام 2014 جاء بغاية تقييم السياسات التعليمية من خلال مجموعة من الخطوات، تنبني على تحديد الحاجيات والاكراهات والمكتسبات، وتم بالفعل إعداد الرؤية الاستراتيجية طبقا للمحددات الوظيفية التي ستوكل للمدرسة المغربية، ابتداء من خصيصة البحث العلمي والتربية على القيم الوطنية والدينية مرورا بوظائف التعليم والتكوين والتأطير والتكوين وانتهاء بالتأهيل وتسهيل الاندماج الاقتصادي والثقافي والاجتماعي. بيد أن التوجهات التي أقرتها الرؤية الاستراتيجية والهادفة إلى النهوض بقطاع التعليم وتقويمه، خصوصا ما يتعلق بمسألة الإنصاف وتكافؤ الفرص والارتهان على تحقيق جودة مدرسية لكل المواطنين، تعتريها جملة من الاختلالات المنهجية والتدبيرية، أولها مسألة التناوب اللغوي، الذي سيعمل على شل مقدراتنا الثقافية والهوياتية الوطنية، في ظل فرض إجراءات تربوية صارمة لأجل إدماج غير دستوري فيما أصبح يعرف بمسالك الباكالوريا الدولية، وهي الوجه الحقيقي لفرض سياسة الدمج الثقافي الفرانكفوني في بنية التعليم وبيداغوجياته”.

وأضافت: “تم الشروع فعلا وواقعا في مساطر تعميم المسالك إياها على مستوى السلك الإعدادي انطلاقا من عملية الانتقاء اللغوي”.

الباحثة في علوم التربية والتواصل، ترى أن اعتماد نظام “الجودة في إصلاح المنظومة التربوية ببلادنا يمر عبر مرتكزات وقيم أساسية، تتحقق فيها وفي إطارها المواصفات التي يقتدرها خريجو المدارس بالإضافة لنتائج تحصيلهم الدراسي وقدرتهم على تجاوزهم لكل المشاكل والمعيقات” مضيفةً أن من بين “معايير الجودة المأمولة، جودة المناهج والمقررات الدراسية، وجودة البنية التحتية للمؤسسات الحاضنة، وكفاءة الأطر التربوية والإدارية، وجودة التكوين الأساسي المستمر، والتدبير الأمثل للموارد البشرية والمالية، والانطباع الإيجابي للمستفيدين من خدمات المدرسة، والتحسين المستمر ونتائج التحصيل الدراسي”.

الشاعرة العلوي، التي تشتغل أستاذة في كلية اللغة العربية في مراكش، تؤكد على أن تنزيل الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار “يحتاجان لآليات صاعقة من أجل تمكين مدرستنا الوطنية من استرجاع بعض أنفاسها، فالأجهزة المفاهيمية الكبرى التي تتوفر عليها الرؤية وقانون الإطار تستطيع بناء مدينة تربوية فاضلة، بيد أن العزيمة السياسية والقرار الاستراتيجي المفصلي يعوز انتقاليتنا الملغومة وضعف قابليتنا للتغيير وتحديد الأولويات”.

وتشدد على ضرورة الحديث عن أسباب فشل منظومة التعليم في المغرب، والذي “يحيل بالضرورة إلى تقييم محطات إدماج المؤطر التربوي في عمليات تثوير أدوات التلقين وصياغة نظريات جديدة في تجويد العمل التربوي والبيداغوجي”.

وتشير إلى وجوب تخصيص “حيز مهم من الإستراتيجية لضبط الحوافز البيداغوجية المنتقاة لهذا الغرض”.

“نحن نتساءل دائما عن جاهزية الموارد التربوية لذلك، خصوصا وأن مشاريع الوزارة المهنية ظلت طيلة عشرين سنة من العمل بمشاريع البيداغوجيات الواردة تتخبط بين حيص وبيص. وقصة إلغاء المشاريع إياها، في عهد الوزير محمد الوفا غنية عن أي تعليق” تقول العلوي.

وتخلص لـ”القدس العربي” أن هناك “حاجة ماسة إلى إعادة تهييء المعلم والأستاذ والمربي لخوض غمار التكوين والتكوين المستمر، وضمان هذا التحدي سينتج لا محالة بداية تصحيح الطريق إلى تعليم تكون منطلقاته إغناء معارف المتمدرسين وتحصينها من كل العلات الزائغة والانحرافات الدخيلة”.

يشار إلى أن اللسانيين العرب، يؤكدون على ضرورة تسليط الضوء على ثراء اللغة العربية كلغة، لكنهم يشيرون إلى أن استخدامها في الوقت الحالي كلغة علمية “مقيد بعوامل عملية واقتصادية وسياسية”.

ويرى بعض المواطنين أن الصراع الذي دار حول اللغات، في المغرب، ليس صراع لغات أو “حرب لغات” بتعبير اللغوي الفرنسي جان كالفيي، وإنما هو في الأصل صراع بين إثنيات من مجتمعات مختلفة، يطغى عليه، في السطح، الخطاب الأيديولوجي الذي يرمي اللغة بأوصاف لا تصح، بقدر ما يصح أن يوصف به أهلها، وهو في جوهره وعمقه صراع اقتصادي سياسي.

ويتقاسم المغرب هذا النقاش اللغوي، مع الدول العربية الأخرى، التي تعاني من نظام مدرسي باللغة العربية الفصحى، وجامعة تمر بدون انتقال سلس إلى الفرنسية أو الإنكليزية.

وحسمت موريتانيا وتونس النقاش مع “فرنسة” تامة للمواد العلمية في جميع المراحل التعليمية، وباستثناء سوريا، التي لديها نظام تعليمي معرب تماما، حتى في شعب مثل الطب والهندسة، ولكن بقية الدول العربية تتبع النموذج الفرنسي أو الإنكليزي في تعليمهم العالي، ما يثير تساؤلات حول قدرة العربية على أن تكون لغة العلوم والتكنولوجيا في القرن الـ21.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية