تطور حركة المرأة في المجتمع الليبي بين التمكين والتفعيل: دراسة توثيقيةہ (2 من 2)

حجم الخط
0

تطور حركة المرأة في المجتمع الليبي بين التمكين والتفعيل: دراسة توثيقيةہ (2 من 2)

حقوق المرأة بعد الاستقلال ظلت علي الورق ونشاطها كان نخبويا واعتمد المبادرة الذاتيةالطابع الأيديولوجي يغلب علي حركة المرأة الليبية .. ومؤسساتها تحولت الي أدوات تبشيرية دعائيةتطور حركة المرأة في المجتمع الليبي بين التمكين والتفعيل: دراسة توثيقيةہ (2 من 2)د. آمال سليمان محمود العبيديالفترة الرابعة 1951 ـ 1969:تمثل هذه المرحلة فترة الاستقلال الذي تم في 24 كانون الاول (ديسمبر) 1951، وذلك تحت رعاية الأمم المتحدة، وكانت إيذانا بتكوين دولة جديدة هي المملكة الليبية المتحدة ثم أصبحت فيما بعد المملكة الليبية. من خلال تطور وضع المرأة خلال هذه الفترة يمكن ملاحظة أن التعليم ساهم بشكل واضح ومؤثر في خروج المرأة. وبشكل عام اعتبرت الحكومة الليبية في هذه الفترة أن التعليم يمثل تحديا قائما ومستمرا، فكان من بين الخطوات الأولي التي تبنتها هي سن إصدار قانون التعليم رقم 5 عام 1952. حيث منح هذا القانون حق التعليم لكل شخص وجعل التعليم إلزاميا لجميع الأطفال، ذكورا وإناثا.ومن هنا أصبح الوالدان ملزمين بإرسال أطفالهما إلي المدارس، ولقد استفادت الإناث من ذلك بدرجة أكبر من الذكور، علي الرغم من أن أعداد البنات في النظام التعليمي كانت أقل من الذكور خلال فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. وقد يرجع ذلك إلي الزواج المبكر للإناث.خلال هذه الفترة، كان دور المرأة في قوة وسوق العمل محدودا جدا باستثناء الفلاحة. وعلي الرغم من أن اللوائح الحكومية لم تميز ضد المرأة في الوظائف، فإن المرأة لم تكن تمتلك مؤهلات ومهارات تلك الوظائف، نتيجة لذلك فإن: المرأة كانت مؤهلة للوظائف التي لا تتطلب تدريبا كبيرا، والتي يمكن القيام بها في مناطق منفصلة. وهكذا كانت المرأة في الغالب تعمل كعاملة في البيوت أو كعاملة نظافة في المكاتب .خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، أثرت مجموعة من القوانين واللوائح علي دور المرأة في المجتمع من الناحية النظرية، فعلي سبيل المثال، نالت المرأة حق اختيار زوجها من سن السادسة عشرة وحق طلب الطلاق مثل الرجل. كذلك حصلت المرأة علي حق المشاركة في السياسة من خلال منحها حق التصويت، وحق شراء وبيع العقارات، وحق إنشاء الروابط والجمعيات النسائية، التي بدأت تتكون في المراكز الحضرية الرئيسة. وعلي الرغم من أن المرأة قد حصلت علي هذه الحقوق من حيث المبدأ، فإن معظم هذه الحقوق كانت من الناحية العملية، حقوقا علي الورق فقط. حيث استفاد عدد قليل من النساء من هذه الحقوق، واستمرت النساء في عدم المشاركة في الأنشطة اليومية مقارنة بمشاركة الرجال.وبصفة عامة يمكن القول بأن نشاط المرأة في هذه المرحلة، هو نشاط قلة أو نشاط نخبة، اعتمدت فيه المرأة علي الريادة والمبادرات الفردية في مختلف الجوانب التي ساهمت فيها هذه القلة من أجل توسيع دائرة المشاركة في جميع المجالات. فمن أبرز النشاطات التي تم رصدها خلال هذه الفترة:1 ـ تأسيس الجمعيات النسائية في ليبيا:خرجت إلي حيز الوجود في سنة 1954 أول جمعية نسائية في ليبيا في مدينة بنغازي سميت (جمعية المرأة الخيرية)، تكاتفت فيها مجموعة من سيدات المجتمع (ليبيات وعربيات مقيمات في ليبيا)، علي رأسهن صاحبة الفكرة السيدة حميدة العنيزي، التي ترأست الجمعية. وكان تأسيس هذه الجمعية يهدف إلي النهوض بالمرأة ثقافيا واجتماعيا ومعنويا، ولكن في حدود الإمكانيات غير المتيسرة آنذاك وفي غياب التشجيع من الهيئات الرسمية ومن المجتمع بشكل عام، وقد غلب علي الجمعية الطابع الخيري، حيث أخذت علي عاتقها مساعدة الأسر الفقيرة، كما سعت إلي إقامة حملات خيرية وحفلات ترفيهية لصالح نزلاء الملاجئ والمستشفيات، إضافة إلي تعزيز الوعي العام للمجتمع وذلك من خلال زيارة البيوت وتحريض الأهالي ومحاولة إقناعهم بضرورة تعليم بناتهم، وتشجيع المرأة للانخراط في الجمعية ونشاطاتها، والتي منها دورات متعاقبة لتعليم فن التطريز والحياكة، والطبع علي الآلة الكاتبة، والتدبير المنزلي، والموسيقي، إضافة إلي اهتمامها بالمشاركة في رعاية الأطفال اليتامي. وفي عام 1964 تم الاعتراف بالجمعية رسميا من قبل الدولة وأصبحت هيئة اعتبارية لها لوائحها ونظامها الأساسي وأطلق عليها منذ ذلك الحين (جمعية النهضة النسائية). كما تم افتتاح عدة فروع من الجمعية في بعض المدن الأخري، حيث تكونت جمعية النهضة بمدينة درنة في 6 ايار (مايو) 1965. أما اختصاصات هذه الجمعية فلم يحد عن دور الجمعية الأم وهو الاهتمام بتدريب المرأة علي فنون الحياكة والتفصيل والطهي، إضافة إلي إقامة حفلات خيرية لصالح الفقراء والأسر المحتاجة ومعاضدة المؤسسات الخيرية وزيارتها.ولرسوخ ونجاح نشاط الجمعية تمكنت مؤسستها السيدة حميدة العنيزي، ومن خلال دعوتها وسعيها، من تكوين أول اتحاد نسائي في ليبيا وهو الاتحاد النسائي الليبي عام 1965، وقد شاركت المرأة الليبية من خلال هذا الاتحاد في الكثير من المؤتمرات داخل وخارج ليبيا، كما ساهمت في العمل علي فتح مدارس مسائية للبنات وكانت أول من دفع بالفتاة الليبية للعمل في مجالات عمل جديدة مثل الإذاعة، والصحافة، والبريد، والتمريض وغيرها.ومن بين الجمعيات النسائية التي تأسست في 16 نيسان (أبريل) 1967، جمعية المرأة العاملة وهي جمعية أهلية تحت إشراف وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ومقرها مدينة طرابلس. كان تأسيس الجمعية يهدف إلي رعاية وحماية أطفال المرأة العاملة وذلك بتأسيس مقر يمكن أن يتسع لقسمين ـ داخلي وخارجي، وذلك حلا لمشاكل المرأة العاملة وتشجيعها علي الاستمرار في عملها، وكذلك القيام ببرامج ترفيهية كالرحلات والحفلات للسيدات اللواتي حرمن منها، إلي جانب استقبال أطفال النساء غير العاملات في القسم الداخلي.2 ـ مخرجات حقل التعليم:كان التعليم من أبرز العوامل التي ساهمت في خروج المرأة، وإن اعتبرخروج المرأة للعمل لا يذكر مقارنة بالدور الذي لعبه الرجل، ويمكن القول إن حقل التدريس قد لاقي إقبالا كبيرا من قبل المرأة، إذ عزز ذلك زيادة عدد الطالبات اللواتي التحقن بمعاهد المعلمات.أما علي مستوي التعليم العالي، فقد تم تأسيس جامعتين رئيسيتين في طرابلس وبنغازي في الخمسينيات من القرن الماضي، وقد تم تشجيع دخول المرأة للجامعة، فبدأت الجامعة الليبية بأعداد بسيطة من الطالبات ثم ازداد هذا العدد خلال الفترات اللاحقة لتأسيس الجامعة.3 ـ مجال الإعلام والصحافة:السيدة خديجة الجهمي إحدي رائدات العمل الإذاعي والصحافي في ليبيا، درست في المدرسة الإيطالية في بنغازي خلال السنوات 1931 وحتي 1936 في بنغازي، واصلت بعدها دراستها الثانوية في القاهرة، عادت بعدها لتعمل في مجال التدريس لمدة ثماني سنوات ثم اشتغلت بالإذاعة الليبية سنة 1956. ازداد اهتمامها بالعمل الصحافي فيما بعد، ترأست بعد ذلك تحرير مجلة المرأة التي ظهر أول عدد منها في 10 كانون الثاني (يناير) 1965، كانت فكرة إنشاء مجلة خاصة بالمرأة قد انبثقت عن وزير الإعلام والثقافة في ذلك الوقت الاستاذ خليفة التليسي، بعد استماعه لبرنامج ركن المرأة بالإذاعة والذي تقدمه السيدة خديجة الجهمي، وذلك حتي تتاح للمرأة فرصة التثقيف الذاتي. في مجال الإعلام، يمكن ذكر أسماء بعض السيدات اللواتي ساهمن أيضا قبل الاستقلال في الكتابة في الصحف المحلية، منهن السيدة زعيمة الباروني، السيدة خديجة الجهمي، السيدة مرضية النعاس، والسيدة حميدة البراني، والسيدة نادرة العويتي. أما في مجال الإذاعة فقد اقتحمت مجموعة من السيدات هذا المجال منهن السيدة خديجة الجهمي، السيدة نجية الطرابلسي، السيدة حميدة بن عامر، وكذلك السيدة حليمة الخضري، السيدة ثريا الفقي.الفترة الخامسة 1969 ـ حتي الوقت الراهن:تعتبر هذه المرحلة من أهم مراحل تاريخ ليبيا الحديث، وذلك نتيجة للتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدها المجتمع الليبي خلال هذه الفترة منذ قيام الثورة في 1 ايلول (سبتمبر) 1969. ويبرز تأثير هذه المرحلة علي المرأة من خلال التغيرات المختلفة في السياسات المتعلقة بالمرأة، حيث سعت هذه السياسات إلي تمكين المرأة من المشاركة في بناء البلاد. مع ذلك، فإن أيديولوجيا النظام التي ترتكز علي الكتاب الأخضر، أكدت في الوقت ذاته علي الاختلافات الجسمانية والبيولوجية بين الذكر والأنثي، وأن هناك دورا لكل منهما يتناسب وطبيعته. كذلك اهتمت الأيديولوجيا من خلال الكتاب الأخضر بالأسرة كوحدة اجتماعية، حيث كان هناك احترام كبير لدور المرأة كأم، وكان من المفترض أن تكون المرأة مسؤولة بالكامل عن تربية الأطفال، وأكد العقيد معمر القذافي علي هذه الفكرة قائلا: إن بني الانسان لا تصلح له وتناسب طبيعته وتليق بكرامته إلا الأمومة الطبيعية… أي أن (الطفل تربيه أمه).من حيث المبدأ، لم يرفض الكتاب الأخضر عمل المرأة، ولكنه قصره علي الحقول التي تناسب طبيعتها. وفي هذا الإطار يؤكد معمر القذافي علي أن: المسألة ليست أن تعمل المرأة أو لا تعمل فهذا طرح مادي سخيف ـ فالعمل يجب أن يوفره المجتمع لكل أفراده القادرين عليه والمحتاجين له رجالا ونساء ولكن ان يعمل كل فرد في المجال الذي يناسبه…وأن لا يضطر تحت العسف أن يعمل ما لا يناسبه.من أبرز النجاحات التي تحققت خلال هذه الفترة دور السياسة التعليمية خاصة تجاه المرأة، فقد جعل القانون التعليم إلزاميا حتي المستوي المتوسط الإعدادي . نتيجة لذلك، ازداد عدد مدارس البنات في جميع أنحاء البلاد بعد 1969. ولقد أثر تزايد مستوي التعليم بين النساء خلال السبعينيات علي عدة مجالات أخري من حياتهن التقليدية. وكان هذا ملحوظا في انتشار ظاهرة نزع الحجاب بين النساء، خاصة في المناطق الحضرية، وفي تزايد خروج النساء للأسواق وقيادتهن للسيارات والسفر خارج البلاد بدون مرافق من الذكور، وشجعت المرأة علي المشاركة النشطة في الحياة السياسية ضمن إطار النظام السياسي الليبي (المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية). كذلك، تم تشجيع المرأة علي تشكيل لجان ثورية تعمل ضمن إطاراللجان الثورية مع تركيزها علي تعزيز أدوار المرأة السياسية والإدارية.منذ بداية الثمانينيات، قام النظام بتقديم عدد من الأفكار والسياسات الجديدة لتشجيع المرأة علي تولي مكانة أكثر بروزا داخل المجتمع.أولا: أصبح علي جميع الليبيين من الذكور والإناث الانخراط في التدريب العسكري العام إذا كانوا لائقين صحيا، ونصت المادة 3 من القانون رقم 3 علي أن العلوم العسكرية هي إحدي المواضيع الرئيسية التي يجب أن يدرسها الطلاب في جميع المستويات التعليمية بعد الابتدائي. وكان إلزاميا علي جميع الطلاب من الذكور والإناث ارتداء الملابس العسكرية والقيام بالتدريبات يوميا. وقد تقررت منذ عام 1990، الخدمة العسكرية بعد التخرج لمدة سنة وفقا لأحكام القانون رقم 3 المتعلق بالشعب المسلح، وعدلت فيما بعد لمدة ثلاثة أشهر، أما الإناث فكان عليهن تطبيق الخدمة الوطنية لمدة ثلاثة أشهر بعد التخرج في أية مؤسسة أو مجال مدني.ثانيا: تم تشجيع النساء علي الانخراط بالكلية العسكرية للبنات، التي انشئت عام 1979، وتمنح خريجات هذه الكلية رتبة ملازم عند التخرج. ثالثا: تم تعزيز الوضع القانوني للمرأة عبر السنين، فقد تم إلغاء القانون 176 لسنة 1972 المتعلق بحقوق المرأة في الزواج والطلاق، وحل بدلا منه القانون رقم 10 لسنة 1984، الذي صاغه مؤتمر الشعب العام بناء علي قرارات المؤتمرات الشعبية الأساسية. ولكن نظرا لغياب المرأة عن المؤتمرات الشعبية الأساسية، علي الرغم من تشجيع النظام، فلقد تأثر القانون بوجهات نظر الذكور الذين كانوا يعارضون أي تغير في وضع المرأة. ولكن بعد ذلك، تم تعديل بعض مواد هذا القانون بصدور القانون رقم 22 لسنة 1991. وكان الغرض من التغييرات في قانون الزواج والطلاق إعطاء المرأة وضعا أفضل وحقوقا أقوي داخل الزواج. لم يعد مسموحا للرجل، وفقا للمادة 23 من القانون رقم 22، أن يتزوج زوجة ثانية إلا بموافقة زوجته الأولي أو بإذن من المحكمة.رابعا: تم تشجيع المرأة منذ بداية التسعينيات، علي المشاركة في النظام القضائي، ولم يكن في السابق يسمح بقبول النساء كقاضيات لأسباب ثقافية، ومنح القانون رقم 8 لسنة 1989 المرأة حق تولي مناصب القضاء، بنفس الشروط التي يخضع لها الرجال، وشملت هذه الوظائف مناصب القضاة والمدعين العامين ووكلاء النيابة، وتم تعيين النساء لهذه الوظائف.خامسا: انضمام ليبيا إلي جميع المواثيق والعهود والبروتوكولات الدولية والإقليمية التي تقرر المبادئ والسياسات المختلفة لمشاركة المرأة وضمان حقوقها، كما ارتبط ذلك بالتشريعات المحلية التي تسعي إلي تمكين المرأة وتفعيل دورها في المجتمع، كالوثيقة الخاصة بتقرير حقوق المرأة الصادرة في 1997، وكثير من القوانين المسيرة للنشاط الاقتصادي والتي تشترط حصول المرأة علي نسبة لا تقل عن 20% من الرخص المتعلقة بممارسة الأنشطة الاقتصادية.سادسا: تم تشجيع المرأة علي تولي مناصب في النظام السياسي، إلا أن مشاركتها في السياسة والشؤون العامة لا تزال محدودة مقارنة بدورها في الأنشطة الأخري ومقارنة بدور الرجل في هذا المجال. علي سبيل المثال، تم تصعيد ست نساء فقط في أمانة مؤتمر الشعب العام (شؤون المرأة والشؤون الاجتماعية في مؤتمر الشعب العام)، واثنين فقط إلي اللجنة الشعبية العامة في (التعليم، الثقافة والإعلام) خلال الفترة 1977 ـ 2003. وتم تعيين عدد صغير من النساء كأمينات (سفيرات) لبعض المكاتب الشعبية في الخارج (السفارات).سابعا: أدخل النظام في ليبيا عددا من التنظيمات والمفاهيم التي تستهدف الترويج لدور المرأة الجديدة ، ومن أهمها اللجان الثورية النسائية، والحرس الثوري النسائي، والراهبات الثوريات، الفعاليات النسائية، ومكاتب فتاة الجماهيرية بالروابط الطلابية، والروابط الشبابية. أدت هذه التنظيمات والمفاهيم إلي دخول بعض النساء الليبيات ضمن حلقة النخبة، ولكن لم تلق بعض هذه الأفكار قبولا بين النساء علي مستوي القاعدة، ولا بين الغالبية العظمي من الليبيين بصفة عامة، وعلي وجه الخصوص، اعتبرت فكرة الراهبات الثوريات فكرة غير مقبولة.في منتصف الثمانينيات، أصبحت أنشطة الإسلاميين في ليبيا أكثر بروزا وعلي الرغم من تبني النظام لسياسات وإجراءات مختلفة للسيطرة عليهم، ازداد عدد الإسلاميين، خاصة بين الجيل الأصغر سنا، بمن في ذلك النساء. ولقد أثر ذلك علي اتجاهات الجيل الجديد من النساء اللائي تمت تنشئتهن تجاه الأيديولوجيا الثورية وقيمها، فانتشرت ظاهرة التحجب، خاصة بين طالبات الجامعة، وتزايدت خلال التسعينيات، وهاجم العقيد القذافي الحجاب في العديد من خطاباته، وأكد أنه علي المرأة أن تحمي نفسها بالتعليم، ويجب أن تكون لها هوية ذاتية قوية، وأن تثق في قدرتها علي أداء المهام التي كانت محجوزة تقليديا للرجل.وعلي الرغم من جهود النظام في عرض أيديولوجيته وسياساته حول المرأة، فإنها لم تتول مسؤولية كاملة داخل المجتمع. وكان دور المرأة محدودا مقارنة بما استهدفته السياسات المختلفة لتعزيز دور المرأة. فلا يزال عامل الثقافة التقليدية يلعب دورا حاسما في منع المرأة من أن تكون عضوا نشطا في المجتمع، علي الرغم من تواجدها الشكلي والموسمي الذي يفتقر إلي التنظيم، مما يقلل فعالية هذا الوجود الذي كان نتيجة لأجواء التعبئة السياسية والتحريك الجماعي الموسمي.رابعا: العامل الايديولوجي وتغير الاتجاهات نحو دور المرأة:منذ سبعينيات القرن الماضي، كان وضع المرأة ودورها في المجتمع أحد أهم القضايا الاجتماعية المهيمنة في أيديولوجيا النظام في ليبيا، وذلك من أجل تمكينها وتفعيل دورها في المجتمع في مواجهة وجهات النظر والاتجاهات التقليدية التي لا تزال جزءا من الثقافة السائدة، وتمثل هذه التوجهات التقليدية تحديا عظيما لعملية التغيير داخل المجتمع. ومن بين القيم التقليدية التي لا تزال تشكل اتجاهات الأفراد في المجتمع العربي بصفة عامة والمجتمع الليبي علي وجه الخصوص، والتي تؤكد دونية المرأة منها علي سبيل المثال: المرأة ضعيفة ذهنيا وجسديا، المرأة جميلة ورقيقة ومزاجية، المرأة رمز للجنس ومصدر للعار، مكان المرأة البيت، وأعمال البيت هي وظيفة المرأة، ومن العار علي المرأة ألا تتزوج، فسيادة تلك القيم ساهمت بشكل كبير في إقصاء واستبعاد المرأة إلي وقت قريب من ممارسة دورها في المجتمع.وبصفة عامة يمكن القول بأن النظام في ليبيا حاول تغيير قيم واتجاهات الجيل الجديد تجاه المرأة عن طريق استخدام النظام التعليمي وأدواته المختلفة مثل المناهج والمقررات الدراسية. مع ذلك، فإن الرسالة التي نقلتها هذه الأدوات عن المرأة كانت في البداية ضمن إطار القيم التقليدية، فإلي وقت قريب كانت أكثر الأفكار تكرارا وانتشارا في كتب القراءة خاصة في مرحلة التعليم الأساسي، تلك التي تعكس الدور التقليدي للمرأة كأم وزوجة، وكان هناك تركيز أقل علي السياسات الرسمية الأخري حول المرأة. ويمكن تفسير ذلك أولا: بأن لجان تثوير المناهج كانت مهتمة بالتركيز علي الإنجازات السياسية والاقتصادية للنظام أكثر من تركيزها علي تثوير دور المرأة، ثانيا: من الممكن أن النظام كان يأمل أن يعطي الأولوية للبرامج العملية لإقحام المرأة في السياسة والأنشطة المختلفة في المجتمع (علي سبيل المثال، المشاركة في المؤتمرات الشعبية وفي النظام القضائي) بصورة أكثر من إيلائها لتغيير وجهات نظر الأفراد حول دور المرأة في المجتمع.وفي إطار ما سبق ذكره يمكن القول بأن دور النظام في تغيير توجهات الأفراد تجاه المرأة في المجتمع، تم اختباره من قبل الباحثة في دراسة استطلاعية شملت 500 مبحوث من طلاب وطالبات الجامعة أما القضايا التي شملتها صحيفة الاستبيان التي غطتها الدراسة فهي: المساواة في الحقوق الانسانية بين الرجال والنساء؛ دور الرجل والمرأة داخل الأسرة؛ تولي النساء وظائف تتضمن سلطة علي الرجال؛ مشاركة المرأة في شؤون الحكم والسياسة، عمل المرأة في الجيش؛ وبعض القضايا الاجتماعية كزواج المرأة من غير الليبيين.أما فيما يتعلق بنتائج الدراسة المسحية فقد تبين أنه قد تم نقل أيديولوجيا النظام بدرجة كبيرة من النجاح في مجال حقوق المرأة، خاصة عن طريق السياسات العملية للنظام تجاه دور المرأة في المجتمع، حيث أظهر الطلبة الليبيون الذكور اتجاهات تقدمية حول مسألة الاختلافات بين الجنسين، والتي عبروا عنها من خلال إجاباتهم باستثناء قضايا السلطة.يبدو أن المبحوثات الإناث في الدراسة المشار إليها، كانت لهن وجهات نظر نسوية قوية وذات توجهات أكثر قوة نحو المساواة بين الجنسين، ولم يكن لدي الغالبية العظمي من الذكور والإناث أية مشكلة في قبول مبدأ المساواة في الحقوق الإنسانية بين الجنسين، وكانت إحدي الاختلافات الجوهرية بين الذكور والإناث من ذوي التوجهات الإسلامية. فمن الواضح أن التعبير عن الانتماء للإسلام يعني شيئا مختلفا تماما بالنسبة للرجل عنه بالنسبة للمرأة. فبالنسبة للنساء، فإن الإسلام والحقوق النسائية يسيران معا، أما بالنسبة للرجال، فإنهما ليسا كذلك.مع ذلك، تجدر ملاحظة أنه في الوقت الذي أكدت فيه غالبية الطلاب علي مبادئ الحقوق المتساوية للنساء، فإن ذلك لا يعني التحول بالضرورة إلي سلوكيات فعلية. فعندما يتعلق الأمر بأمور الأسرة، والسلطة في الوظيفة، والمشاركة في القوات المسلحة، والأدوار السياسية للنساء، فإن غالبية المبحوثين من الذكور أكدوا علي القيم التقليدية، وكانت النساء أكثر تأكيدا علي المساواة في هذه الأمور العملية، ومن المثير للاهتمام علي وجه الخصوص أن الإناث اللائي يعتـــبرن الإسلام المصدر الرئيس للهوية أيدن بصفة عامة حقوق المرأة.تبين الاختلافات بين الجنسين أن أيديولوجيا النظام حول المساواة بين الجنسين قد التقطها الذكور والإناث بصور مختلفة، فعلي الرغم من أن أقلية من الرجال توافق علي التطبيق العملي، فإن الأغلبية تؤيد المساواة من حيث المبدأ فقط. أما بالنسبة للإناث فقد كان هناك التزام أقوي بالتطبيقات الحقيقية الصادقة، وينبغي القول هنا، إن الواقع في ليبيا يتطابق مع موقف الذكور، فالإناث يشاركن بدرجة أقل، كما أن لهن قدرة أقل علي فرض تطبيق هذه القضايا.خامسا: تقييم دور المرأة في المجتمع الليبي:يمكن القول بأن أهمية هذا الجزء من الدراسة هو محاولة رصد للجانب الحقيقي أو الفعلي لتطور حركة المرأة. فاستنادا إلي نتائج الدراسة المشار اليها والتي تناولت دور المرأة في المجتمع، كانت إحدي القضايا التي تناولتها وصف المبحوثين للوضع الحالي للمرأة في المجتمع الليبي، حيث سئل المبحوثون عما إذا كانت المرأة تمتلك حاليا حقوقا كافية، فتبين من النتائج أن 69 بالمائة من المبحوثين يوافقون علي ذلك. ولعل من المهم الإشارة إلي الاختلاف فيما يتعلق بهذه المسألة بين الإناث الحضريات والإناث الريفيات، حيث تبين أن الإناث الحضريات يطمحن إلي زيادة حقوقهن داخل المجتمع، بينما تدرك الإناث الريفيات حدود توقعاتهن، إلا أنه ينبغي ملاحظة أن النساء في المناطق الريفية يعملن بالتساوي في كثير من الأحيان مع الرجال في العديد من الأنشطة خاصة الأنشطة الزراعية.وفي إطار تقييم دور المرأة وحركتها في المجتمع الليبي، فقد تم الاعتماد علي إحدي تقنيات البحث المساعدة، والتي تعتمد علي التركيز الجماعي علي فئة أو فئات محددة (Focus Groups)، .وذلك لاستكشاف توجهات الأفراد عن طريق المقابلة المباشرة أو عن طريق الهاتف. وعليه فإن هذه الدراسة اعتمدت هذا الأسلوب، وذلك من خلال التركيز علي مجموعتين من المهتمات بشؤون وقضايا المرأة بصفة عامة، حيث تم اختيارهن بطريقة عشوائية، وتضمنت كل مجموعة سبع مشاركات لمناقشة الجوانب المتعلقة بتقييم دور المرأة في المجتمع. وكان تقييم حركة المرأة ودورها في المجتمع الليبي من خلال العينة علي النحو التالي:1 ـ رغم الإنجازات التي تحققت للمرأة علي المستوي الرسمي والذي تمثل في سن القوانين المعززة لدور المرأة في ليبيا والتي تسعي إلي تمكين وتفعيل دورها، تبرز مشكلة جهل المرأة الليبية بحقوقها القانونية، والسبب في ذلك الجهل يعود إلي غيابها وعدم مشاركتها في عملية صنع القرار علي الرغم من إتاحة الفرصة لها لتشارك من خلال مؤسسات صنع القرار في ليبيا وهي المؤتمر الشعبي الأساسي، ما يفسر عزوف الذكور أيضا عن المشاركة في العملية السياسية، وكذلك عدم الاعتقاد بدرجة التأثير في عملية المشاركة السياسية، ذلك يجعل من المشاركة السياسية نشاط قلة فقط، مما يثير كثيرا من التساؤلات حول تفعيل وتطوير مؤسسات وبني وهياكل المشاركة في العملية السياسية في ليبيا. 2 ـ ما تم إنجازه علي مستوي التشريع فيما يتعلق بقضايا المرأة لم يكن نتيجة التطور الذاتي والداخلي للعلاقات الاجتماعية، مما جعل الالتزام بتلك التشريعات وتطبيقها أمرا شكليا، زاد ذلك في توسيع الفجوة بين الواقع وما هو معلن.3 ـ ندرة مشاركة المرأة وتقلدها للمناصب السياسية علي مستوي السلطة التشريعية والتنفيذية، حتي وإن تم الدفع بها لبعض المواقع فإن تواجدها لا يتجاوز الشؤون الاجتماعية والتعليم والبحث العلمي. ذلك يعكس هامشية دور المرأة. كما أن ذلك يؤكد عدم تمثيل المرأة في العديد من المجالات بما يتناسب مع النسبة التي تحتلها في عدد السكان أو مستوي التحاق المرأة بالتعليم بجميع مراحله. وما يؤكد ذلك عمليا أنه منذ 1977 تقلدت 5 سيدات فقط منصبا في أمانة مؤتمر الشعب العام، وهي شؤون المرأة أو الشؤون الاجتماعية منذ سنة 2000. اما علي مستوي اللجنة الشعبية العامة، فقد ضمت التشكيلات المختلفة للجنة الشعبية العامة منذ 1969 سيدتين فقط، تقلدتا: أمانة التعليم والبحث العلمي، والإعلام والثقافة والتعبئة الجماهيرية. 4 ـ محدودية دور المرأة في العمل النقابي وإن كان وجودها في النقابات ملزما لانتسابها المهني لإحدي فئات العمل، إلا أن حضورها لم يترجم في مراكز اتخاذ القرار، وهذا يترجم غياب المرأة عن نشاطات العمل الأهلي ومؤسسات المجتمع المدني بصفة عامة.5 ـ لعل فكرة انخراط المرأة في مجال القضاء والنيابة من أهم الأفكار، إلا أنه يمكن القول بأن مساهمة المرأة في السلطة القضائية تبدو هزيلة مقارنة بدور الرجل في هذا الجانب، ناهيك عن النظرة التقليدية التي تأخذ من الدين ستارا للتقليل من أهمية هذا الانخراط. 6 ـ في إطار الانتقال بالمرأة في ليبيا إلي طور التفعيل، تم حل والغاء الاتحاد العام للجمعيات النسائية، والجمعيات النسائية بمختلف المناطق، وذلك بحجة أن المرأة في ليبيا هي جزء وشريك في معظم المؤسسات كمؤسسات صنع القرار وهي المؤتمرات الشعبية، إضافة إلي أنه لا يوجد فصل بين الرجل والمرأة، وان الثورة أعطت المرأة حقوقها ومن هنا لا حاجة لوجود اتحاد نسائي للدفاع عن المرأة. وإن أي قضية تخص المرأة ينبغي أن تطرح في المؤتمرات الشعبية. في هذا الإطار تم تشكيل مؤتمرات شعبية نسائية في معظم المناطق، فكل مؤتمر شعبي للذكور يقابله مؤتمر شعبي للإناث، استمرت الفكرة لمدة سنتين ثم الغيت علي أساس أن الرجل والمرأة ينبغي أن يكونا في مؤتمر واحد. وفي التسعينيات من القرن الماضي برز الاهتمام بنشاط المرأة من خلال أمانة مؤتمر الشعب العام عن طريق أمانة شؤون المرأة أو الشؤون الاجتماعية فيما بعد، وعلي مستوي المؤتمرات الشعبية حيث استحدثت أمانة شؤون المرأة أو الشؤون الاجتماعية. وهو منصب تتقلده النساء في مختلف المؤتمرات. ويمكن القول بأن ظاهرة عدم استقرار وإلغاء ودمج كثير من المؤسسات ومنها المؤسسات التي تسعي إلي تدعيم دور المرأة أدي إلي ترك فجوة علي مستوي القاعدة. فبعد أن تم إلغاء الجمعيات النسائية صدر القانون رقم (20) لسنة 2001 بشأن تنظيم الجمعيات النسائية. ووفقا لهذا القانون أنشئت جمعيات نسائية تتكون من النساء بالمؤتمرات الشعبية الأساسية والمواقع الخدمية والانتاجية، إضافة إلي تكوين رابطة الجمعيات النسائية بالشعبية من أمانات الجمعيات النسائية بالمؤتمـــــرات الشعبية. وكذلك تكوين الاتحاد العام للجمعيات النسائية من أمانات روابط الجمعـــيات النسائية بالشعبيات.7 ـ علي الرغم من محاولة إدماج المرأة وإقحامها في مختلف المجالات، إلا أن المشكلة تكمن في غياب الصلاحيات والاختصاصات الممنوحة لها أسوة بما يتمتع به الرجل من اختصاصات.سادسا: ملاحظات ختامية:من خلال تتبع تطور حركة المرأة في ليبيا عبر الفترات التاريخية المختلفة يمكن إبراز الملاحظات التالية:1 ـ إن التطورات والتغيرات التي حدثت في المجتمع الليبي عبر الفترات التاريخية المختلفة، والتي لعبت دوراً حاسما في التأثير علي البيئة الاجتماعية والثقافية والبني السياسية والاقتصادية، كانت من ضمن العوامل والعناصر التي أثرت وساهمت في تحديد الأسس التي ساهمت في تطوير حركة المرأة في ليبيا.2 ـ اتسم نشاط المرأة بالطابع الريادي، الذي لا يتجاوزه إلي حركة فاعلة تكتسب وجودها من تطورها التاريخي الذي يعتمد علي التواصل والاستمرارية والاستقرار. 3 ـ غلبة الطابع الأيديولوجي علي حركة المرأة في ليبيا خاصة منذ ثمانينيات القرن الماضي، حيث انعكس ذلك علي البني المختلفة التي استهدفت نشاط المرأة، لتتحول بعض تلك البني إلي أدوات تبشيرية دعائية أكثر من اهتمامها بالقضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تخص المرأة.4 ـ غياب التعاون وغياب الاتصال والتواصل بين القياديات علي المستوي الرسمي والقاعدة العريضة، إضافة إلي هيمنة الفرد الواحد علي النشاطات المختلفة والمتعلقة بنشاطات المرأة المختلفة والتي تأخذ طابعا موسميا، مما جعل الكثيرات من النشطات في هذا المجال يفقدن الوسط الذي يعملن به.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية