تطوير طرق التجارة والمواصلات في آسيا الوسطى فرصة لأمريكا وضربة للنفوذ الروسي

حجم الخط
0

■ واشنطن- د ب أ/ إبراهيم مامدوف:- كان للصراع الدائر في أوكرانيا الذي أشعله الغزو الروسي لها، تأثيرات عديدة على الشؤون الدولية. وفي حين يتركز اهتمام العالم على أبرز هذه التأثيرات مثل التداعيات الاقتصادية والتحولات في أسواق الطاقة، هناك تحول مهم لا يلتفت إليه الكثيرون وهو أن الحرب دفعت دول آسيا الوسطى إلى إعادة النظر في طرق التجارة والمواصلات القائمة. والحقيقة أن هذا الصراع أصبح يمثل واحدة من أكثر اللحظات محورية بالنسبة لربط دول آسيا الوسطى  مع وجهات التجارة العالمية منذ تفكك الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي.
وقبل نشوب هذا الصراع كانت أغلب الأنشطة التجارية لدول آسيا الوسطى تمر عبر أراضي روسيا لتصل إلى المياه الدولية. لكن الحرب جعلت المرور عبر منطقة الحدود الروسية الأوكرانية أكثر صعوبة. كما زادت العقوبات الغربية على موسكو تعقيد النشاط التجاري لتلك الدول عبر الأراضي الروسية. لذلك وفي ظل محدودية قدرة موسكو على الانخراط المتزامن في منطقة آسيا الوسطى، أصبحت البيئة مواتية لتنويع وتوسيع شبكة طرق التجارة في المنطقة بحسب التحليل الذي نشرته مجلة ناشونال إنترست الأمريكية  للمحلل السياسي إبراهيم مامدوف الباحث الزميل في المركز القوقازي للعلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية.
وهذه اللحظة تمثل فرصة فريدة لصناع السياسة في الولايات المتحدة. ونظرا للأهمية الجغرافية والاستراتيجية لآسيا الوسطى، من المهم للولايات المتحدة أن تساعد في تسهيل إقامة شبكة طرق ومواصلات جديدة داخل هذه المنطقة.
والحقيقة أن منطقة آسيا الوسطى إلى جانب جنوب القوقاز أصبحت ذات أهمية متزايدة لجميع اللاعبين الجيوسياسيين في العالم. فأراضي المنطقة غنية بالموارد الطبيعية  ومصادر الطاقة وتضم عددا كبيرا من طرق التجارة وتحتل مواقع جيوسياسية استراتيجية  بين أغلب القوى الكبيرة في العالم. وأطلق الأكاديمي داجمان كرنيفيتش ميسكوفيتش تعبير «منطقة طريق الحرير» في إشارة إلى أهمية مناطق آسيا الوسطى والقوقاز. وقال ميسكوفيتش في مقالة نشرها في  عدد الصيف من دورية «حوارات باكو» الأذربيجانية  إنه «مع زيادة البنية التحتية للاتصالات والمواصلات متعددة الأشكال سواء من حيث الحجم أو نطاق التغطية» ستصبح المنطقة «لا يمكن الاستغناء عنها لتحقيق الطموحات الاستراتيجية  للقوى الكبرى التي تحيط بها من كل الجوانب».
وشهدت الثمانية عشر شهرا الماضية منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا نشاطا دبلوماسيا محموما من جانب الدول الكبرى نحو هذه المنطقة، التي استضافت مجموعة كبيرة من القمم الإقليمية وعبر الإقليمية على غرار قمة «سي 5 زائد واحد» التي اقترحتها الولايات المتحدة حيث يشير حرف سي إلى دول آسيا الوسطى الخمس وهي كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان أوزباكستان. وعقدت قمة «سي5 زائد الصين» و»سي5 زائد الهند» و»سي5 زائد روسيا» و»سي5 زائد الاتحاد الأوروبي « وقمة مجلس التعاون الخليجي ودول آسيا الوسطى.
في الوقت نفسه فإن الولايات المتحدة تبدو في موقف أضعف من منافسيها على النفوذ في هذه المنطقة بسبب بعد المسافة. فالمنطقة محاطة بروسيا والصين وأفغانستان وإيران وبحر قزوين. علاوة على ذلك فإن الظروف السائدة بما في ذلك ميل روسيا المتزايد لاستخدام القوة العسكرية في سياستها الخرجية، وإصرار إيران على استبعاد الدول الغربية عن المنطقة من أي من الشؤون الإقليمية ، وعدم الاعتراف بحكومة طالبان في أفغانستان إلى جانب حجم الحضور الإقليمي الكبير للصين، فإن تدخل الصين في تشكيل طرق المواصلات والاتصالات داخل آسيا الوسطى ينطوي على أهمية كبيرة، حيث سيمثل فرصة كبيرة لكي تحظى الولايات المتحدة بالنفوذ فيها.
ويتناول إيرهيم مادوف الذي يدرس حاليا للحصول على درجة الماجستير في الدبلوماسية والشؤون الدولية بجامعة «أيه.دي.أيه»  3 خطوط مواصلات جديدة في منطقة آسيا الوسطى يجري الحديث عنها حاليا.
الطريق الأول هو طريق أفغانستان. ففي 18 تموز/يوليو الحالي تم توقيع اتفاق ثلاثي بين هيئات السكك لحديدية في باكستان وأوزباكستن وأفغانسان، لبناء خط قطار «ترانس أفغانستان» ويستهدف ربط مدينة تمريز الأوزباكستانية بمدينة بيشاور الباكستانية عبر مزار الشريف وكابول في أفغانستان.
ورغم أن هذا الخط يمثل طريقا جيدا للمواصلات في آسيا الوسطى، فإن التحديات المالية في أوزباكستان تشير إلى أن الجدول الزمني لتنفيذه يمتد حتى 2027، كما أن عدم الاعتراف الدولي الواسع بحكومة طالبان الأفغانية سيحد من قدرة الصادرات الأوزباكستانية على الاستفادة من الطريق للوصول إلى الأسواق العالمية.
وفي ظل هذه الظروف والتي يفاقهما عدم اعتراف الولايات المتحدة بحكومة طالبان، فقد تتبنى واشنطن طريقا بديلا لطريق «ترانس أفغانستان».
أما ثاني الطرق التي تناولها التحليل فهو طريق إيران وهو يمثل خيارا جيدا من الناحية الجغرافية بالنسبة لمنطقة آسيا الوسطى. فإيران توفر لها أقصر الطرق للوصول إلى المياه الدولية بالمرور عبر أراضي دولة واحدة. لكن هذا الطريق ظل غير مستغل لفترة طويلة بسبب النفوذ الروسي على دول آسيا الوسطى وعزلة إيران على المسرح الدولي. ورغم ذلك وبعد نشوب الحرب الأوكرانية قام قادة كل دول المنطقة تقريبا بزيارة طهران لإعادة تقييم العلاقات معها.
وكان موضوع التجارة وطرق المواصلات هو أحد محاور زيارات هؤلاء القادة. وتستطيع إيران أن توفر لهذه لدول ليس فقط طريقا بديلا للوصول إلى السوق الأوروبية عبر تركيا، وإنما أيضا طريقا مباشر نحو بحر العرب وهو ما يضمن لها الوصول إلى المياه الدولية. لكن وفي ظل سوء العلاقات الأمريكية الإيرانية، فإن مصلحة واشنطن تحتم عدم تشجيع دول آسيا الوسطى على استخدام الطريق الإيراني. فهذا الطريق لن يدعم الاقتصاد الإيراني فقط وإنما أيضا سيزيد نفوذها  في المنطقة مما يهدد المصالح الأمريكية فيها.
وثالث الطرق هو الطريق القزويني، وهو الطريق الوحيد الذي يتيح الوصول للمياه الدولية دون أن يقتصر على خطوط السكك الحديدية ويمتد عبر بحر قزوين وأذربيجان وجورجيا وتركيا، ثم يصل في النهاية إلى البحر المتوسط والاتحاد الأوروبي. هذا الطريق يمثل مزيجا من السكك الحديدية والنقل البحري لجميع السلع.
وأكدت تطورات قليلة خلال السنوات الأخيرة الأهمية المتزايدة لاستخدام هذا الطريق. ووصلت مسيرة هذا الطريق إلى لحظة محورية عندما بدأ تشغيل قطار للحاويات جرى اختباره لأول مرة في 3 آب/أغسطس .2015 ويبدأ هذا القطار الذي ينقل البضائع  من مدينة شيهازي الصينية ويمر عبر كازاخستان ويصل في النهاية إلى مدينة باكو الأذربيجانية  في طريقه إلى تركيا. وفي وقت لاحق وفي 30 تشرين الأول/أكتوبر 2017 تأخر حفل تدشين خط قطار باكو-تيبليسي-كارس عدة مرات. وهذا القطار لم يسهل حركة نقل البضائع بين أذربيجان وتركيا عبر جورجيا فقط، وإنما مهد الأرض  لتحسين حركة المواصلات عبر ممر الشرق-الغرب، ويربط أسواق الصين وآسيا الوسطى والاتحاد الأوروبي.
ويصبح السؤال الآن هو كيف يمكن  للولايات المتحدة دعم شبكة الموصلات في آسيا الوسطى؟
على الولايات المتحدة اعتبار الطريق القزويني الذين يمر عبر بحر قزوين وأذربيجان وجورجيا وتركيا، طريقا رئيسيا للتجارة الدولية بالنسبة لدول آسيا الوسطى. ولتحقيق هذه الغاية  عليها إظهار استعدادها للقيام بمجموعة من الخطوات الاستراتيجية.
أولا ، يتعين على واشنطن ضخ استثمارات استراتيجية  في البنية التحتية للموانئ الإقليمية. وتصل الطاقة التشغيلية للطريق المار ببحر قزوين والمعروف باسم «الممر الأوسط» حاليا إلى نحو 5% من طاقة الطريق البري الذي يمر عبر روسيا والمعروف باسم «الممر الشمالي». بمعنى آخر يحتاج بحر قزوين إلى زيادة طاقته التشغيلية بنسبة كبيرة ليصبح بديلا  قويا لطريق التجارة الروسي. وإذا أرادت واشنطن ازدهار هذا الطريق على حساب المصالح الروسية،  فسيكون عليها ضخ الاستثمارات اللازمة  لزيادة طاقة موانئ الشحن  الحيوية فيه بما في ذلك ميناء باكو في أذربيجان  ومينائي أكتاو وكوريك في كازاخستان وميناء تركمنباشي  في تركمانستان.
ثانيا، ينبغي على واشنطن  ضخ استثمارات مماثلة في البنية التحتية للسكك الحديدية الإقليمية بما في ذلك عبارات السكك الحديدية. وعبارات السكك الحديدية كما يتضح من اسمها عبارة عن سفن مصممة خصيصا لنقل عبارات القطارات بما تحمله من بضائع من شاطئ إلى آخر. يتم استخدام هذا النوع من العبارات في بحر قزوين  لكن على نطاق ضيق للغاية في الوقت الحالي، وهو ما يعني  أنه غير قادر على  التحول إلى بديل  لطريق التجارة عبر روسيا.
ثالثا، يجب على واشنطن تخصيص المزيد من الموارد الدبلوماسية  والاهتمام نحو الانخراط مع الدول التي يمر بها بحر قزوين. وقد أظهرت منصة «سي5 زائد واحد» نجاحا وفاعلية كمنتدى للحوار، لذلك يجب استمرارها. كما يمكن أن يتم توسيع نطاقها لتشمل دول أخرى موجودة على الطريق القزويني  وبخاصة أذربيجان بسبب دورها المحوري.
أخيرا، تستطيع الولايات المتحدة، عبر الاستثمار الاستراتيجي  والتواصل مع الشركاء المحليين، زيادة الطاقة التشغيلية للطريق القزويني، ليس فقط لتعزيز حركة التجارة وتنويع طرقها وتقوية العلاقات مع الدول الإقليمية، وإنما أيضا لخدمة مصالحها في المنطقة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية