لا تعرف الخريطة الشرق أوسطية طريقها للهدوء رغم اختلاف القيادات التي تدير بلدانها. هذه الخريطة التي تعاني من عدد لا يحصى من المشاكل الداخلية والخارجية تجمع عوالم كاملة من المجتمعات المتنوعة الهويات والمذاهب، والمنهكة من سنوات القمع، والفقر، والخلاف الطائفي والقومي. رغم اختلاف شكل الخرائط في الشرق الأوسط إلا أن المشتركات بين طرق تعامل حكام تلك الخرائط مع مجتمعاتهم متعددة. وفي السياق تعتبر شعوب تلك الخرائط بالمستوى نفسه من التعب، خوف وقلق شامل من المستقبل المجهول. لم تثمر ثورات الربيع العربي أزهارا مناسبة لمُحركيها. عمليات النزوح الكبيرة لسكان دول الربيع والقتل العام، وعمليات التغيير الديموغرافي وانهيار المؤسسات وضعف الخدمات وتشتت الروابط الاجتماعية لم يثن سكان لبنان، والعراق، وإيران المجاورة، عن السكوت عن واقعهم المرير. لا صمت بعد الآن عن الفقر والقمع والخلافات المذهبية التي تؤججها الأحزاب المحلية، والتي تُسيرها الحكومات التقليدية. لا تختلف المظاهرات في إيران عن مثيلاتها في العراق، ولبنان، وإن كانت إيران تجد في نفسها زعيمة للدولتين. إيران التي ذكر قادة محليون فيها وصولهم للبحر المتوسط لم تستطع ان تحمي داخلها المتداعي. هذا التداعي الذي كان لقادة واشنطن الحاليين الدور الرئيسي فيه وهو عنوان المرحلة الآتية. لا مهرب لإيران بعد الآن أمام شعبها. لم تعد خطابات الثورة، والدفاع عن فلسطين، وقيادة العالم الإسلامي، تُسعف بلدا يعاني أكثر من أربعين في المئة من سكانه من الفقر، ويعيش الباقي في قفص كبير، وتحت رقابة أجهزة أمنية لا ترحم.
يدرك الجميع ان التظاهر في بلد مغلق على العالم، ولا يعرف قادته سوى سياسة العصا الغليظة هو انتحار. ولكنهم يسيرون في دربهم هذا لأنهم فقدوا أي أمل آخر. قرر هؤلاء التحرك وهم لا يملكون أملا كبيرا في التغيير، لأنهم يعلمون ان كل مخاض داخلي يخيف القادة المحليين، ويشجع باقي المواطنين على التفكير بضرورة المشاركة في التغيير. إيران التي يصر قادتها على اعتبار كل تحرك داخلي مؤامرة لم تنجح في إيقاف هذه الحراكات في بدايتها، واضطرتها الظروف إلى التهديد بالعقاب من خلال قادتها العسكريين كخيار أخير ساهم في ضبط الأمور مؤقتاً، ولكنها لم تسهم في حل المشاكل العميقة لعوالمها المتشابكة والمتشنجة.
زوايا الاحتجاجات
لم تكن الحراكات الحالية، التي ركز عليها إعلام الدول الغربية والخليج العربي، ولادة للمرحلة الحالية فقط بل هي امتداد لمسيرة عقد من التظاهرات التي تنطفئ لفترة وتولد بشكل جديد، وفي أمكنة وظروف جديدة. هذه التظاهرات التي بدأت من داخل المؤسسة الدينية والسياسية الحاكمة، وتوسعت بعد سنوات في شكل غضب عارم على الوضع الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي، ومن دون قيادة واضحة، وبدون اكتراث للتوزع الطائفي والاثني انتهت بحراكات غاضبة شاملة تشبه في ملامحها الحراكات الاجتماعية في أوروبا الشرقية في نهاية الثمانينيات من العقد السابق.
الصراع السياسي الداخلي
في 2009 كان الحراك الشعبي والتظاهرات الكبيرة العارمة جزءا من التناطح السياسي الداخلي داخل المؤسسة الحاكمة. التظاهرات التي جاءت عقب إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية التي أبقت محمود أحمدي نجاد فترة رئاسية جديدة. التظاهرات تلك كانت بقيادة سياسية من داخل رأس الهرم السياسي للقوى الحاكمة. كان لمير حسين موسوي ومهدي كروبي دور الوجاهة فيه. الرجلان لم يكونا من أذيال المخابرات الغربية التي تتحدث عنها السلطات في إيران دوماً بل كانوا من التيار الإصلاحي للمؤسسة الحاكمة. الثورة الخضراء التي كان يطلق عليها مناصروها هزت الجانب الراديكالي من النظام، وواجه مناصروها العقاب الشديد. لم يكن للنظام حينها خيار الترويج بكثرة للعدو الخارجي ضد قادة التظاهر، وكان تركيزه على وصف الحراكات بكونها تهدف إلى تخريب مكتسبات ما تسمى الثورة الإسلامية في إيران. حوصر القادة السياسيون الذين كانوا من عواميد النظام الحاكم، ودفعت الجهة الحاكمة لقاعدتها المناصرة للتظاهر لصالحها، وانتهت التظاهرات بصمت مخيف داخل عموم البلد.
بعد أكثر من ثماني سنوات، وبعد مرور حوالي السنتين من توقيع الاتفاقية النووية للبرنامج النووي الإيراني مع الدول الكبرى ظهر الغضب الشعبي من جديد. لم يتمكن النظام من الاستفادة المثلى من نتائج تلك الاتفاقية رغم التزامه بها. كان الترويج للاتفاقية من قبل الحكومة وحديثها عن أنها ستضع إيران في مصاف الدول الغنية! وستزيل العقبات القانونية والسياسية في وجه نموها الاقتصادي، وانفتاحها الدولي، دور في زيادة اليأس. انتظر الجيل الشاب في إيران الكثير لملامسة التغيير المنشود. ولكن، من دون جدوى. ظهر الغضب من جديد على شكل تظاهرات من العاصمة الدينية للبلاد. مدينة مشهد ذات الوزن السياسي والمعنوي تحولت إلى ساحة للنشاط السياسي المضاد للحكومة نهاية العام 2017. كان عنوان التظاهر هو رفض الزيادة الحكومية لأسعار المواد الغذائية. ولكن، كان السبب المذكور هو نافذة لقضايا عالقة كبيرة منها البطالة، وانخفاض الدخل، واليأس لدى الشبان، والحنق السياسي العام. التظاهرات التي عمت أكثر من ثمانين مدينة وبلدة لم تكن تملك قيادة واضحة، ولم تفرق بين التيار الإصلاحي أو المتشدد من الهياكل الحاكمة. كان الغضب والرفض كليا لمؤسسات السلطة وكان اللافت فيها رفض المتظاهرين التدخل الإيراني في العراق وسوريا ولبنان وغيرهم. لكن، القمع الواسع، وقوة السلطات الأمنية، والاحتضان الغربي لإيران الملتزمة حينها بالاتفاق النووي أنهى تلك الاحتجاجات، ولم يعد يتذكر الناس مقتل 22 شخصا على يد قوات الباسيج فيها.
ترامب وما وراء الأطلسي
كانت البيانات الاقتصادية تتحدث عن نمو نسبي للاقتصاد الإيراني بعد سنتين من توقيعها للاتفاق النووي. لم يكن ذلك النمو على مستوى الطموح لدى قادة طهران. كان الخوف الدولي من دخول السوق الإيرانية نابعا من عدم شفافية القوانين والفساد في المؤسسات، وقوة المؤسسة العسكرية. كان القلق من سياسات إيران التدخلية في الدول المجاورة والبعيدة حتى عاملا إضافيا لتفادي الشركات الكبرى إبرام صفقات كبرى، وإن كانت شركات بضخامة توتال الفرنسية بدأت في التحرك هناك. كانت البنوك الدولية تراقب بقلق الهدوء الأمريكي، وعدم تفاعلها مع النشاط المفترض مع إيران. الشك كان عاملا كبيرا في برود العالم مع بلد يظهر قادتها مع ميليشيات مذهبية في العراق، وسوريا، ولبنان. هذا الخوف من التعامل مع إيران لم يلغ حقيقة ان السوق النفطية فُتحت لها حتى تجاوز إنتاجها مليوني برميل. كان التركيز الحكومي الإيراني ينصب على الوصول إلى قطع الغيار النوعية، وتحديث الاسطول الجوي المدني. لكن، تبخر كل شيء مع ظهور ترامب، الرئيس الأمريكي الذي قرر في الشهر الخامس 2018 انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات على طهران الأمر الذي أنهك السلطة الحاكمة هناك. لم يعد مع تشديد العقوبات إلى مستوى غير مسبوق أي متنفس لإيران. انخفض الإنتاج النفطي إلى الربع، وأغلق الوصول إلى المصارف الدولية، ومُنع العالم من التعامل مع السوق الإيرانية. انسحبت الشركات الأوروبية، ولم يكن لباقي الدول الأطراف في الاتفاقية أي دور في الوقوف في وجه طوفان الغضب الأمريكي الترامبي. كانت إيران مع كل تشديد للعقوبات عليها تزداد ميلاً للتشديد الداخلي خوف حدوث شقاق سياسي. ضعف التيار الإصلاحي، وازداد النفوذ العسكري والأمني، وتحول البلد إلى سجن كبير جديد. كل هذا المستجد كان له دور كبير في بدء توسع الاستياء الشعبي، وتحول البلد إلى هيكل مريض يساعد نفسه من خلال التشديد الأمني على ضمد جراحه الكثيرة. كل هذه العقوبات التي تبتغي ضبط إيران تزيدها عدوانية. لم يكن فتح العلاقات مع إيران كما كان يرغب أوباما ومستشاروه أي دور في ردع إيران عن تدخلاتها المُريبة في المنطقة، ولم تنفع العقوبات حتى اللحظة على ضبطها أيضاً.
يعلم الساسة في طهران ان لا مفر من تحويل الصدام مع العالم إلى خارج إيران، ولكنهم تناسوا الكلفة الجانبية الجارفة. انهيار اقتصادي، وضعف في الخدمات، وانغلاق عن العالم، ويأس بين السكان، واحتقان يولد انفجارات شعبية مفاجئة وغير واضحة الملامح. لم يعد تنفع إيران سياسة اللعب خارج الجغرافية مع تحول جغرافيتها إلى كيان من المشاكل التي لم يعد هناك مفر من تفسخها. هناك قلاقل قادمة، وصعوبات لا حلول لها.
الحراك الحالي
مع فشل طهران في إقناع الأوروبيين بدعم اقتصادها، ومع استمرار سياساتها الداخلية والخارجية على المنوال نفسه تراجع الواقع الاقتصادي في البلاد. كل هذا الإنهاك أظهر في البلد الذي يعتبر نفسه منتصرا في سوريا، ويجد نفسه صاحب نفوذ أكبر في العراق، ويتباهى لكون حليفه في لبنان صاحب القرار الأكبر هناك، وقد تسرب النخر إليه من جديد. في 15 من تشرين الثاني/نوفمبر انطلقت التظاهرات في بلدات في أقاليم مختلفة في إيران مع قرار الحكومة زيادة سعر البنزين بنسبة الخمسين في المئة. مع الأيام وصلت التظاهرات لحوالي مئة مدينة وبلدة. لم تنحصر التظاهرات في كتلة اجتماعية أو مذهبية أو قومية معنية. اجتاحت الجنوب الغربي والشمالي الغربي على السواء. كانت المظاهرات واضحة في الحيز العربي من المنطقة، وكانت شاملة في الحيز الكردي أيضاً. دخلت التظاهرات في العمق الفارسي الواضح حوالي طهران، وكرج، وأصفهان، وكان المسار الاحتجاجي متصاعدا، وإن ليس بالزخم المطلوب في مناطق الأتراك الأذريين. تركزت التظاهرات لدى الجماعات الفقيرة، وإن شوهدت تجتاح بعض المناطق ذات المستوى الاقتصادي الجيد في مدن كبيرة كطهران. كانت الشعارات واحدة بين كل تلك الجغرافية. ظهرت بعض الشعارات الأكثر تشدداً ضد السلطة الدينية في البلاد في مناطق الأكراد. هذه المسارات الاحتجاجية، والعشوائية دحضت محاولات السلطة في طهران على تأليب الكيانات الاجتماعية بعضها ضد بعض. انتهى المطاف بالحكومة لوصف التظاهرات على أن من يقف وراءها مارقين وخونة. كانت التظاهرات عبارة عن مثبط مؤقت لرغبات السلطة في الوصول إلى كمية مالية وافرة من التحصيل الجديد لرشوة الفقراء الذي يصل عددهم حسب تصريحات الحكومة لـ18 مليون أسرة لدفعهم للمشاركة في الانتخابات البرلمانية في شباط/فبراير المقبل. هذه الرغبة كلفت المجتمع الإيراني أرواح 106 محتجين حسب منظمة العفو الدولية. المنظمة التي تعترف أنه من الصعب الوصول إلى الأرقام الحقيقية للخسائر البشرية، ولعدد المعتقلين والمختطفين، نتيجة قطع الإنترنت المتعمد، ونتيجة الصعوبة في التواصل مع السكان في بلد لم يعد يكترث للغضب الدولي ضده، ويزداد اقتناعه بإن القوة هي الحل في الصمود في السلطة، وهو الحل الوحيد والصعب في الهروب من مواجهة النخر، والإنهاك الداخلي الواضح. هذه السلطة تستفيد بالطبع من كون أن عالم المعارضة الإيرانية مشتت، وضعيف، وغير واضح المعالم.
إن مسار الاحتجاجات، وظهورها بهذا الشكل يعزز الاعتقاد إن إيران تعاني الكثير من الداخل. لم تعد لها خيارات كثيرة للمناورة لذا تتجه أكثر إلى التشدد داخلياً، وإلى التمرد خارجياً. ومع ظهور ملامح تمرد إيراني مماثل لتمرد ترامب على الاتفاقية النووية يسدل الستار على واحدة من آخر فرص النظام القائم على الانتعاش. الانتعاش الغابر يؤجج المنطقة أكثر، ويدفع مجتمعات سوريا، ولبنان، والعراق، واليمن حتى إلى توقع الكثير من المخاضات المقبلة. هذا كله لا شيء مع انحسار المد الإيراني الخارجي نتيجة الحصار القاسي عليه مع ما سيعايشه المجتمع المحلي المشتت. ظلامية متوقعة، وخوف منتشر، ومؤسسات تقليدية متراجعة، ونقص في المواد، والخدمات، ومسيرة مشابهة لعراق من 1991 الى 2003 وإن كان العقاب الأمريكي المباشر غير متوقع، والبعض يعتبرون الضربات الإسرائيلية للإيرانيين في سوريا وللحشد الشعبي في العراق رسالة مشابهة لرسائل أمريكا لنظام صدام حسين ذات يوم.