ليس من المنصف مطالبة المنتفضين اللبنانيين بـ «ليستة» مطالب وشروط مسبقة قبل أن يتضامن معهم الأشقاء العرب. فمن لديه كل هذه المصائب، التي تتكشف منها أشياء لم تكن في بال بعض اللبنانيين أنفسهم، لن يكون في إمكانه الالتفات إلى مصائب الآخرين. القمامة وبقايا البراز في مياه الشرب، والكهرباء وفساد المسؤولين والقضاء غير المستقل والطوائف وجبران باسيل ودولة «حزب الله».. لن تترك للبناني فرصة لالتقاط النَفَس.
كثر من يقيسون صلاحية المظاهرات بمقدار اقترابها من قضاياهم. لعل هذا لسان حال كثير من السوريين، نظاماً ومعارضة، والمصريين، سيسيّين وسواهم، والعراقيين، والفلسطينيين، على اختلاف مشاربهم.
أما فلسطين فمن الرائع أنها عادت عبر الكوفيات التي كانت حشود «المقاومين»، بأقنعتهم وقمصانهم السود، قد حجبتها لوقت طويل
مع ذلك، كان لبنان مدهشاً، صاحياً ربما أكثر من اللازم. من يتوقع مثلاً أن تلتفت مظاهراتهم لتهتف من أجل العاملات الأجنبيات، ومن أجل اللاجئين، السوريين خصوصاً، من أجل العراق، ومصر وسواها.
أما فلسطين فمن الرائع أنها عادت هذه المرة عبر الكوفيات التي على ما يبدو كانت حشود «المقاومين» بأقنعتهم وقمصانهم السود قد حجبتها لوقت طويل، وللمفارقة باسم فلسطين أيضاً!
هذه الثورة بإمكانها حقاً أن تكون بشارة، واستئنافاً عظيماً لربيع العرب.
لبنان الذي لا نعرفه
على هامش الصور والفيديوهات المتداولة من ثورة اللبنانيين هنالك عدد كبير مواز من صور وفيديوهات وتعليقات مختصة بجانب واحد يعكس هوساً جنسياً لدى عدد غير قليل من المتابعين. لقد بات لديهم أرشيفهم الخاص، صور مأخوذة من زاوية الإثارة الجنسية، بعضها مزوّر بوضوح، يتداوله أولئك للضحك، أو لإرضاء خيال مريض، أو للنيل من ثورة شعب، وربما لكل ذلك معاً.
بات هنالك أرشيف خاص لصور مأخوذة من زاوية الإثارة الجنسية، بعضها مزوّر بوضوح، يتداوله البعض للضحك، أو لإرضاء خيال مريض، أو للنيل من ثورة شعب، وربما لكل ذلك معاً.
كانت التغريدة السمجة لرجل الأعمال المصري نجيب ساويرس أكثر النماذج تداولاً وتعبيراً عن ذلك. عندما كتب «نكتة اليوم: قاعد باتفرج على مظاهرات لبنان، أول ما حسيت مراتي دخلتْ، حوِّلت على حرب اليمن». وللحق أن «نكتة» ساويرس قوبلت بغضب وانتقاد لاذع، مع أنك لن تعدم وجود كاتب متملق في صحيفة مصرية بارزة يصفق له بالقول «كل حرف يصكه «نجيب» يوزَن بميزان الذهب»، داعياً في الوقت ذاته إلى عدم الانجرار إلى الاحتراب بين اللبنانيين والمصريين بسبب التغريدة!
علاء مبارك، نجل الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، جاء بشيء مماثل لمواطنه ساويرس حين كتب، مرفقاً تغريدته بصورة لمتظاهرات لبنانيات «الناس دي لو كان نزل زيهم عندنا في 25 يناير، كان علاء وجمال نفسهم نزلوا الميدان يهتفوا ضد أبوهم».
ستجد حتى يوتيوبر بارز كأحمد بحيري يقدم حلقة بعنوان «لبنان الذي لا نعرفه»، فيقول «من كتر الفيديوهات اللي فيها غنا ورقص، اللي بتنتشر عن ثورة لبنان، ومن كتر ما السينما المصرية قدمت جمال اللبنانيات في أفلامها، فيه ناس بقت خايفة أن مطالب اللبنانيين تتنفّذ أحسن يسيبوا الشوارع ويرجعوا بيوتهم وهم لسه مشبعوش منهم». وفي وقت يبدو بحيري مدافعاً عن اللبنانيين، بوجوههم غير المعروفة، يروح يقدم صورتهم في السينما المصرية عبر تاريخها الطويل، التي قُدمت على الدوام إما في إطار الإغراء أو الكوميديا أو الإجرام أو المثلية الجنسية، بما يعطي صورة مزيفة عنهم. لكن بحيري يستغرق معظم الحلقة في الحديث عن تلك الجوانب، وللحق فقد بذل الرجل جهداً كبيراً في البحث والإعداد لحلقته، وربما كان أجدى لو تحدث حقاً عن «لبنان الذي لا نعرفه»، ذلك الذي نجده اليوم على الشاشات وفي وسائل التواصل الاجتماعي بشكل ساطع.
تزوير
أحد الفيديوههات المتداولة الفاقعة يصوّر حفلة فجور وتعرٍّ في الشارع، تُرفَع فيه امرأة عارية على الأكتاف، وقد لفّق فوق الشريط صوت مستعار من مظاهرات اللبنانيين، وهذا بالطبع تزوير لا يحتاج لأي عناء، كما لن يحتاج الأمر إلى أي خبرة غير اعتيادية لاكتشاف أمر الفيديو المزوّر. هذا الفيديو بالذات يؤكد أن انتشار وتداول صور من هذا النوع ليس بريئاً أبداً، وأنه لما كان من الاستحالة اتهام ثورة اللبنانيين بالتطرف الديني وجدوا أن من السهل تلفيق اتهامات وفبركة قصص تروي ظمأ بعض المرضى، أو الكسولين على الأقل، الذين لا يكلّفون أنفسهم بذل جهد يسير لرؤية الحقيقة.
ليس أسهل، على قلب نظيف، مشاهدة أروع الحكايات، ومرافعات في الشارع ولا أجمل، من مختلف الشرائح والأعمار والمناطق والطوائف. ليس بريئاً أن يشيح المرء بوجهه عن كل ذلك.

مصممة الأزياء السورية رجاء مخلوف
بروباغندا «مونت كارلو»!
نستمع في «مونت كارلو الدولية» لمقابلة مع مصممة الملابس السورية رجاء مخلوف (لا أدري ما المناسبة) في برنامج «هوى الأيام» من إعداد طارق حمدان. تُقدَّم الفنانة (التي تتحدث من دمشق) على أنها مصممة أعمال درامية مثل «الملك فاروق» و«هارون الرشيد» وأبو الطيب المتنبي» و«نزار قباني»،.. وكلها أعمال مضى على إنجازها أكثر من عشر سنوات، كأنما يتقصّد البرنامج إغفال ذكر أعمال راهنة كي يتجنب الخوض في أسئلة إشكالية. يتصرف مقدم البرنامج (وشريكه في الحلقة الروائي والناقد سليم البيك، الذي يطرح على الضيفة سؤالاً وحيداً بخصوص الهوية اللونية) وكأنه «مش واخد باله» لمشاركات مخلوف في أعمال سينمائية أقل ما يقال فيها إنها بروباغندا صريحة لصالح النظام السوري.
فيلم «رجل الثورة» يجهد في دحض الروايات الإعلامية المناهضة للنظام السوري، وخصوصاً تكذيب حقيقة «الخوذ البيضاء»
وعلى سبيل المثال فإن مخلوف صممت ملابس فيلم «رجل الثورة» من إنتاج «المؤسسة العامة للسينما» (2017)، سيناريو حسن م. يوسف، وإخراج نجدت أنزور، الفيلم الذي يجهد (كما يقول مشتغلو العمل أنفسهم) في دحض الروايات الإعلامية المناهضة للنظام السوري، وخصوصاً تكذيب حقيقة «الخوذ البيضاء» (رجال الدفاع المدني السوري الذين يعملون في مناطق سيطرة المعارضة).
اللافت أن الفنانة نفسها لا تتردد في أن تفتح حديث الحرب، فيما يستمر مقدّما البرنامج في الحديث عن الألوان وتوفر المراجع التاريخية.
لا نطلب أن تتحول الحلقة إلى محاكمة سياسية بالطبع، ولا أن تحرم مخلوف من إمكانية التعبير عمّا يجول في خاطرها، ولكن نريد من مذيعي الإذاعة العريقة أولاً أن يجدوا مناسبة ومدخلاً لائقين (وهذا في صلب المهنة)، أن يقدموا مقابلة طازجة، راهنة، ما يعني التطرّق إلى مشاغل ومستجدات تهمّ المستمعين بالفعل. مصمم الملابس، خصوصاً من وزن رجاء مخلوف، ليس مجرد تقني، فهو مبدع يُسأل عن اختياراته، وله دور حاسم ومؤثر للغاية في وصول وترويج أخطر الأفكار.
٭ كاتب فلسطيني سوري