د. محمد الوادي
نظمت النقابة المغربية للفنون التشكيلية، بشراكة مع المكتبة الوسائطية، وبدعم من وزارة الثقافة، معرضا للحجابات الهوائية الذي انطلق، من بداية كانون الاول /ديسمبر2011 واستمر إلى غاية 31 منه، في ثلاث مدن مغربية هي: الدار البيضاء (بالمكتبة الوسائطية التابعة لمؤسسة مسجد الحسن الثاني من 01 ديسمبر2011 إلى 17 منه)، مكناس، بالمندوبية الجهوية التابعة لوزارة الثقافة (من 21 ديسمبر2011 إلى 21 منه)، ثم الرباط (مسرح محمد الخامس من 28 ديسمبر إلى 31 منه). كانت هذه القاعات الفنية مزدانة بمعروضات فنية نادرة- هي الأولى من نوعها في المغرب والعالم العربي وإفريقيا – للحجابات الهوائية بمشاركة متميزة لمجموعة من الفنانين العالميين، وبمشاركة مغربية مميزة.
وترافقت هذه المعارض بمعرض للطوابع البريدية، ومنها الطوابع الصادرة حديثا لأربع لوحات لحجابات هوائية لفنانين من القارات الأربع والتي تم إصدارها خصيصا بهذه المناسبة.
الحجابات الهوائية هي لوحات فنية ذات أبعاد جمالية وأحجام كبيرة، وقراءتها تحتاج إلى تجميع رموزها وخلق تقابلات فنية متناغمة، بحيث يمكن للعين أن تستمتع بعرض تشكيلي يتأسس على القراءة الشمولية للوحات متفرقة، الغرض منها هو خدمة البعد الجمالي البصري، وخلق هندسة مكانية وفنية جديدة وزاخرة باللون والشكل.
إن الحجابات الهوائية تستمد قوتها من المكان واللون، وبحكم أنها هوائية فهي مناهضة للتيار، وحابسة للأنفاس، وخالقة للجمال المكاني، إذ تضفي على الغرف والقاعات هالة من الانجذاب اللوني. تعتبر تجربة دانييل كوتورييه الفرنسي تجربة رائدة ومميزة، فلسنوات وهو يجمع لوحات من مختلف أنحاء المعمورة حتى أصبح يمتلك مجموعة هائلة عرضت في العديد من القاعات العالمية.
هذه المجموعة، وهذه التجربة أثارت انتباه النقابة المغربية للفنون التشكيلية فأضافت إليها التجربة المغربية، ممثلة في نخبة من المبدعين المغاربة أمثال: عبد الله اليعقوبي، رجاء أطلسي، دنيا بنعمور، سعيد مسك، سعيد الغبراوي، الحسين موهوب، عائشة عرجي، بشرى التادلي، سلوى جانا، سعاد بياد، محمد الشوفان، سناء السر غيني، نجاة الباز، رجاء اغزادي، ليلى عراقي، كنزة لحلو أمين، فاطمة حجاجي، عائشة دتسولي، جميلة العرايشي… فكانت المعارض التي شهدتها مدينة الدار البيضاء، ومكناس، والرباط على جانب كبير من الأهمية ومن الغنى الفني والثراء الثقافي والفكري.
إن تنظيم هذه المعارض الفنية من طرف النقابة المغربية للفنون التشكيلية جاءت كتتويج لسنوات طويلة من الاشتغال الفني والعمل الثقافي وبذلك تكون هذه النقابة سباقة لتنظيم مثل هذه التظاهرات النوعية والكبيرة التي تجمع قارات، وحضارات إنسانية كبيرة. الحجابات الهوائية هي تنويعات فنية تضرب عنفوانها علوا، وتمد حدودها عرضا، فتحتل مساحة جمالية حتى تصبح جزءا لصيقا بالمكان.
على مستوى الاشتغال فإن الحجابات الهوائية قد تستغرق شهورا من العمل المرهق ذهنيا من أجل إخراجها وإعدادها إعدادا نهائيا. إنها ليست وليدة لحظة طارئة، بل هي عمل حرفي صارم وممتع في نفس الوقت ولها امتدادات في عمق التاريخ.
وميزتها أنها عنصر هندسي رائع قد يدخل في إطار تهيئ الغرف ويستعمل كفواصل وحدود هندسية داخل الفضاء الخاص والعام. إنها ستائر خشبية أو معدنية أو بلاستيكية أو طينية تضفي على الأمكنة حرارة خاصة، وجمالية لونية وضوئية متفردة.
الحجاب الهوائي إذن فن الاستعمال المنزلي حيث لاقى رواجا واسعا في أوروبا بحكم جاهزيته ونفعيته كتأثيث فضائي.
يحتاج الفنان إلى ورشة عمل تتوفر فيها كل العناصر والمواد والأشكال العضوية والهندسية ومستلزماته متنوعة حسب المادة التي يشتغل بها. إنه يصنع الخيال ويغذيه، ويستمد أصالته من تاريخ الفن القديم. إن جذور الحجابات الهوائية مأخوذة من المعمار الصيني القديم، فهي معطى أساسي يزين القصور الملكية ويؤثث صالوناتها وغرفها.
إن الحجاب الهوائي متحرك حيوي أعجب به المصورون ومعدو الديكور والمخرجون والشعراء كذلك. ولم يعد موجة من عمق الشرق الأصفر بل حركة متطورة وأداة تستعمل في كافة المجالات وتحتل جزءا من الديكور العام للمؤسسات والإدارات والفضاءات الخاصة، فنجد الريبرتوار الفني للحجابات مليئا بالأسماء الكبيرة التي سيستضيفها المغرب. إن تاريخ الحجابات الهوائية المديد سيجد صداه بالمعرض الفني في المكتبة الوسائطية بالدار البيضاء قرب مسجد الحسن الثاني وكأن الأقدار شاءت أن تحط روح الصين العريقة بمحاذاة تحفة رهيبة من المعمار المغربي لمسجد الحسن الثاني.
إنه تمازج لحضارات قديمة تصب في معين الحوار الإنساني وللتقارب بين البشر كيفما كانت التوجهات والأفكار والمعتقدات. وهذه الروح الفنية دفعت النقابة المغربية للفنون التشكيلية إلى تنظيم هذه التظاهرة لتكون شاهدة على حوار الفنون بين الحضارات الإنسانية، حيث ستحلق هذه المرة ملائكة الفن- مع اعتذارنا للمخرج المغربي محمد عسلي والذي قال إن الملائكة لا تحلق فوق سماء الدار البيضاء- تحلق فوق سماء البيضاء ومكناس والرباط. ناقد فني