لدينا وزير شاب ظريف يهوى اللعب. ربما اقتناعًا منه بأن الحياة ملعب كبير. ولذلك، تفتقت عبقرية معاليه على تنظيم «معرض دولي للألعاب الإلكترونية» أو ألعاب الفيديو ـ Gaming ـ استدعى له شركات وخبراء في القطاع من داخل المغرب وخارجه، وجرى استنفار مختلف وسائل الإعلام لتغطية فعالياته.
الألعاب الإلكترونية قطاع خاص مئة في المئة. فلماذا تتدخل الحكومة في تمويل تنظيم معرض مكرّس لها، يقوم على البيع والشراء وإنجاز الصفقات؟ وهل يُعقل أن يُخصّص المال العمومي لتُجّار هذه الألعاب وصُنّاعها؟
يُضاف إلى ذلك أن الألعاب الإلكترونية خطاب متعدد الأوجه وذو تأثيرات نفسية وجسدية على الأطفال والفتيان. فهل كان الوزير صاحب فكرة المعرض منتبهًا إلى خطورة تلك الألعاب، بجانب ما يمكن أن تقدّمه من إيجابيات، إن وجدت؟ لاسيما وأن الهيمنة الكبرى في هذا الميدان هي لشركات أمريكية وصينية ويابانية. فأيّ خطاب ستنتجه هذه الشركات؟ وأي صور ستمرّرها للناشئة في بيئات مختلفة ذات خصوصيات ثقافية وهوياتية؟
لكنّ الوزير الشاب يفضّل أن يقدّم لنا بعض التنظير أو «التفلسف»، محاولاً إقناعنا بجدوى تنظيم معرض للألعاب الإلكترونية، إذ كتب في دليل التظاهرة: «اللعب شيء مرتبط بالإنسان. فاللعب في الصغر واللعب في الكبر، واللعب بمفردك واللعب مع الآخرين. اليوم، الفضاء الافتراضي والتكنولوجيا هما اللذان يوسعان نطاق اللعب ويضاعفان عدد اللاعبين»… وبقي لمعاليه أن يقول إن السياسة مجرد لعبة كبرى!
لا مراء في أن المال العمومي تحتاجه باستمرار قطاعات الكتاب والمسرح والموسيقى والتشكيل… أكثر مما تحتاجه الألعاب الإلكترونية، فهذه الأخيرة مكتفية بذاتها انطلاقًا من الأرباح التي تحققها باستمرار.
«الكمبرادورية» تدافع عن مصالحها!
بيد أن الشغل الشاغل للحكومة المغربية هو أن تلعب «مع» الشعب، حتى لا نقول شيئا آخر. وبما أنها حكومة رجال مال وأعمال، فأكبر همّها إرضاء المقاولين الكبار في قطاعات التجارة والصناعة والاستيراد والتصدير، لدرجة أن جشع بعضهم وصل إلى قوت المواطنين وصحتهم، ما أدى إلى ارتفاع مهول وغير مسبوق في أثمان المواد الاستهلاكية، في الوقت الذي تقوّت فيه الطبقة «الكمبرادورية»، بعدما وجدت سندا قويا لها في الحكومة والبرلمان والمجالس المحلية «المنتخبة».
فلا غرابة أن نجد رئيس الحكومة نفسه يدافع عن زملائه أرباب المقاولات، إذ قال بعظمة لسانه، إنه إذا بقي البعض ينتقده حول تمرير مشاريع لبعضهم، فإنه لا أحد سيشتغل في المغرب، باعتبار أنه يعرف ثلثي المُقاولين الكبار!
البعض فسّر المسألة كنوع من التهديد بأن عزيز أخنوش يلوّح بعصا الضغط بواسطة زملائه من المقاولين لإيقاف عجلة الاقتصاد المغربي في مواجهة انتقادات المعارضة والرأي العام. ضمن هذا السياق، كتب المحامي إسحاق شارية، الأمين العام «للحزب المغربي الحر»، تدوينة اعتبر فيها أن «هذا هو الاحتكار بعينه، وهذه هي الجريمة الكبرى في حق المواطن، وهي أن يتعارف رجال الأعمال فيما بينهم ويتفقوا على جيوب المستهلك المسكين، في جو تنعدم فيه المنافسة»، مضيفا أنه «قبل سنوات هدد عزيز أخنوش المغاربة بإعادة التربية، واليوم يقف ليهدد بوقف الاقتصاد الوطني إذا بقينا نعترض على سياساته الاحتكارية».
لكن البعض الآخر ذهب إلى القول إن الرجل «خانه التعبير فقط، إذ قصد بكلامه بأنه يعرف ثلثي رجال الأعمال، وإذا استمر البعض في اتهامه كلما عيّن أحدا منهم في منصب بأنه يشغل معارفه، فلن يشتغل أحد»، حسب استنتاج الصحافي محمد بحسي. فيما أوضح رأي آخر أن الانتقاد ينصب أساسًا على «تضارب المصالح» لدى عزيز أخنوش نفسه، كونه يجمع بين رئاسة الحكومة وإدارة مقاولات كبرى يستفيد بعضها من صفقات عمومية، مثلما ترى المدونة مايسة سلامة الناجي.
موسم الهروب من الأحزاب!
والواقع أن حكومة عزيز أخنوش، رغم الاستنفار الإعلامي الكبير الذي يواكبها «مطبّلاً ومزمّرًا» آناء الليل وأطراف النهار، جعلت صورة الأحزاب المغربية تنزل إلى الحضيض.
الكلام ليس مجرد افتراضات لصاحب هذا المقال، بل إنه نتيجة دراسة ميدانية حديثة كشفت أن غالبية الشباب المغربي لا يرى في الأحزاب السياسية الحالية معبّرًا حقيقيًا عن تطلعاته، فيما أبان أكثر من نصفهم عن انعدام ثقتهم المطلقة في أي حزب سياسي في المملكة المغربية.
صحيفة «الحياة اليومية» كتبت أن هذه النتائج المقلقة وردت ضمن بحث بعنوان «بين التراجع والرهان.. مستقبل التأثير الحزبي في الثقافة السياسية بالمغرب»، نُشر في العدد الجديد من مجلة «الباحث للدراسات والأبحاث العلمية».
المصدر نفسه أضاف أن الدراسة التي أجراها الدكتور عبد الحق حجي، أستاذ القانون العام في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وشملت 300 طالب وطالبة من الجامعة ذاتها، أظهرت أن 78 في المئة منهم «لا يرون في الأحزاب السياسية تعبيرًا فعليًا عن تطلعاتهم». النسبة ذاتها من الطلبة لا تجد في الخطابات الحزبية «تعبيرًا حقيقيًا عن همومها اليومية»، وصرّح 52 في المئة من المستجوبين بانعدام ثقتهم التامة في أي تنظيم حزبي قائم.
وصارت فئات واسعة من المواطنين، خصوصًا الشباب، تتجه نحو قنوات بديلة للفعل والتأثير السياسي، ترتكز على شبكات التواصل والمبادرات المدنية والعمل الميداني غير المؤطر حزبيًا. فقد أبرزت الدراسة أن 66 في المئة من الشباب الجامعي يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للوعي السياسي، مقابل 12 في المئة فقط يتابعون المنابر الحزبية التقليدية.
ما تبقى من حرب غامضة!
طُويت الحرب الإيرانية/ الإسرائيلية التي استغرقت 12 يوما، طيّ السجل للكتاب. وبقيت أسرارها وألغازها عالقة بدون جواب، في انتظار أن تنكشف مستقبلاً أسرار مواجهة عسكرية بدت للناس أشبه ما تكون بفيلم رديء، يديره مخرج مسكون بجنون العالم وبنظرية «الفوضى الخلاقة»!
لكن مشهدا مُفارقًا ظلّ عالقًا بالأذهان، مردّه إلى ما وقع في قناتين تلفزيونيتين، إحداهما إيرانية والثانية إسرائيلية. ففي قناة إيرانية، أظهرت إعلامية. كانت تقدم الأخبار، شجاعة وصمودا نادرين، بعد تعرض مبنى القناة للقصف بواسطة صاروخ إسرائيلي، إذ لم تجزع رغم سماعها دوي الانفجار العنيف، بل غادرت الاستوديو، ثم عادت إليه بعد لحظات وهي متمسكة برباطة جأشها، مؤكدة إصرارها على ممارسة رسالتها الإعلامية في مواجهة محاولة العدو الصهيوني لقمع حرية التعبير ونقل الحقيقة.
في الصورة المقابلة، تداول نشطاء «فيديو» قصيرًا يُظهر فرار إعلامي إسرائيلي وضيوف برنامجه التلفزيوني، عقب سماع صفارات إنذار في تل أبيب. ورغم أن مصادر عدة أوضحت كون المشهد غير حقيقي، مؤكدة أنه مولّد بتقنيات الذكاء الاصطناعي، فإن الرسالة التي حملها هذا الفعل واضحة: إظهار حالة الهلع القصوى التي عمّت المجتمع «الإسرائيلي»، جراء توالي الضربات الصاروخية على تل أبيب. ما أدى إلى حالات نزوح جماعية نحو الملاجئ المحصنة وكذا إلى الهروب عبر قوارب ويخوت نحو مناطق مجاورة كجزيرة قبرص وغيرها.
العبرة في ذلك، أن مخيلة شخص مولع بتقنيات الإنترنت والفيديو تفتّقت على إبداع مشهد يحاكي الحقيقة ويسخر منها، في محاولة للثأر الرمزي من عدو ظالم، وخلق حالة من التنفيس الجماعي لدى شعوب أنهكتها الهزائم القومية منذ قرون!
كاتب من المغرب