تعايش الجموع الثائرة والفردية الخلاقة.. تحولات عميقة

حجم الخط
0

هاني الحورانيكشفت ثورات العالم العربي الأخيرة، وتحديداً في نماذجها البارزة (تونس ومصر واليمن ومؤخراً في ليبيا)، عن تحولات عميقة جدت على بنية المجتمعات العربية وعلى شخصية المواطن العربي، ولاسيما الشباب. ولعل من أبرز ما كشفت عنه هو بروز مظاهر فردانية حميدة وابداعية لدى جماهير الثائرين والمحتشدين في الساحات والميادين العامة، فإلى جانب المشاهد الاستثنائية لمئات الالاف من المواطنين وأحياناً الملايين منهم، التي تظهر أبلغ صور التضامن والتلاحم المجتمعي، كانت أشرطة الفيديو والصور الفوتوغرافية تلتقط مظاهر لافتة عن انبعاث الفردية وتأكيد الهوية الذاتية لكل مشارك في الفسيفساء الهائلة التي تتشكل منها الاعتصامات والمسيرات وغيرها من أشكال التجمع.

من بين تلك المظاهر المميزة للفردانية العربية الجديدة، تلك اليافطات الصغيرة التي يحملها المواطنون ولا سيما الشباب، والتي تعكس كل منها شخصية صاحبها ونظرته الخاصة وأسلوبه المختلف في نقل رسالته. حقاً كانت هناك يافطات ضخمة تحمل شعارات عامة تلخص مطالب المحتجين، ولعل أشهرها: ‘الشعب يريد تغيير النظام’، التي باتت قاسماً مشتركاً بين مختلف الحركات الاحتجاجية في الدول العربية، إلا أن هذه اليافطات الكبيرة والشعارات الموحدة لم تُلغ، ولم تحجب الأنظار عن اليافطات الصغيرة التي يحملها الأفراد، والتي تعبر بلغتهم وبخط أيديهم، عن رؤيتهم الخاصة وأسلوبهم في إيصال الرسالة. رأينا رقاعاً كرتونية أو أوراقا بيضاء بمساحة (A3)، وحتى أصغر، تحمل كلمات قليلة، أو رسوماً كاريكاتورية بدائية أو صوراً للرئيس، وقد أعمل فيها حاملها تغييراً أو أضاف إليها أشكالاً، (مثل شارب هتلر)، وجدنا نكاتاً وعبارات خفيفة الظل تحث ‘الرئيس’ على الرحيل.

لكنها في معظم الأحوال يافطات من ‘صنع منزلي’، وكأن المحتجين لا يريدون أن يذهبوا إلى مكان التجمع والاعتصام بأيدٍ فارغة، لذا فإنهم يعدون ليومهم التالي يافطاتهم الخاصة. رأينا من يرسم على راحتي يديه كلمة ‘إرحل’، أو يغطي وجهه بألوان علم بلده، رأينا خطاطين ورسامين متطوعين لتنفيذ رغبات ‘زبائنهم’ من المتظاهرين، يعدون يافطات تتضمن عبارات محددة يطلبونها، أو رسوماً خاصة يقترحونها. هذا الخليط من الهويات والأمزجة والأساليب أزاحت جانباً الصور النمطية للحركات الاحتجاجية التقليدية، التي تتسم بالتنظيم المركزي واللون السياسي أو الاجتماعي المحدد مسبقاً من الحزب أو النقابة أو الجماعات المنظمة الأخرى. ما أضفى على الاحتجاجات الجماهيرية روحاً ومظهراً فريدين من التنوع، وأشكالاً من التنظيم والتناغم العفوي الذي يصنعه الأفراد الأحرار، وليس التنظيم الحديدي للحزب أو الحركات السياسية الأخرى.

لنقارن مثلاً بين مسيرات الثائرين والمحتجين الأحرار، التي حفلت بالعفوية والتنوع والأصالة، ومسيرات التأييد التي حملت ذات الصورة النمطية ‘للزعيم’، ورددت ذات الهتاف، ما يفضح طابعها المفبرك أو المفتعل.

الفردية العربية الجديدة لم تكن لتظهر، هكذا، دفعة واحدة، لولا سلسلة من التحولات التي مرت بها الشخصية العربية على مدار العقود القلـــيلة الماضية، والتي لعبت العولمة وثورة المعلومات والاتصالات دوراً كبـــيراً في صنعها، حيث سمحت فضاءات الحرية المنتزعة عنوة، خلال الشهرين الأخيرين، من الأنظمة المستبدة بفرصة ظهورها وازدهارها.

كان عالم الاجتماع البريطاني الشهير انتوني غيدنز، وهو من أبرز علماء الاجتماع والسياسة في العالم، من القلة الذين لفتوا الانتباه إلى ‘بزوغ النزعة الفردية’ في المجتمعات المعاصرة، تحت تأثير خاص للعولمة، بل كان هذا العامل، أي ازدهار الفردية، أحد الأسباب التي بررت، بالنسبة له، ضرورة تجديد حزب العمال البريطاني وغيره من الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، من حيث ضرورة التخلي عن ‘اللون الطبقي العمالي’ من الصرف لهذه الأحزاب، والتوجه لتوسيع قاعدتها والفئات المستهدفة، أو المخاطبة من قبل هذه الأحزاب، ليشمل فئات وشرائح أخرى مثل الشباب والنساء وأنصار البيئة وغيرهم. وهو ما دعا إليه غيدنز في كتابه الشهير ‘الطريق الثالث’. يقول غيدنز ان الأفراد في عصرنا باتوا أكثر قدرة على تغيير مسارات وخيارات حياتهم، وبدلاً من التقاليد والعادات التي كانت تمارس تأثيراً قوياً على مسالك الناس وأساليب حياتهم، وبدلاً من اعتبارات الطبقية والنوع الاجتماعي والانتماء الاثني والديني التي كانت تسد المسالك أمام الأفراد وتفتحها أمام آخرين، فقد تصاعدت النزعة الفردية في ظروف العولمة، ما أتاح للناس فرصة الاسهام بدور أكبر في تكوين أنفسهم وبناء هوياتهم الخاصة. ويضيف: ‘لقد أرغمت العولمة الناس على العيش بأساليب أكثر انفراجاً وانفتاحاً، وباتت الخيارات الصغيرة والروتينية التي نقوم بها في حياتنا اليومية، مثل الملابس التي نرتديها وقضاء وقت الفراغ.. تمثل جانباً في العملية المستمرة لتشكيل هوياتنا الشخصية وإعادة تشكيلها’. وكما قلنا مرة، فإن للشعوب العربية خصائصها بالتأكيد، لكنها ليست مستثناة أو مقصاة عن قوانين الحياة والعصر. وها هي الثورات الشعبية الحالية تكشف عن الازدهار والتنوع الذي جد على شخصية المواطنين العرب في ظروف الحرية، فهويتهم كأفراد لم تعد تتحدد وتتشكل في سياق الجماعة أو الفئة الاجتماعية المغلقة، التي يولدون وينشأون فيها، وإنما باتت تتحدد في سياقات وطنية واقليمية وعالمية أكثر رحابة وانفتاحاً.’ مدير مركز الأردن الجديد للدراسات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية