تعب «الصياد» فأحرق «الشبكة» وأطفأ «الأنوار» ومضى!

حجم الخط
48

بكثير من الأسف تلقيت نبأ إغلاق «دار الصياد» وتوقف مطبوعاتها عن الصدور: «الأنوار» و«الشبكة» وسواهما..
أحزنني ذلك على الصعيدين العام والخاص. أبدأ بما ليس شخصياً: هذا الإغلاق لبعض الصحف والمجلات التي كانت منارات حضارية أبجدية لبنانية، أهذا جزء من روح العصر وطغيان (الإنترنت) أم أنه جزء من ظاهرة محاولة اغتيال لبنان، عاصمة حرية القول العربية، التي تتجلى في صحفه ومجلاته الحرية الفكرية ـ بترول لبنان؟!

المبدع يوسف إدريس والصحافة اللبنانية

ثمة مشهد لم أنسه.. إنه مشهد الأديب المصري الكبير يوسف إدريس مختبئاً تحت سريره في الفندق لقراءة الصحف اللبنانية (كما قال لنا).
يومها مررنا، زوجي وأنا، إلى فندقه في آخر «شارع بلس» لجهة البحر، وتأخر في الهبوط من غرفته على غير عادته في احترام مواعيده مع زوجي ومعي. وحين ركب معنا في السيارة التي توجهتُ بها نحو مطعم يطل على بحر بيروت قال د. يوسف إدريس معتذراً وضاحكاً وساخراً من القمع بذكاء: ذهبت هذا الصباح الباكر إلى مكتبة (العم سميح) ـ (مكتبة كانت في «شارع بلس» الذي يقع فيه المدخل للجامعة الأمريكية)، واشتريت الصحف اللبنانية كلها وذهلت للحرية في القول التي تتمتع بها والتي لم آلفها، حتى أنني اختبأت تحت سريري خوفاً لقراءتها، فأنا لم أعتد هذا المقدار من حرية القول!
وانفجرنا ضحكاً، زوجي وأنا (وشر البلية ما يضحك)، فقد كان إدريس يشير إلى مدى حرية القول التي (كانت) تتمتع بها الصحافة اللبنانية قياساً إلى سواها في عالمنا العربي.
تذكرت ذلك كله وتساءلت: ترى هل كان الموت التدريجي للصحافة اللبنانية المطبوعة أمراً (مطلوباً) ولم يعد وطننا العربي اليوم يطيق حرية كهذه في ظل تبدلات إقليمية (عالمية)؟
أم أن ما يدور مجرد انعكاس عادي لتبدل الأمور مع الزمن واحتضار الصحافة المكتوبة مع جيل الإنترنت؟

الموت التدريجي لـ«الأنوار» القديمة؟

قبلها أحزنني توقف جريدة «السفير» عن الصدور، وكانت جريدة «السفير» تصل إلى باريس حيث أقيم منذ عقود (دون أن يقطع قلبي صلته مع ينابيع الماضي)، وكنت أطالعها باستمرار كأنني في بيروت. بل كان في وسعنا شراء الصحف اللبنانية كلها في باريس، ومنذ أعوام اتصلت بزميلي وأخي العزيز الراحل مدير تحرير «الحوادث»، حافظ محفوظ، بعد وفاة صاحبها نقيب المحررين السابق ملحم كرم بعام، وقلت له: ما رأيك في أن نصدر عدداً خاصاً عن ملحم كرم في ذكراه السنوية الأولى؟ قال لي حافظ يومها حرفياً: كم أنت متفائلة. العدد المقبل لن يصدر، فقد قرر أبناء ملحم كرم التوقف عن الصدور! وتمنيت لو أصدروا عدداً واحداً أخيراً في الذكرى الأولى لرحيل والدهم، لكن الزمن علمني احترام ظروف الآخرين غير المعلنة وعدم محاكمتهم.
وهكذا توقفت أيضاً جريدة «البيرق»، وهي من صحف (إمبراطورية) ملحم كرم الصحافية، ومجلة بالإنكليزية (مانداي مورننغ)، وأخرى بالفرنسية (لاريفو دو ليبان)، إلى جانب «الحوادث».

دار الصياد والوفاء لسعيد فريحة

تقضي الأمانة الاعتراف بأن أبناء سعيد فريحة الصياد الكبير الأول أوفوا طويلاً لوالدهم، وقاموا بصفتهم ورثة لـ«الأنوار» و«الصياد» و«الشبكة» بتنميتها وزيادة إشعاع (الأنوار) فيها، وكنت أستمتع بإعادة نشرهم مقالات والدهم المبدع فيها حتى بعد رحيله بأعوام طويلة.
على الصعيد الشخصي فإن «دار الصياد» تعني لي الكثـير، فقد كنت أقود سيارتي من دمشق إلى بيروت التي كنت أجهل شوارعها، وكنت أوقف سيارتي في فسحة ترابية مقابل المبنى لدار الصياد ثم استقل التاكسي، ومرة جاءت صحافية اسمها سليمى قميرة واصطحبتني بسيارتها إلى جريدة «كل شيء» المتوقفة عن الصدور منذ زمن، حيث التقيت صاحبها الأستاذ بديع سربيه، وحاورني، وكان كتابي الأول قد صدر للتو «عيناك قدري»، وبعدها أوصلتني سليمى قميرة إلى «دار الآداب» في «الخندق الغميق» حيث كنت التقي عايدة وسهيل إدريس ناشري الأول، ثم أمر برياض طه صاحب «جريدة الكفاح ومجلة الأحد» وكلها توقفت عن الصدور. ولكن كانت دار الصياد محطتي الأولى، وكنت أحياناً أزور صاحب جريدة الجمهورية يومئذ، هنري سجيع الأسمر، وقبلها أزور الأستاذ سعيد فريحة صديق والدي، لشرب القهوة معه قبل أن أنطلق لزيارة سميرة عزام في مؤسسة فرانكلين (المغلقة من زمان) وكان يعمل فيها د. إحسان عباس، ود. يوسف نجم، ثم أمضي إلى الجامعة الأمريكية لأكمل أوراق انتسابي إليها، ومن بعدُ أقود سيارتي (السكند هاند) الصغيرة الزرقاء الرينو وأعود إلى دمشق ليلاً، بعد زيارة إلى صحف ماتت اليوم.

الشهيد غسان كنفاني ليس راضياً!

أعتقد أن موت أي جريدة صادقة الأخبار أو دار صحافية حرة يسبب الكثير من الأسف حتى للقارئ العربي الشاب المحايد، أما الذين امتزجت أعمارهم بالصحافة اللبنانية فقد تكون أليمة. أتذكر الآن مثلاً أن الشهيد المبدع غسان كنفاني كان رئيساً لتحرير ملحق «الأنوار» التي توقفت، ويكتب أسبوعياً باسم مستعار هو (فارس فارس)، وأن معظم تلك الكتابات لم يصدر بعد في كتاب، وما زلت أكرر التمني على «مؤسسة غسان كنفاني» نشر كل ما كتبه في «الأنوار» وسواها دونما انتقائية.
نعم! من بين ما كتبه غسان «رسائل حب»، ولكن كل شيء حي سيمضي ولن تبقى إلا أبجدية غسان التي يجب حفظها من الضياع، وتحديداً الآن بعد إطفاء أضواء «الأنوار».
وأتمنى أن يحمي الله ما تبقى من صحف لبنانية تجسد الحرية الفكرية أياً كانت (اتجاهاتها) فالحرية هي أيضاً حرية الاختلاف.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية