تعددت الأدوار والفنان واحد.. كمال الشناوي رجل بمائة قناع!

حجم الخط
0

النجم الذي لم يفقد بريقه حتى الموتالقاهرة ‘القدس العربي’ – من كمال القاضي: المقارنة بين نجم وفنانين على مستوى واحد من الكفاءة الفنية أمر جد صعب ومسألة تستوجب الدقة في رصد الفوارق الدقيقة بين فنان وآخر, ونحن إذ نقارن بين الفنان الراحل كمال الشناوي ومن هم في مستواه ونجوميته إنما نستهدف إنصافه دون التقليل من حجم الآخرين وأهميتهم.

ما يميز الشناوي في رحلته الفنية التي تجاوزت نصف قرن هو ذلك الذكاء الفطري في اختيار أدواره تبعاً لكل مرحلة واعترافه بأن لكل زمن فرسانه وعدم تشبثه بالبطولة المطلقة أو الأدوار الرومانسية التي كان يقدمها في فترة شبابه, وربما هذه الفطنة هي ما جعلته ظل مستمرا في العطاء الى السنوات الأخيرة من حياته فلم يتوقف عن العمل إلا في فترات مرضه الثقيل وإشرافه على الموت, حينئذ فقط لزم الفنان البيت والفراش ليستريح من شقاء المشوار الطويل, قدم الفنان القدير أنماطاً متعددة بدأها بالشاب الفهلوي خفيف الظل الحبوب وتدرج الى ان أصبح منوطا به تقديم أعمال تناسب سنه ومرحلته الجديدة وهو في كل الحالات محافظا على بريقه وحضوره وجماهيريته فقد آثر البقاء تحت الأضواء وتعامل مع كل زمن بآلياته, ففي فيلم مثل الإرهاب والكباب قبل بأن يلعب الدور الثاني بعد عادل إمام معتمدا في إثبات ذاته على الإجادة لا على أسبقية الاسم على الشاشة ولم يعتبر ما فعله تنازلا وحدث ان كرر نفس الشيء مع نادية الجندي التي كانت دائما تحتل الصدارة في أفيشات الدعاية وعلى التتراتو بينما يأتي هو في المركز الثاني مكتفيا بلقب الممثل القدير كتعويض مناسب عن وجوده كبطل ثاني, وفي محاولة لإحداث التوازن رضخ كمال الشناوي لشروط السوق وقام بأدوار البطولة في أفلام تجارية لكي يثبت لنفسه ان فرص البطولة المطلقة لازالت قائمة وممكنة وهذه النوعية من الأفلام اتسمت بقلة الانتاج ولم يحصل منها على أجر يناسبه ويناسب تاريخه وهذه هي التضحية التي كان الشناوي يقدمها ليظل متواجدا على الشاشة السينمائية كبطل, وتعد مرحلة خريف العمر أو حتى منتصفه محنة حقيقية يواجهها عادة الفنان المصري الذي يرتبط تألقه بعمر افتراضي عشرين عاما أو أقل أو اكثر بعدها يتحول مساره ويضطر الى تقديم تنازلات ويمثل هذا القانون في الوسط الفني تاريخا مرحليا جديدا لكل فنان يولي شبابه وينتهي عصره, والناجون من هذا القانون نجوم قلائل يعدون على أصابع اليد الواحدة منهم بالقطع كمال الشناوي إذ لا يمكن اعتباره واحدا من الذين طبق عليهم قانون خيل الحكومة فانتهت مسيرتهم بمجرد بلوغهم سن المعاش كما حدث لآخرين فالفنان الكبير ظل كبيرا طوال مدة تواجده في البلاتوهات وهو قريب في ذلك من فريد شوقي الذي حافظ على تماسكه ونجوميته الى يوم رحيله وأيضا صلاح ذو الفقار وصلاح قابيل وعادل أدهم وأمينة رزق ويوسف وهبي وحمدي غيث وصلاح نظمي وأحمد مظهر وصلاح منصور ومحمود المليجي ويحيي شاهين ومحمد رضا, الى آخر الأسماء الكبيرة التي لم ينل منها الزمن وواصلت رسالتها الفنية بتميز واقتدار وتنوع أدائهم حسب نوعيات أدوارهم ومراحلهم, رشدي أباظة نفسه لعب دور الأب بعد انفراده بدور الدونجوان لعهد كامل من عهود السينما المصرية دون أن يتأثر سلبا أو يصاب باكتئاب اللهم فترة مرضه الشديد هي التي أدت به الى الانزواء والامتناع عن الظهور.

لعب الفنان القدير الراحل كمال الشناوي أدوارا عديدة ربما كانت اكثر ثراءا في قيمتها ومضمونها إبان تخليه عن أدوار الفتى الأول فقد جسد دور البلطجي والسمار والنصاب والفلاح والعامل وهي نوعيات لم يكن باستطاعته القيام بها في شبابه لكونه انحصر في خانة ضيقة رأى المنتجون والمخرجون استثمار قدراته وشكله فيها وهذا كان في مطلع شبابه كما أشرنا من قبل, وفي تقديري أن الفرصة الذهبية جاءت له بعد وصوله الى مرحلة النضج وما بعدها لأنه كان قد تحرر من الأدوار النمطية وبات متمرساً على أداء كل الشخصيات وهذه ميزة لم تتوافر في الكثير من النجوم فهو بحكم احتكاكه المبكر بالسينما والسينمائيين أدرك من خلال النماذج التي عاصرها ورآها تتوارى وتختفي ان التمسك بدور البطل الرومانسي العاطفي يمكن أن يؤدي به الى الاعتزال مبكرا لو انه اصر عليه وكثيرا من الكوارث حدثت لفنانين ونجوم كانوا ملء السمع والأبصال ثم آل مصيرهم الى الإفلاس الفني وتسول الأدوار لأنهم ظلوا رهناء دور واحد فقط سواء رومانسي أو كوميدي.

ولعل حياة إسماعيل يس ومآساته في آخر العمر دليلا صارخا على ما يمكن أن يجنيه الفنان على نفسه ومستقبله بإصراره على تحدي الزمن ورفضه أن يكون شيئا مختلفا عن الذي كان عليه أيام مجده وعزوته فقد وصلا لحال بأكبر نجوم الكوميديا الى العودة مرة أخرى للعمل بالفرق المسرحية بروض الفرج بعد غروب شمسه في السينما, وايضا انور وجدي لم تسمح له إمكانياته وقدراته الفنية بتقديم الجديد في زمن غير زمانه فلقي نفس المصير وراح ضحية المرض والحسرة ولم يبقى فنه إلا تراثه القديم.

هذه نماذج لم يتشابه معها كمال الشناوي الفنان الكيس الفطن الذكي الموهوب المائل بطبيعته الى البساطة والهدوء.

قبل أن ننهي كلامنا عن محاسنه الفنية لابد أن نذكر انه قدم دور الجد في واحد من المسلسلات التليفزيونية وكان لا يزال في كامل لياقته الصحية, ‘هند والدكتور نعمان’ دور مهم وعلامة في تاريخ الشناوي وعلاقته الحميمة بالأطفال, حيث أعطى من خلاله دروساً في فن التعامل السليم مع الطفل المشاغب أو بالأحرى الطفلة المشاغبة التي هبطت عليه من السماء فحولت حياته الهادئة الى صخب وضجيج الدروس المستفادة من النجم الراحل كثيرة ومتعددة المهم أن تجد من يعيها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية