بغداد ـ «القدس العربي»: لم تكتفِ وزارة الداخلية العراقية، بعزل قائد قوات فرض القانون، يعرف محلّياً بمكافحة الشغب، اللواء سعد خلف، على خلفية حادثة الفيديو المسرّب لتعذيب أفراد تلك القوة، لأحد المتظاهرين (16 عاماً) بصورة مهيّنة، بتهمة إلقاء زجاجات المولوتوف على قوات الأمن إبان التظاهرات في محيط ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد، بل ألقت القبض على عددٍ من المتهمين بالضلوع في الحادث، وسط تفاعلٍ شعبي كبير.
وتناقل الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، مقطع الفيديو الذي يُظهر التعذيب الجسدي الوحشي، الذي تعرض له الفتى، بالإضافة إلى سيل الكلام الجارح والخادش للحياة الذي طاله ووالدته ووالده المتوفي.
واعتبر الناشطون ظهور المتظاهر في الفيديو عارياً بفعل أجهزة الأمن، أنه ليس «عيباً»، فيما عدّوا الكلمات البذيئة بحق والدته أنها «وسام شرف» لها، مطالبين بمحاسبة الجناة.
وتضامناً مع الفتى المُعنّف، استنكر متظاهرو ساحة الحبّوبي في محافظة ذي قار، اعتداء قوة من حفظ القانون على أحد المتظاهرين، وإهانته، وسبه مع عائلته.
وقال المتظاهرون في بيان: «نرفض ونستنكر العمل المنحط اللاأخلاقي، الذي قامت به شرذمة من قوات حفظ القانون، بحق أحد المتظاهرين حيث قامت بتعذيبه والتشهير به دونما إنسانية أو شرف، وعلى الحكومة محاسبة المنتسبين فوراً وإلا فهي شريكة بهذا العمل الخسيس». على حدّ البيان.
وأمس الأحد، أصدرت وزارة الداخلية، بياناً كشفت فيه ملابسات حادثة الاعتداء على الشخص الذي ظهر في مقطع الفيديو، مؤكدةً التعرف على هوية مرتكبي الفعل الذي وصفته بـ»الإجرامي»، والمباشرة بإجراءات إلقاء القبض عليهم، فيما أشارت إلى أن القائد العام للقوات المسلحة مصطفى الكاظمي وجه بإحالة قائد قوات حفظ القانون إلى الأمرة وإعادة النظر بهذا التشكيل.
وأضافت إن «تنفيذا لتوجيهات رئيس مجلس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة الذي أمر بتحقيق فوري ودقيق ومتابعة شخصية لوزير الداخلية تمت المباشرة من قبل وزارة الداخلية بالتحقيقات الخاصة بحادثة الاعتداء على أحد الأشخاص من قبل مجموعة لمنسوبي قيادة قوات حفظ القانون».
وزادت: «بعد التحقيقات الأولية وجمع المعلومات والمعطيات توصلت اللجنة التحقيقية للحقائق التالية، تبين أن الشخص الذي ظهر في الفيديو ووقع عليه الاعتداء موقوف لدى مديرية مكافحة إجرام بغداد وفق أحكام المادة 446 ق . ع بتاريخ 18/ 5/ 2020 لسرقته دراجة نارية وفق قرار قاضي تحقيق محكمة الرصافة، وان حادث الاعتداء عليه من قبل منتسبي حفظ القانون تم قبل حوالي 20 يوما من تاريخ توقيفه».
وأشارت إلى «تدوين أقوال المشتكي (المجني عليه ـ الحدث ) الذي طالب بالشكوى وتوجيه الاتهام ضد من قام بهذا الفعل الشنيع غير الأخلاقي وغير المهني»، متابعةً أن «تم التعرف على هوية مرتكبي هذا الفعل الإجرامي، وباشرت فرق العمل بإجراءات إلقاء القبض عليهم واحتجازهم لاستكمال التحقيق معهم واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإنجاز التحقيق بأتم صورة وعرض النتائج أمام القائد العام للقوات المسلحة».
وتابعت، أنه «لثبوت وجود تقصير في القيادة والسيطرة من قبل قائد قوات حفظ القانون وجه القائد العام للقوات المسلحة بإحالة قائد قوات حفظ القانون إلى الإمرة وإعادة النظر بهذا التشكيل الذي من المفترض أنه تم استحداثه لتعزيز سيادة القانون وحفظ الكرامة الإنسانية ومحاربة كل المظاهر غير القانونية وأن يكون مظلة يحتمي تحت ظلها أبناء شعبنا الكريم من خلال اختيار العناصر القادرين على تنفيذ هذه الأهداف، لا أن يكون هو نفسه أداة خرق للقانون والاعتداء على المواطنين بالصورة البشعة التي لا تمت لتاريخ قواتنا الأمنية المشرف بصلة وتسيء لدماء شهدائنا وجرحانا الذين بذلوا دمائهم رخيصة في سبيل امن واستقرار المواطن العراقي الكريم».
اعتقال الفاعلين
وفي تطورٍ لاحق، أعلنت وزارة الداخلية، اعتقال «الفاعلين الرئيسيين» في فيديو تعذيب الصبي بشكل «غير أخلاقي».
وقال مدير دائرة العلاقات والإعلام في الوزارة، اللواء سعد معن، في تصريح للوكالة الرسمية، أمس، إن «الفاعلين الرئيسيين الذين ظهروا في مقطع فيديو وهم يقومون بتعذيب أحد المواطنين قد اعتقلوا، وما تزال الجهود مستمرة لإلقاء القبض على المتورطين الآخرين».
وأضاف، أن « العناصر التي ارتكبت هذا الفعل الإجرامي سيتم محاسبتهم وفق القوانين النافذة سواء قانون العقوبات أو من خلال قانون الخدمة والتقاعد لقوى الأمن الداخلي». وتعليقاً على موقف وزارة الداخلية من الحادث، طالبت «المفوضية العليا لحقوق الإنسان» في العراق، بـ»القصاص العادل» بحق الجناة في قضية «الطفل».
وقال عضو المفوضية، علي البياتي، في «تغريدة» له، إن «سرعة استجابة وزارة الداخلية والتحقيق وإعلان نتائج التحقيق في حادثة الاعتداء المهين على الشاب من قبل قوات حفظ النظام مؤشر إيجابي في سجل الوزارة المهني».
لجنة برلمانية تطلب إقالة الضباط المسؤولين عن ساحات التظاهر وتلوح باستجواب الوزراء الأمنيين
البياتي أضاف أن «ننتظر تطبيق القصاص العادل بحق الجناة وإنصاف الضحية ماديا ومعنويا».
وسبق للمفوضية أن اعتبرت الحادث «إنتهاكا صارخا « للحقوق الدستورية، و»إهانة» المتظاهرين.
وجاء في بيان لها أن المفوضية تعرب عن استهجانها لتصرفات القوات الأمنية وفي مقدمتها قوات حفظ القانون بالتمادي في انتهاك حقوق المواطن العراقي وإمعانها في استخدام العنف اللفظي والتعذيب الجسدي المهين الذي يحط من كرامة المتظاهرين السلميين المطالبين بالحقوق.
وأكدت المفوضية في بيانها أن الكثير من التصرفات المسيئة رصدتها فرقها الرصدية في العديد من ساحات التظاهر، وتم ابلاغ الحكومة العراقية واجهزتها التنفيذية وقواتها الامنية بضرورة إلزام منتسبيهم بعدم التمادي في انتهاك حقوق المتظاهرين والالتزام بالمعايير الدولية لفض التظاهرات واحترام كرامتهم واعتماد آليات الاشتباك الآمن الذي يضمن حياة المتظاهرين والقوات الامنية على حد سواء.
ورأت أن تجاهل قيادة التشكيلات الأمنية «لتوصياتنا» شجعت منتسبيها على الإساءة للمواطن وانتهاك حقوقه والحط من كرامته وهي بحد ذاتها جريمة يعاقب عليها القانون .
تسويف
وطالبت المفوضية، رئيس الوزراء ووزير الداخلية بعدم التسويف والمماطلة وتحمل المسؤولية بالكشف عن «منتسبيها المنتهكين لحق التظاهر وكرامة المواطن» وتقديمهم للقضاء لانتهاكهم حقوق الإنسان الدستورية، وانتزاع الاعترافات بالإكراه «خلافا للاتفاقية الدولية» لمناهضة التعذيب المصادق عليها من قبل العراق .
كذلك، طالبت لجنة حقوق الإنسان النيابية، الكاظمي، بإقالة الضباط المسؤولين عن ساحات التظاهر التي شهدت اعتداءات على المتظاهرين وكذلك إحالة العناصر الأمنية التي اعتدت على المتظاهرين إلى القضاء.
وشددت عضو اللجنة يسرى رجب، في بيان على أن «لجنة حقوق الإنسان النيابية سيكون لها موقفا باستجواب الوزراء الامنيين ومساءلتهم عن حدوث هذه الاعتداءات دون اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع حدوثها».
وأشارت إلى أن «ما جرى من اعتداءات مهينة لكرامة الإنسان ويندى لها جبين الإنسانية على متظاهرين سلميين يشكل انتهاكا صارخا للدستور الذي كفل حقوق الإنسان في العراق وضمن حرية وحق التظاهر السلمي»، مشددة على أن «ذلك يستدعي مراجعة وإعادة تأهيل القوات الامنية وفق مبادئ حقوق الإنسان وضرورة احترامها لكونها مخالفة صريحة للدستور وانتهاكا للقانون ووثيقة حقوق الإنسان في العراق ويتوجب محاسبة المعتدين والمقصرين من أجل منع أية انتهاكات جديدة».
وأوضحت أن «هناك اعتداءات لفظية بالسب والشتم والمس بشرف المتظاهرين مما يشكل إهانة للمرأة العراقية بشكل عام وهذا يؤكد أن من أمن العقوبة أساء الأدب».
وطالبت النائبة، رئيس الوزراء بـ»الضرب بيد من حديد ضد كل من يقوم بانتهاك حقوق الإنسان في البلاد وجعله عبرة لمن اعتبر من أجل بدء مرحلة جديدة من ضمان حياة كريمة تصان فيها حقوق الإنسان وكرامة الشعب العراقي الذي يتعرض مع الأسف لانتهاكات من عناصر محسوبة على القوات العراقية»، منبهة على «ضرورة إعادة تأهيل الأجهزة الأمنية والتعامل مع المسيئين وفق المحاكم العسكرية والأمنية واختيار العناصر الجيدة وخصوصا القوات المكلفة بحماية ساحات التظاهرات».
ودعت رجب «وزيري الداخلية والدفاع إلى إعداد دورات تدريبية لقواتها وتثقيفهم بمبادئ حقوق الإنسان لا سيما أن العراق يقع على عاتقه التزامات دولية بهذا الشأن من أجل محاسبة المتجاوزين وبناء قوات مهنية للحد من الاعتداءات التي شهدها العراق من قبل عناصر أمنية تلطخت ايديها بدماء وكرامة المواطنين العراقيين».