التصريحات التي سمعت من سياسيين في إسرائيل بعد عيد يوم الغفران رداً على العملية الإرهابية في هانا بألمانيا، لا تمت للواقع بصلة. تصريح رئيس الكنيست، يولي ادلشتاين، كان مثالاً بارزاً على ذلك: “في ألمانيا لا يوجد احتلال، واليهود ما زالوا يقتلون هناك في كنيس يوم الغفران”. وكأن اليهود هم الهدف الوحيد، وكل حادثة تقاس من زاوية سياسية – إسرائيلية.
يهود في كنيس بألمانيا في يوم الغفران كانوا الهدف الأول للمهاجم. ولكن عندما فشل في اقتحام الكنيس أطلق النار وقتل عدداً كبيراً من المارة في الشارع، وبعد ذلك قتل شخصاً في مطعم شاورما (بالنسبة لكثيرين، هو رمز الوجود الإسلامي في أوروبا) في شارع قريب من الكنيس.
“النسوية هي السبب في انخفاض معدل الولادة في الغرب، التي تستخدم كذريعة للهجرة الجماعية، وفي أساس كل هذه المشكلات ثمة يهود”، قال المهاجم في الفيلم القصير الذي سجله. كان هذا هجوماً لاسامياً، لكنه أيضاً هجوم وجه للقيم الليبرالية وضد المهاجرين الذين يعتبرون بالنسبة لليمين المتطرف مؤيدين لليهود.
في موجة العمليات بين الأعوام 2012 – 2015 التي قتل فيها يهود في طولوز وباريس وبروكسيل وكوبنهاغن، كان المهاجمون إرهابيين مسلمين. اليهود لم يكونوا الهدف الوحيد: رسامو كاريكاتير استخفوا بالنبي محمد، ونقاد مسرح ورجال أمن وزبائن ومسافرون في المواصلات العامة قتلوا هم أيضاً.
جزء من حل موجة الإرهاب تلك كان حراسة مشددة حول الكنس ومباني الجالية اليهودية التي تحولت إلى حصون صغيرة، ونشاطات استخبارية متعددة الجنسيات من أجل العثور على وتصفية خلايا داعش والقاعدة التي نفذت العمليات الأكبر أو ساعدت في تسليح منفذي العمليات. كانت حاجة لإعادة تنظيم أجهزة الأمن، ومد الحدود القانونية للتنصت والاعتقال بدون محاكمة وتبادل المعلومات الاستخبارية بين دول كثيرة. وقد هذا ساعد. ما زالت هناك عمليات ينفذها مسلمون تحدث بين الفينة والأخرى، بشكل عام ينفذها أشخاص أفراد، لكن الموجة مرت.
وكما تبين أمس، فإن وسائل الحماية في الكنس يمكن أن تنقذ الحياة. عندما لم ينجح المهاجم من الدخول بسلاحه إلى المبنى، اضطر إلى الهرب فقتل أشخاصاً في الطريق، الذين كما يبدو، ليسوا من الجالية اليهودية. مع ذلك، استعداد الاستخبارات الغربية إزاء الإرهاب النازي الجديد لليمين المتطرف يختلف تماماً عن الاستعداد المطلوب أمام مخربين مسلمين. الحديث لا يدور عن خلايا إرهابية منظمة أو شبه منظمة، بل عن أيديولوجيا ليست من النوع الذي يمكن وقفه عند حدود الدولة أو حتى حدود القارة. هذه ليست أوروبا فحسب. فالأقوال التي قالها القاتل في هانا تتناسب تماماً وتصريحات المهاجم الذي قتل 11 مصلياً يهودياً في كنيس بتسبورغ في أمريكا قبل سنة تقريباً، ومع تصريحات الشخص الذي نفذ المذبحة في المسجدين في نيوزيلاندا التي قتل فيها 51 مصلياً مسلماً. هؤلاء المهاجمون يعملون حسب نظرية “الاستبدال الكبير”، وهي نظرية عنصرية عالمية تعتبر الانفتاح الليبرالي للمهاجرين وحقوق النساء والمثليين تهديداً على وجود العرق الآخر. هذه صيغة جديدة لنظرية “العرق النازي” التي عبر عنها هتلر في كتابه “كفاحي”، الذي اعتبر اليهود أبناء عرق متدن وخطير، وجلبوا للعالم بشرى الحريات وحقوق الإنسان.
من أجل تنفيذ عملية على خلفية النازية الجديدة، لا يحتاج الأمر إلى خلية إرهابية. المنفذون شباب بيض غاضبون ومليئون بمشاعر الاضطهاد، من أبناء المكان الذين حصلوا على الإلهام من مواقع عنصرية في الإنترنت، ومن سياسيين “رسميين” من المؤسسة الرسمية، من الرئيس ترامب وما دون ذلك، والذين يعظون بأن المهاجرين الأجانب قاموا بغزو بلادهم وسرقوا مصادر رزقهم. فهم ليسوا بحاجة إلى المساعدة، لا سيما عندما لا يكون لديهم سلاح، إنما يحتاجون الإلهام وأهدافاً جاهزة. قد يكون الهدف في الوقت نفسه من اليهود والمسلمين والنساء والمثليين أو أي أقلية أو مهاجرين.
الأمر الذي يسارع السياسيون في إسرائيل للرد عليه وغير مستعدين لقبوله هو اعتبار الانفتاح وتقبل الآخر وتقبل المهاجرين والأقليات شأناً في كل أرجاء العالم باستثناء إسرائيل، كل ذلك يعتبر قيماً يهودية واضحة إلى درجة أن هذا الأمر يبرر قتل المصلين في كنيس في عيد يوم الغفران.
بقلم: انشل بابر
هآرتس 10/10/2019