عند انتهاء الزيارة الأخيرة للمعتقلين الأربعة من احتجاج قيسارية، تقدمت لمحادثة جيدة وإيجابية مع الضباط الكبار في المعتقل. لم أقدر بأن المعتقلين الأربعة في تلك الدقائق يتعرضون إلى تفتيش مهين وعنيف، يضاف إلى إساءة أخرى في ظروف اعتقالهم، مثل منع المكالمات الهاتفية مع أبناء العائلة.
وصل موضوع التفتيش إلى أذني عندما التقى المحامون مع المعتقلين في المحكمة الأحد الماضي، لأن طلب المحامين زيارة المعتقلين في السجن قبل الجلسة لعرض مواد التحقيق عليهم، رفضته مصلحة السجون.
عندما نشر موضوع التفتيش المهين والاستثنائي، سارعت مصلحة السجون إلى نشر بيان يقول بأن الأمر يتعلق بتفتيش روتيني أجري بشكل مواز في عدة أماكن في المعتقل. باستثناء علامات الاستفهام حول الصدفة “المفاجئة” التي لاقى فيها هؤلاء المعتقلون الأربعة مصيرهم مباشرة بعد زيارة أحد أعضاء الكنيست لهم، هناك سبب آخر لرفض الرواية الرسمية.
قبل بضع ساعات على جلسة المحكمة التي كشف فيها موضوع التفتيش، حظي أربعة معتقلين آخرين من الاحتجاج في القدس بتفتيش مهين مشابه في المرحلة الأولى لاعتقالهم في مركز الشرطة. أحدهم أمير هيسكل، من قادة الاحتجاج، الذي اعتقل أثناء ذهابه إلى سيارته عند انتهاء المظاهرة. لم يشكل هيسكل أي خطر، ولم يشوش على النظام العام. مع ذلك، أصرت شرطة القدس على اعتقاله بعد رفضه التوقيع على شروط مقيدة. ومثلما حدث من قبل، أطلقت المحكمة سراحه في اليوم التالي بدون شرط، وأجلت هيئة قضاء أخرى استئناف الشرطة على إطلاق سراحه، لكن صدمة الاعتقال العبثي العنيف والتفتيش الكامل والمهين بقيت ترافقه.
خيط رابط واضح يمر بين التفتيش الكامل لمعتقلي قيسارية والتفتيش الكامل لمعتقلي الاحتجاج في القدس، وهو يؤدي إلى محاولة تخويف الاحتجاج الديمقراطي وجباية الثمن من قادته. عندما تتلخص روح الوزير المسؤول بـ “سأرقّي من ينشر ضده مقالاً في صحيفة هآرتس”، علينا ألا نتفاجأ حينها. بعد سلسلة الدلائل التي تشير إلى سقوط الشرطة، جاء دور مصلحة السجون.
مع ذلك، مهم التذكر بأن للنيابة العامة ظهوراً أيضاً إزاء قضية المعتقلين من احتجاج قيسارية، إلى جانب الشرطة ومصلحة السجون. القرار الذي نسب للمعتقلين بدوافع إرهابية، هو الذي يؤدي إلى إبقائهم في المعتقل واعتبارهم سجناء أمنيين. هناك شك كبير إذا كان هذا القرار ارتكز إلى موقف مهني لـ “الشاباك”، الذي حقق مع المعتقلين في الأيام الأولى من التحقيق. كل الدلائل تشير إلى أن موقف “الشاباك” معاكس كلياً.
قرار النيابة العامة هذا يحول محاكمة المعتقلين الأربعة إلى انعطافة حقيقية. نسب دافع الإرهاب للمخالفات الموجودة في لائحة الاتهام، يؤكد التخوفات الكبيرة التي كانت لأعضاء كنيست من اليسار واليمين، ومن التعريف الواسع في القانون لمفهوم “الإرهاب”. خلال سنوات، حرصت سلطات القانون على تفسير دقيق ومركز لهذا المفهوم. انقلب هذا التوجه 180 درجة في لائحة الاتهام للمعتقلين الأربعة، وخطر التدهور إلى المنحدر حقيقي وملموس.
بعد أشهر كثيرة كان واضحاً فيها أن شرطة إسرائيل تمحو عن قصد الحدود بين الاحتجاج الديمقراطي المسموح والنشاط الذي يضر بأمن الدولة، وتعمل على تقويض أنظمة الشرطة بوضع حرس الحدود وقوات الوحدة التكتيكية أمام المتظاهرين وعمليات أخرى- انضمت النيابة العامة إلى طمس الخط الفاصل. هذه الأفعال التي نفذت قرب منزل رئيس الحكومة الخاص خففت بالطبع على النيابة العامة، لكن من ناحية المنطق القانوني الموجود في لائحة الاتهام، قد ينطبق هذا أيضاً على نشاطات الاحتجاج التي تشوش النظام العام في أي مكان. من يعتقد أن نسب دافع الإرهاب لعمل الاحتجاج تشوش أو تجاوز الخطوط الحمراء أو أنه سيبقى أمراً استثنائياً يحدث لمرة واحدة، سيستيقظ يوماً ما على واقع مختلف كلياً ومزعج جداً.
هذا الفهم مطلوب ليس فقط من جهاز إنفاذ القانون الذي يجب عليه فحص لائحة الاتهام من جديد، بل هو مطلوب أيضاً، ربما في المقام الأول، من جميع زعماء المعارضة. سارع الكثيرون منهم إلى إدانة إطلاق المفرقعات قرب منزل رئيس الحكومة بكلمات حادة جداً حتى قبل معرفة التفاصيل، ولم يتردد البعض منهم في الانضمام إلى الحملة الكاذبة التي حاولت مقارنتها بعمل متعمد وصريح لتعريض حياة رئيس الحكومة للخطر. بعد مرور شهر على الحادثة، بعد أن أصبحت تفاصيلها معروفة وأصبح موقف “الشاباك” من المنفذين علنياً، فمن الجدير سماع صوتهم أيضاً بشأن اتهام المعتقلين بدافع الإرهاب. استمرار الجلوس على الجدار لا يقل عن دعم جهود الائتلاف وأبواقه في تشويه وجه الاحتجاج الديمقراطي ونزع شرعيته. في الواقع الذي يصف فيه رئيس لجنة مهمة في الكنيست كل من يعمل على إسقاط الحكومة بـ “الخائن”، ويكرر نائب رئيس الكنيست القول بأن المتظاهرين هم “ذراع لحماس”، والوزير الذي يربط بين الحكومة والكنيست يلمح بأن المظاهرات ممولة من إيران – فلا يمكن المرور مر الكرام على نسب دوافع إرهابية لنشطاء الاحتجاج.
العنف، كما قال إسحق رابين، هو وبحق قضم لأسس الديمقراطية. دولة القانون لا تتجاهل النشاطات العنيفة، ودولة القانون أيضاً لا تتهم نشطاء الاحتجاج بالدوافع الإرهابية. الاتهامات من هذا النوع بعيدة عن عالم المفاهيم في دولة قانون ديمقراطية، هي تنتمي لدولة مختلفة تماماً.
جلعاد كريف
هآرتس 17/12/2024