تعقيب أخير حول هامش علال الفاسي المحذوف من كتاب (ملحمة عبد الخالق الطريس):
الألقاب العلمية لا تصنع باحثا متميزا ولا تعلي من شأن أستاذ خامل مغمور والموضوعية سمة الناقد الجاديتعمد الناقد إبراز ما يعتبره خطأ حتي ولو كان السياق لا يوحي بذلك فليت شعري أناقد هو ام ناقض؟تعقيب أخير حول هامش علال الفاسي المحذوف من كتاب (ملحمة عبد الخالق الطريس):د. محمد الشريف يحكي عن الإمام أبي حنيفة، أنه جاءه شخص وجلس في المجلس وله هيئة وهيبة، وكان الإمام أبو حنيفة يتكلم عن مسألة فطر الصائم عند غروب الشمس، فقال ذلك الرجل: يا شيخ: إذا تأخر غروب الشمس إلي نصف الليل ماذا نفعل؟ وقد كان أبو حنيفة يأنف من مدّ رجليه احتراماً لهذا الرجل ذي الهيبة، فلما سمع منه هذا الكلام الذي ينبئ عن شخصية هذا الرجل، قال: ( آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه).تذكرت هذه الحكاية بعد انتهائي من مطالعة مقال السيد عبد القادر الإدريسي المنشور مؤخرا بجريدة العلم (19 تموز/ يوليو 2006 صفحة مدارات) والذي خصصه لاستعراض الأخطاء التي شابت ترجمتنا لكتاب ملحمة عبد الخالق الطريس الصادر سنة 2003 ضمن منشورات جمعية تطاون أسمير، في 383 صفحة من القطع الكبير. وقبل الخوض في تفاصيل المقال المذكور ومضمراته، وجب التنبيه علي قضية منهجية مرتبطة بماهية العمل الترجمي ذاته. يعتقد السيد الإدريسي أن المطلوب من المترجم هو التحشية والتعليق علي ما يورده المؤلف من معطيات، وتصحيح أخطائه، والتعريف بأعلامه… إلخ. وهذا الأمر فيه نظر. فالترجمة ليست علم تحقيق النصوص. ولو كنا نذهب مذهب الناقد، لكنا أضفنا إلي عبارة : نقله إلي العربية المثبتة علي غلاف الكتاب، عبارة وصححه وعلق عليه ، أو غيرها من عبارات تفيد التحقيق والشرح والضبط. إننا ـ حسبما هو مثبت في مقدمة الكتاب – لم نجعل من تصحيح أخطاء المؤلف غايتنا، علي الرغم من أننا صوبنا العشرات منها، لم يشر إليها الناقد قط. فلو تتبعنا جميع هفوات المؤلف لوجدناها تند عن الحصر، ولو علقنا علي معلوماته ومعطياته التاريخية لاحتاج الأمر إلي مجلد آخر. وهنا لا بد من فتح قوسين للتأكيد علي أننا لا نتبني تقييم السيد الإدريسي لمؤلف (جان وولف) حينما يصفه بـ الواسع الاطلاع، المتعدد المصادر، المحيط إحاطة شاملة (تقريبا) بحياة الأستاذ الطريس . لقد أحجمتُ في مقدمتي للترجمة عن إطلاق مثل هذه الأحكام والتقييمات المتسرعة، علي الرغم من أن العادة جرت بأن يقرظ كل مترجم ما يقوم بترجمته. فمن باب الموضوعية والأمانة العلمية أن نرد الفضل لأهله. فما سطره الكاتب والصحافي البلجيكي (جان وولف) بخصوص عبد الخالق الطريس وتاريخ الحركة الوطنية في الشمال، هو في مجمله صياغة باللغة الفرنسية لاجتهادات وطروحات المؤرخ المغربي محمد ابن عزوز حكيم، واقتباسات من مؤلفاته. وهذا الأمر يبدو واضحا، لو تمعّن السيد الإدريسي في الهوامش التي وثـّـقـْـنا بها ما ورد من معلومات في كتاب ملحمة الطريس وأرجعناها إلي أصولها.اين هي الهوامش الفضفاضة ؟ومن اللافت للانتباه أن الناقد لم يقدم لنا أية أمثلة عن الهوامش الفضفاضة التي أكد علي وجودها سابقا، إلا أنه استعاض عنها بالتوقف مطولا عند هامش خصصه (جان وولف) للزعيم علال الفاسي، محيلا للمرة الأولي ـ والأخيرة ـ علي النص الفرنسي للكتاب، متهما إيانا بـ حذف هذا الهامش بطريقة متعمدة. وراح يبحث عن الأسباب التي قد تكون كامنة وراء هذا الحذف ، ليخلص إلي القول، وبكثير من الإصرار والوثوقية، بأن (حذف الهامش الخاص بعلال الفاسي قد تم عن قصد وسبق إصرار من المترجم، أو بإيعاز من غيره). وبطبيعة الحال لم يفته القول ـ وبتشنج واضح ـ بأن (هذا الصنيع أشنع من الخيانة)، متهما المترجم والمراجع بمخالفة (الأمانة والنزاهة العلمية)، ملمحا إلي أن يكون للأمر خلفية سياسية أو إيديولوجية مبيتة. أما إذا تساءلنا عن الدلائل أو القرائن التي استند عليها الناقد في هذا الاتهام الباطل ـ الذي أبي إلا أن يبرزه حتي في عنوان مقاله ـ فإننا لن نعثر علي أي دليل، اللهم إلا رجمه بالغيب، أو قدرته الخارقة علي الاطلاع علي سرائر الناس وطويتهم الباطنة! والغريب أن الناقد الذي أصر علي استعمال فعل (حذف) دون سواه، خمس مرات، لم يجل بخالده قط أن يكون هذا الهامش قد سقط سهوا (وهذه هي الحقيقة المؤكدة)، وأن الأمر لا علاقة له بأي (هوي)، أو اعتبارات أخري، كما يوحي بذلك الناقد. إن مكانة الزعيم علال الفاسي في تاريخ المغرب لن يضرها في شيء سقوط هامش يتيم يخصها من كتاب، ولا تحتاج لمن يدافع عنها من الكتبة والصحفيين. وعلي أي حال أعتبر التنبيه علي سقوط هذا الهامش من إيجابيات نقد السيد الإدريسي، وأحد الأمور التي له فضل السبق في التنبيه عليها، إن كان هو من طالع النص الفرنسي للكتاب وقارنه بالترجمة العربية. وأطمئنه بأن هذا الهامش سيجد مكانه في الطبعة الثانية للكتاب. أما إذا فحصنا جزئيات مقال الناقد، وتساءلنا عن محصلته النهائية، فماذا نجد؟مؤاخذتنا علي عدم تصحيح خطأين (الأول بخصوص مدة ولاية الطيب بنونة علي إقليم تطوان، والثاني متعلق بتاريخ الصحافة التطوانية)، وتصويب أسماء ثلاثة أعلام مشرقية، والتنبيه علي ما اعتبره أخطاء لغوية. في حين لم يجد الناقد ما ينتقد علينا بخصوص صحة الترجمة وسلامتها. فلم يتهمنا، والحمد لله، بتحريف معاني النص الأصلي للكتاب أو مقاصد المؤلف، أو غير ذلك، مما تتطلبه المراجعة النقدية لأي عمل ترجمي. ونحن نعترف أن ثمة هفوة تسربت إلي ترجمتنا، وأدت إلي ما اعتبره الناقد أخطاء تاريخية لا تغتفر، كما سنبينه لاحقا. وتمشيا مع ما طرحه الناقد، سوف نقسم تعقيبنا إلي ثلاثة محاور، هي: ـ أولا: ما اعتبره تصحيفا في أسماء الأعلام. ـ ثانيا: ما زعم أنه أخطاء تاريخية. ـ ثالثا: ما اعتقد أنه أخطاء لغوية.ليس تصحيفا وانما طرائقأولا ـ كنت أعتقد أن التصحيف قد طال أسماء أعلام مغربية أو غربية علي علاقة وطيدة بتاريخ عبد الخالق الطريس وبموضوع الكتاب، فإذا بها ثلاثة شخصيات مشرقية هامشية (من بينها صحافيان هما : إدجار جلاد، وأسعد داغر)، ورد ذكرها عرضا في الكتاب، ضمن مئات الشخصيات الأخري. وسبق أن أشار إلي ذلك التصحيف عدد من الأساتذة النقاد في لقاءات علمية خصصت لمناقشة كتاب ملحمة الطريس حين صدوره أواخر سنة 2003، ولم يكن السيد الإدريسي السباق إلي التنبيه عليها؛ مع فارق جوهري، هو أن مجمل أولئك النقاد اعتبروا الأمر مجرد هفوات لا يخلو منها أي كتاب، في حين أضفي السيد الإدريسي علي تنبيهه هالة من التهويل والمبالغة، حتي ليخال للمرء أن الكتاب طافح بالمعلومات المغلوطة و المتضاربة و الباطلة و الفادحة وغيرها من الأوصاف التي لم يأل الناقد جهدا في التشديد عليها. فأين نحن من صيغ المبالغة التي يتبناها الناقد؟ وما هي هذه الأخطاء التاريخية التي يعتقد أنه الوحيد الذي ضبطها متسربة إلي كتاب ملحمة الطريس، ولم ينتبه إليها المؤلف، وغفل عنها المترجم، ولم يصححها المُراجع؟ قبل الإجابة يتعين علينا الإقرار بأن الناقد غالبا ما يُخَطّيء المؤلفَ والمترجمَ في قضايا مضبوطة تاريخيا. يتهمنا مثلا بتحريف الأسماء (لعدم معرفتنا بها)، و (لنقلنا الأسماء من الفرنسية إلي العربية كما كتبها المؤلف). ويعطي مثالا علي ذلك اسم القائد العسكري (وليس الزعيم) الفلسطيني القاوقجي الذي حرفناه ـ في زعمه ـ إلي القوقجي. وقد فات الناقد أن إسم القائد العسكري الفلسطيني المشار إليه يُضبط بالصيغتيْن. ولا يتسع المجال هنا لنحيله علي بعض الدراسات حول هذه الشخصية، وحسبنا أن نشير عليه بالبحث عن فوزي القوقجي في الشبكة العنكبوتية ليتأكد من أن ورود اسمه بهذه الصيغة هو أكثر من وروده بالصيغة التي يعتقد أنها الصحيحة. ونفس الشيء يقال عن (رشيد عالي الكيلاني)، الذي يرد اسمه في أكثر من مصدر ودراسة كما يلي : (رشيد علي الكيلاني) وبإمكانه التأكد من ذلك بالرجوع إلي لائحة رؤساء الوزارة في العراق ، وبالضبط سنة 1940 ـ 1941.ہ إن الهفوة التي تسربت إلي ترجمتنا، والتي أشرنا إليها أعلاه، متعلقة بالأمير عبد الإله الوصي علي العرش العراقي، فالمؤلف جان وولف يتحدث بالفعل عن الوصي علي العرش (ص 226 من النص الفرنسي) لا عن (الملك عبد الله)، ولو تريث الناقد ورجع إلي الفقرة الرابعة من ص 315 (من الترجمة) لزال عجبه، ولما اتهم المؤلف بالخطأ. كما أن المعلومات التي تفضل بها عن ذات الأمير توجد في الصفحة ذاتها، مثلها في ذلك مثل الإفادات التي ساقها عن الصحفي ادجار جلاد، وهي مثبتة في الهامش 400 من صفحة 304 من الترجمة.ثانيا ـ نبادر إلي القول بأن ثمة أخطاء مطبعية تسربت كذلك إلي ترجمتنا، إلا أن الناقد اعتبرها أخطاء فادحة للمترجم والمراجع والمؤلف، ونستدل علي ذلك بالأمثلة التالية: ہ التعليق الذي ورد تحت صورة تجمع بين عبد الخالق الطريس والمكي الناصري وفيه أن هذا الأخير توفي في 10 ايار (مايو) 1944، وهذا ما اعتبره خطأ فادحا في المعلومات ! بينما الأمر لا يعدو أن يكون خطأ مطبعيا واضحا لا يخفي علي أي قاريء، فبالأحري علي الباحثين، ويمكن التثبت منه بالرجوع إلي الأصل الفرنسي للكتاب (ص 195) حيث سنة وفاته هي 1994. الهوس في البحث عن العيوبہ يتعمد الناقد إبراز ما يعتبره خطأ حتي ولو كان السياق لا يوحي بذلك، منتشلا الأمثلة التي يوردها من إطارها العام. مثلا يقول: (ولم يذكر المؤلف ـ ومر علي ذلك المترجم أيضا ـ في الصفحة 226 اسم لبنان ضمن الدول المؤسسة لجامعة الدول العربية في 22 اذار/مارس) 1945). وهنا أثبت بالحرف ما ورد في الترجمة للتأكيد علي أن الأمر لا يعدو أن يكون سقطا، وليس خطأ أو إغفالا مقصودا: (كانت الجامعة الفتية تضم سبعة أعضاء (مصر والعربية السعودية والعراق واليمن والأردن وسورية). فواضح أن الدول المثبتة أسماؤها في النص هي ست دول، وأن لبنان سقط سهوا، وهو مثبت في النص الفرنسي للكتاب (ص 235)، فلو رجع الناقد إلي النص الفرنسي لتجنب إصدار مثل هذا الحكم المتسرع والمجافي للحقيقة حتي في حق المؤلف جان وولف الذي يشيد به أيما إشادة. فهل تخفي مثل هذه الأخطاء المطبعية الواضحة وضوح الشمس علي أي قاريء لبيب؟ أم ان الناقد يتعمد التهويل منها لغرض هو أعلم به؟ ہ ويتهم الناقدُ المؤلفَ والمترجمَ بتحريف اسم الحزب القومي السوري إلي الحزب الشعبي السوري . وهنا وجب توضيح مسألتين. أولا: أنه لم يكن بسورية شيء اسمه الحزب القومي السوري وانما هو (الحزب السوري القومي الاجتماعي). ثانيا: لقد فات الناقد أن الترجمة التي اعتمدها الفرنسيون للحزب السوري القومي الاجتماعي كانت ترجمة P. P. S أي (الحزب الشعبي السوري)، وهي الصيغة التي تبناها جان وولف. وعلي غرار هذه التسمية نشأت في فرنسا نفسها M. P. F أي الحركة الشعبية الفرنسية التي ترأسها (دي غول). وهنا أبيح لنفسي إحالة الناقد علي المحاضرة السابعة من أدبيات الحزب التي ألقيت يوم الأحد 7 آذار (مارس) 1948 والموجودة بالموقع الرسمي للحزب السوري القومي الاجتماعي com.www.np ليتأكد من تسرعه في اتهامنا بتحريف الأسماء. ہ ومما يؤاخذه الناقد علي المؤلف وعلينا، وصف شكيب أرسلان بالسوري، وبأننا لم ننبه علي أصله اللبناني. أما نعته بالسوري، كما يفعل جان وولف وغيره من المؤرخين الفرنسيين، فجائز للأسباب التي أوردها الناقد بنفسه (أي دلالة مصطلح سوريا الذي كان يتضمن لبنان آنذاك)، أما أصله اللبناني فقد أعفانا من التنبيه عليه المؤلف نفسه حينما يخبرنا في ص 154 بأنه ينتمي إلي أسرة أرستوقراطية درزية . والأكيد أنه يقصد دروز لبنان لا دروز سورية.ہ هذا ويُقَولُنا الناقد ما لم نَقلْه ولا قاله مؤلف الكتاب. ومثال ذلك حديثه عن ديوان نسبناه إلي الشاعر محمد إقبال. وبالرجوع إلي ص 153 التي يحيل عليها لا نجد ذكرا لشيء اسمه ديوان!ليست اخطاء نحويةثالثا ـ يذكرنا الناقد كذلك بأبجديات القواعد النحوية المتعلقة بالأسماء الخمسة وكيف أن أب في حالة الرفع تكتب أبو وفي حالة الكسر أبي ، ونسي أن يذكرنا كيف تكتب في حالة النصب! فيا له من تذكير سيبويهي (نسبة إلي سيبويه) يستحق التنويه! وكان التنبيه مدخلا للناقد ليعيب علينا تكرار (الخطأ الذي نشر في عنوان كتاب الأستاذ المؤرخ محمد عزوز حكيم عن عبد السلام بنونة وهو (أب الحركة الوطنية) . وهذا ينم عن جهل الناقد بالضوابط الأكاديمية في مجال البيبليوغرافية، والتي تقتضي إيراد العـــنوان كما هو مثبت علي غلاف الكتاب، دون تغيير أو تحوير أو تصحيح، حتي ولو كان به خطأ. فهل نتخلي عن هذه الضوابط العلمية والأكاديمية لنأخذ بدعوة الناقد؟ أم المقصود بالإشارة هو إبراز الخطأ في عنوان كتاب الأستاذ بن عزوز، ليس إلا؟ فليت شعري، أناقدٌ هو أم ناقض؟ثم ان تخطئة ابن عزوز في الأمر ينمّ عن جهل فاحش باللغة العربية. ذلك أن الرجل جري علي لغة عربية فصيحة نادرة، ولم يجر علي المشهور، ولا يخطئه إلا جاهل بسعة العربية. قال ابن عقيل في شرح الألفية، باب المعرب والمبني : وحاصل ما ذكره أن في أب، وأخ، وحم ثلاث لغات : أشهرها أن تكون بالواو والألف والياء، والثانية أن تكون بالألف مطلقا، والثالثة أن يُحذف منها الأحرف الثلاثة، وهذا نادر (ج 1، ص 52). وعليه قول الشاعر:بأبهْ افتدي عديٌّ في الكرمْ // ومن يشابه أبَهْ فما ظلمْ.فلم يخطيء ابن عزوز في عنوان كتابه إطلاقا، ولا من نقل عنه، ولا من راجع الكتاب. وهذا يعرفه حتي من لا اطلاع لهم علي القواعد النحوية، لكن:لقد هزُلت حتي بدا من هزالها كُلاها // وحتي سامها كلّ مفلسأما الأمور الأخري التي زعم أنها أخطاء لغوية، فنجملها كما يلي:ـ جاء معلنا بالتوبة : قال في القاموس : وأعلنتُه، وبه، وعلنته: أظهرته. فالفعل متعد بنفسه وبالباء. ومن باب الإفادة تذكير الناقد بعنوان كتاب الإمام السخاوي، المتوفي عام 902 هـ : (الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ التاريخ).ـ اطلاع تام بما جري : يزعم الناقد أن (الاطلاع يكون علي الشيء لا بالشيء)، وهذا جهل باللغة العربية. قال ابن هشام عن معني علي : (السابع : موافقة الباء، نحو حقيق علي أن لا أقول. وقرأ أُبيٌّ بالباء. وقالوا : اركب علي اسم الله (المغني، ج1، ص 192). فحرف الجر علي، يوافق حرف الباء، بلا مشقة ولا نكد ولا تضييق من أهل اللغة. وقد استشهد ابن هشام بآية كريمة فـ اطلاع تام بما جري ، توافق اطلاع تام علي ما جري بدليل الآية، وكلام ابن هشام. وكذلك من معاني الباء المفردة الاستعلاء، ومنه قوله تعالي : (من إن تأمنه بقنطار)، أي علي قنطار. وقول الشاعر:أرب يبولُ الثعلبان برأسه // لقد هان من بالت عليه الثعالب (راجع المغني، ج 1، ص 142، في فصل حرف الباء). فثبت إذن أن قول المترجم : (اطلاع تام بما جري)، جملة عربية فصيحة، معناها اطلاع تام علي ما جري. ـ فرحة عارمة لمليون من : قياس علي ألفٍ من. فأين الخطأ؟ـ لم تكن قريحته تخطيء : أين الخطأ؟ـ انمحاؤه السياسي : أين الخطأ؟والحاصل أن ما خطّأنا فيه الناقد راجع إلي أحد أمرين: إما إلي غلبة اللغة الصحافية علي السيد الإدريسي أو جهله الفاحش بلغة العرب. وإما إلي ما سقط عند رقن الكتاب، وزاغ عنه البصر، والكمال لله، (مثل : ولكن ما كان ثمن؟ : سقط الألف واللام. بصفته سلطان : زاغ عنه البصر، فسقطت الألف) والدليل الثابت علي أن الأمر لا يعدو أن يكون سقطا هو أن عبارة (كان له صدي كبير) قد تكررت في الكتاب سبع مرات (ص 97، 174، 214، 260، 285، 304 هامش 400) ولم يتسرب الألف ـ سهوا ـ إلا مرة واحدة إليها (صــدي كبيرا)، هي التي أوردها الناقد. وبعد…وبعد، فإنه يصعب علينا فهم العلاقة بين التواضع العلمي والألقاب العلمية التي تمنحها الشهادات الأكاديمية. إني علي اقتناع تام بأن الألقاب العلمية لا تصنع باحثا متميزا ولا تعلي من شأن أستاذ خامل مغمور، ولكني لا أستسيغ أن يصادر حق من حقوق الأساتذة، أو يعاب عليهم إطلاقهم علي نفسهم ألقابا علمية تخولها إياهم شهاداتهم الجامعية، حقا لا انتحالا. وشخصيا لا تشكل الشهادة الأكاديمية أية عقدة لي، وقد يقع أن أثبت الألقاب التي تخولها لي (كما هو الحال بالنسبة لكتاب ملحمة عبد الخالق الطريس)، كما قد أثبت إسمي مجردا من الألقاب العلمية (كما هو الحال في بعض مؤلفاتي الأخري). وبما أن الناقد علي دراية كبيرة بالمشرق العربي، فإننا نشير عليه بإمعان النظر في ألقاب هيئة تحرير أكبر المجلات العلمية الصادرة هناك (مثل مجلة عالم الفكر، والمجلة العربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية، ومجلة الدارة، ومجلة الأحمدية، ومجلة الذخائر، ومجلة معهد المخطوطات العربية…إلخ)، وليمعن النظر كذلك في الألقاب العلمية لهيئة التدريس بالجامعات الإنكليزية، أو (موسوعة أعلام العلماء العرب والمسلمين) التي تصدرها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ليري كيف يتم التمييز بين الدكتور والأستاذ الدكتور. فالأمر لا يتعلق بأي غرور علمي كما يتوهم الناقد حينما ينصحنا بالتواضع العلمي.وختاما وجب القول بأن الموضوعية هي الصفة التي ينبغي أن يتحلي بها كل ناقد منصف. فهي تلزم الناقد بالتروي في إصدار أحكامه لا بإطلاق الكلام علي عواهنه، أو بأن يبخس مجهودات الناس، أو تجريحهم من دون سبب معقول ووجيه. إنني أكرر مرة أخري ما قلته في جملة سقطت سهوا من تعليقي السابق، ـ وأرجو أن لا تسقط هذه المرة ـ من كون الناقد قد قرأ ترجمتنا بـ عين السخط التي تبدي المساويا . وكان من المفروض أن يقرأها، لا بعين الرضي، وإنما بميزان الموضوعية وبالتجرد عن الهوي .وكيف ما كان الحال، فما يحمد للسيد عبد القادر الإدريسي هو قراءته المتأنية للكتاب، وانتقاداته الدقيقة لمكامن الخلل فيه، ووقوفه عند بعض هناته وتصحيحها بما ينم عن سعة أفقه ونباهته، وغيرته علي تراث زعيم الوحدة عبد الخالق الطريس ورواد الحركة الوطنية المغربية عموما. كما أشكره علي إتاحته الفرصة لنا للرجوع إلي بعض كتب اللغة للتثبت، ولو في عز الصيف، فالأمر جاد لا يحتمل اللغو.7