تعقيب علي السيد سامي لطيف.. النفاق الاوروبي: بالفعل والقوة

حجم الخط
0

علي صفحة مذكرات وكتب عدد 10 آب (اغسطس) 2007 حاول الكاتب الصحافي السيد سامي لطيف تقديم رؤية وردية رومانسية للتاريخ العربي الاوروبي. رؤية تخدع لكن بتضرّ علي حد تعبير الشاعر الفاجومي.

سفارة هارون الرشيد الي بلاط شارلمان التي استهل بها الفاضل مقالته يُستشهد بها في الاغلب علي حالة التفكك والتشرذم العربي في العصر الوسيط. فالسفارة اقتضتها ضرورة اقامة حلف بغداد ـ آخن العباسي الكارولنجي ضدا علي محور قرطبة ـ القسطنطينية الاموي البيزنطي.

عدوانية الاوروبيين تجاه شعوب الضفتين الجنوبية والشرقية للمتوسط لا تبدأ مع عدوان روما العسكرية علي قرطاج التجارية المسالمة ولا حتي مع حصار اسكندر بن فليبوس المقدوني للفلسطينية عكا بل جذور هذه العدوانية ضاربة بعمق في الميثولوجيا اليونانية وبتحصيل الحاصل في وعي الفكر الغربي في شموليته: منذ ان اختطف زفس كبير آلهة اليونان الاميرة السورية الفاتنة اوروبا ومنذ ان تجرأ ابنه هرقليس من بعده علي سرقة تفاح حديقة الهسبيريس الذهبي في مزارع بلاد مراكش.

أغرب ما في مقالة الصحافي الكريم هو ايمانه بفرضية التمييز بين اوروبا الشعبية والرسمية فالمجتمعات الاوروبية تتفهم عدالة قضايا العرب وتتعاطف معها، هكذا جاء في مقالته. هذا المونولوج شبيه باللغو الازلي الذي يتردد كثيرا علي ألسنة ببغاوات العرب حول ظلم حكامهم وطغيانهم وجبروتهم وتسلطهم وقهرهم لشعوبهم وضعف هذه الشعوب وقلة حيلتها ومظلوميتها وكثرة توسلاتها آخر كل صلاة جمعة الي الله قصد نصرة هؤلاء الحكام وهدايتهم سواء السبيل واعلاء كلمة الاسلام بهم. انه كلام لا يستقيم لا مع عصر الكمبيوتر والمعلومات والاتصال بالاقمار الاصطناعية والديمقراطية وحقوق الانسان ولا مع منطق الزعيم الكبير جمال عبد الناصر رحمة الله عليه الذي كاد ان يقول ما فيش شعب خش السجن عشان ما راحش صوت في الانتخابات.

كيف يمكن ان لا تعكس نخبة اوروبا الرسمية وجهة نظر جماهير اوروبا الشعبية التي اوصلتها الي الحكم عبر الصناديق؟ ما سماه الكاتب تفهما و تعاطفا مع عدالة قضايا العرب هو محض نفاق ونقطة الي السطر.

الانسان الابيض عموما يعي جيدا ان ازدهاره الرأسمالي رهين بالاستنزاف والاستغلال المزمنين لثروات الشعوب الملونة. لكنه في محاولة استحمارية مفضوحة يسعي جاهدا لتغطية شمس انتهابه لخيرات هذه الشعوب وهدره لموارد هذا الكوكب بغربال تظاهرات احزاب الخضر والمحافظة علي البيئة والاطباء بلا حدود والعفو الدولي وحقوق اهل دارفور الي اخر الاسطوانة المشروخة.

اهل الغرب يصمون الاذان بدعوتهم العالمين بالموعظة الحسنة الي سبيل العلمانية وفصل الدين عن الدولة لكنهم يتعاطفون مع الطابع الديني اليهودي للكيان الاصطناعي في فلسطين وبالتالي يتفهمون حتي طبيعته العنصرية.

الانسان الغربي لا يستطيع ان يجد مبررا واحدا لتشريد الشعب الفلسطيني الشريف لكنه يتفهم حرمانه من حق عودته الي قراه ومدنه. مع ذلك ها هو يتعاطف مجددا مع استجلاب شذاذ الآفاق الي الكيان الاصطناعي ذاته تحت ذريعة حق عودة يستند الي اساطير في سفر التكوين ما انزل بها التاريخ من سلطان. في مطبّ آخر تطالعنا موازين سبر وجهات النظر في الغرب المسيحي بالعدد الهائل من الاوروبيين الذين لا يؤمنون لا بخرافات ذلك السفر ولا بأباطيله.

الانسان الاوروبي يقف بحزم ضد احتلال الاراضي بالقوة لكنه يتفهم هذه المرة وضعية الاراضي المتنازع عليها في الجولان وفي شبعا وفي ضفة غرب الاردن.

دول اوروبا انتفخت اوداجها وهاجت وماجت بسبب الطريقة البربرية التي حقق بها السيد الرئيس الوحدة العراقية الكويتية في تسعينات القرن الماضي. لكن جزءا كبيرا من هذه الدول انخرط مباشرة، تحت الراية الامريكية، وبالطريقة البربرية اياها التي عابوها علي السيد الرئيس، لتوحيد العراق بباقي مشيخات الخليج علي هدي التبعية المباشرة للدولار الامريكي.

من لم ينخرط من هذه الدول في الحرب مباشرة، كفرنسا والمانيا، وقف عاجزا لا حول له ولا قوة لحماية منفعته الاقتصادية المتمثلة في بدعة تسعير النفط باليورو بدل الدولار التي شرّعها السيد الرئيس لحماية بني الانسان من طاغوت الورقة الامبريالية الخضراء، البدعة التي لولاها لما كانت الحرب قامت أصلا. المأساة ان اليوروهات التي راهن عليها السيد الرئيس لم تكن تطبع في بغداد بل في دور السكة في الدولتين العاجزتين.

مقال الكاتب الليبي الفاضل يزخر بمتناقضات لعل اطرفها فرضية عقيد ليبيا حول تعويض فرنسا عن استعمارها الجزائر. طلب التعويض يستلزم منتصرا يفرض تعويضاته علي منهزم، هكذا قضت سنن التاريخ وقوانينه اما اذا كان الامر بهذه البساطة فليتفضل العقيد الليبي مأجورا لتعويض الفلسطينيين عن السطو المسلح الذي مارسه جلالة الفرعون شيشوناق الليبي عندما احتل بيت المقدس واخذ خزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك واخذ كل شيء واخذ جميع اتراس الذهب التي عملها سليمان، كما ورد في الآية 26 اصحاح 14 من سفر الملوك الاول من الكتاب المقدس، ان صح الاستشهاد والقياس. اما اذا كان العقيد ينكر ملكية الفلسطينيين للمنهوبات فليعوض علي الاسراطينيين، ففي ذلك تقرب لا يدانيه تقرب الي المجتمع الدولي العزيز علي قلب سيادته!

اما في كتاب اسامة بن منقذ عن عادات الفرنجة ايام اقامتهم بالمشرق العربي فقد ورد ان احد الصليبيين ضبط في سريره زوجته مع احد اصدقائه. الصديق حاول تبرير تواجده في السرير بانه كان تعبانا فوجد سريرا خاليا فنام عليه، ولكي يعلل سبب تواجد الزوجة جنبه اضاف بانه لا يمكنه ان يمنعها من النوم في سريرها متي ارادت ذلك. كظم الفرنجي غيظه لكنه حذر صاحبه من مغبة تكرار الحادثة وإلا خاصمه لو عاد الي ذلك ثانية.

هكذا تصرفت القامة الشامخة الفرنسية شارل ديغول مع الكيان الاصطناعي الذي أغار علي ثكنة بحرية وغنم كذا وكذا من الزوارق الحربية الفرنسية في حادثة لا توصف في القاموس الدبلوماسي الدولي الا بمصطلح CASUS BELLI اي الحالة المستلزمة لاعلان الحرب. للتذكير فقد حدث هذا للدولة التي عاقبت شعبا عن بكرة ابيه مدة قرن من الزمان او تزيد ازهقت فيها ملايين ارواح الابرياء بسبب ضربة مروحة! القامة الشامخة الفرنسية قررت ردا علي الاهانة التي فُجعت فيها الامة الفرنسية العظيمة بزوارقها الحربية، ان تحظر بيع الاسلحة للكيان الاصطناعي ما دام قادرا علي اقتراضها من الجيش الفرنسي علي طريقة قراصنة الكاريبي.

تعبير القامة الشامخة الذي اطلقه الصحافي الكريم علي الرئيس الفرنسي الراحل كان بسبب طول قامته المفرط الذي يعتقد الفرنسيون انه كان كافيا لتقويم مجد فرنسا الذي سوّته جنازير بانتزر الرايخ الثالث بالارض.

محمد صباررسالة الكترونية6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية