تعقيب علي محمد حيدر: ألف ليلة وليلة وليلة وليلة وليلة…
زياد عدوانتعقيب علي محمد حيدر: ألف ليلة وليلة وليلة وليلة وليلة… لا أدري كم مرة ترددت القصة التالية علي لسان أم أو أب وهم يحاولون أن يرووا لأولادهم حكاية ما قبل النوم، وفجأة ينقلب السحر ويبدأ الطفل الصغير بسرد حكاية غريبة تناسب عمره، فينام من كان يحاول تنويم الطفل.الحكاية طريفة ولكن الي الآن لم نسمع بهذا الأب أو الأم أو الأخ الأكبر الذي بقي مستيقظاً ليستمع الي حكاية حرة من ولد صغير لا يعرف نهاية حكايته، ولكنها حكاية مفتوحة علي احتمالات منطقه ومخيلته الطازجة. وفي أحيان أخري وعندما يقرر العقل الأكبر والراجح أن يستمع الي مخيلة طفل صغير يسبق دعوته بديباجة فيها الكثير من الخطابية عن أهمية مخيلة الأطفال وخيالهم الخصب، الي أن يشوه بكلامه هذا خيال الطفل أمامه، فيصبح طفلنا العزيز أمام تحد ليثبت غرائبيته بدلاً من أن يروي حكاية تخطر صدفة علي مخيلته.مؤخراً كتب (الصديق) محمد حيدر مقالاً في القدس العربي مطالباً فيه الثقافة العربية أن تعلن هزيمتها. ولعل هناك ما يفيد في هذا المقال للتذكير بالطريق المسدود الذي وصلت اليه ثقافتنا. ولكن ماذا بعد؟ وما الذي يتوجب علي هذه الثقافة عمله بعد اعلان هزيمتها؟ وماذا يتوجب علي أفراد ومجموعات هذه الثقافة فعله عندما تعلن نهايتها؟ وما هي حكاية هذه النهاية والفشل والهزائم؟ لعل الأسباب كثيرة وهناك الكثير من التخوف في حال انقلبت أشكال الحكم في الدول العربية (والتي كان ينبغي لها أن تكون دولة واحدة) من استرجاع أنظمة ديكتاتورية لها أشكال قومية أو شيوعية أو اشتراكية أو دينية أو عشائرية أو مزيداً من القطرية، والتي ستكرر أزمة الثقافة وأزمة الحكم الأحادي المستبد سياسياً واجتماعياً وكأن شيئاً لم يحدث. ولعل الأمل في مطالبة الصديق محمد حيدر هو الدعوة الي حرية افتقدناها عبر الموروث والتقاليد والهم القومي والحدود وهي التي حدت من التجديد والابداع والحرية.أشارك محمد حيدر بآرائه، وأضيف أن هناك صعوبة بالغة في تخطي الهزائم وبناء ثقة بالموروث، وبناء ثقة بقدرتنا لنكون أحراراً من الاستعمار أولاً ومن الموروث والأجيال السابقة التي ناضلت وخابت قومياً أمام الهزائم والتنازلات، وخابت اجتماعياً أمام امتداد التيارات السلفية والطائفية وتفشي الفساد وانهيار القيم. ولهذا أجد صعوبة في تبسيط القضايا والأزمات، فكل منها بات حائطاً تعتبر محاولة تخطيها أو تقليصها أو تفاديها خيانة أو كفراً أو طيشاً.هده الثقافة التي يطالبها الصديق محمد حيدر باعلان الهزيمة هي ثقافة متجهة الي الانهيار، وانهيارها ليس متوقفاً علي مطالبتنا بالاعتراف بهذه الهزيمة، ولكن السؤال الآخر هل هناك مسؤولية من جيلنا تجاه هذه الهزيمة، وهل الهزيمة هي مفتاح للحل؟مناقشتنا لهذه الثقافة المنهارة كما توضحها نشرات الأخبار والتحليلات والدراسات والمشاهدات اليومية وبريد القراء هي مراوحة في المكان مرة أخري. وانتقاد أمر ما نريد رفضه هو اهتمام آخر به وعودة أخري الي هذه الثقافة التي يطالبها العديد باعلان الهزيمة. وعودتنا الي موضوع سابق اما لنصرته أو انتقاده هو دليل علي أن هذه الثقافة أفرغت ما في جعبتها، وهي الآن مغلقة ومنكفئة علي ذاتها أكثر وأكثر، اما عبر تعظيمها بالموروث أو تشكيكها به، وبالنهاية يبقي الموروث محوراً إما للدفاع عنه أو مهاجمته أو العودة اليه حنيناً. وحتي الآن لم نستطع أن نغفل أعيننا عنه مرة كي نبدع ونسير في مكان آخرليصبح العالم العربي الواسع بالملايين أغني من أسمائه المحدودة. لعل الأسماء الأوسع انتشاراً في هذه الثقافة هي أسماء الرؤساء والمراجع الدينية وهي التي أصبحت بالفعل المعالم الأبرز لهذه الثقافة. ولم تنتج هذه الثقافة روائيين وموسيقيين ومسرحيين ورياضيين يعرفهم كل من يهتم بهذه الحقول من هذا العالم، فالكل مأسور بالحكاية السياسية ومتردد بأن يمضي بحكايته الفردية أو الخاصة. ولكن العالم برمته يعرف رؤساءنا ومراجعنا الدينية، ولم تنتج هذه الثقافة في الخمسين سنة الماضية أسماء أدبية يعرفها العالم سوي استثناءات قليلة وأغلبها من فلسطين المحتلة، ولعل السياسي هو ما ساهم في انتشار هذه الأسماء التي تستحق الانتشار لابداعاتها ووعيها كمحمود درويش وادوارد سعيد. أما ما تبقي من حقول أخري كالفن والرياضة والعلوم فهي أسماء مجهولة وما تزال مترددة أمام الهموم الكبري، ولكن ألم يكن مارادونا فخراً وانتصاراً أرجنتينياً وانتقاماً من انكلترا بالتحديد.لا أشكك أبداً بتأثير التاريخ والموروث علي العقل الفردي والجمعي، ولا أنتقص أبداً من الضغوط التي لازمت العالم العربي لعقود، ولكن هل يجب علي الجميع أن يخدم القضية والعقيدة، بدءاً من الساسة الي الفنانين الي الطلاب في المدارس الي الاتحاد النسائي العام؟ ان أردنا أن نعبر عن رغبتنا بالانتصار والتجدد لا بد لنا من الابداع والتأليف والكتابة لنخلق حكايات تساند شعباً علي الوجود، فالشعب العاجز عن تأليف الحكايات هو شعب بائد، وليس تكرار الحكايا ذاتها هو ما يدافع عن وجودنا ولعل حكايات وملاحم الحضارات القديمة كجلجامش مثال علي أن الحكايا تبقي موجودة ولكن الحضارة ستفني ان لم تستطع ابداع حكايات أخري. الي الآن لم ننتج حكاية ولم ننتج لحناً، ولعل اللحن هو الموضوع الآخر الذي يشير الي ما يمكن لثقافة ما أن تنتجه، ولكن كل ما تم انتاجه حتي هو نسخ مشوهة عن الروك و الراب أو مزج الموسيقي العربية مع الجاز وارتجالات علي العود علماً بأنني مذ كنت صغيراً وأنا أسمع الارتجال نفسه علي العود الي أن اقتنعت أن آلة العود آلة فقيرة، وتطلب الأمر وقتاً طويلاً لأقتنع أن آلة العود ليست فقيرة وانما الفقر هو فقر العازفين (يا ريتهم يعزفون عن هذه الآلة). وبالطريقة ذاتها التي نسخنا وكررنا فيها العود والروك والراب تم استهلاك وتكرار الأغاني الشعبية من قبل شباب عاطل عن العمل اتجه الي الغناء وظلوا يغنون الي أن أقنعوا الكثيرين أن هذه الأغاني الشعبية بالية لمجرد ضعفهم بأدائها، تماماً كما حدث مع آلة العود. وهو ما يحدث أيضاً مع الحكاية في الرواية والمسرح والقصة القصيرة مع وجود استثناءات قليلة، مثل زكريا تامر ويوسف ادريس، ولكن من يدري بهم، فالكل مشغول بالقضية.في الشهر الماضي عرض مسرح (أولد فيك) في لندن مسرحية جيدة ومثيرة للاهتمام اسمها حكاية الجندي للمخرج أندرو ستيغال، وهو ممثل شاب كان عمله هذا تجربته الاخراجية الأولي. قدم المخرج مسرحيته عبر ممثلين عرب (عراقيين) وممثلين انكليز بمرافقة أوركسترا انكليزية تعزف سترافنسكي مقطوعة حكاية جندي وموسيقي (شرقية) ولا أدري ان كانت تلك الموسيقي موسيقي عربية خالصة، وما تم تأليفه وقتها هو ما يشبه الارتجالات التي ما يزال العالم العربي المشرقي يعيدها. أما الحكاية فهي حكاية مجردة وبسيطة عن رحلة جندي، خلال الحرب وهزيمته أمام الحرب أولاً. ولكن السؤال الذي طالما تردد لي في خضم المناهج المسرحية الجديدة وتداخل الثقافات، والاستعارات من هنا وهناك، ومسارح الثقافات المتداخلة هو أن العالم بمجمله يتفاعل مسرحياً ويستعير طقوساً من المسرح الأوروبي وكوميديا ديلارتي ويقفز الي الهند والصين والبرازيل (والكابويرا) واليابان وروسيا وستانسلافسكي والقصة الايرانية منطق الطير التي أخرجها بيتر بروك، ويطرح الأسئلة عن الهوية والآخر والعولمة والانسان، وعندما يأتي المسرح العالمي ليتفاعل مع منطقتنا يصبح المسرح سياسياً. هل يعقل أننا لا نملك سوي السياسة كي نشارك العالم بها بدءاً من الحديث اليومي ومروراً بالمسرح والأدب وانتهاءاً بقناة الجزيرة؟ قد يكون الأمر تنميطاً غربياً واعياً أو لا واع لثقافتنا، وما يحدث مع الكثيرين من العرب في الغرب من تجربة متكررة عندما نتعرف الي أشخاص (أجانب) نجد أن الموضوع الأول الذي يبادروه معنا هو الدين والسياسة، كيف لي أن أقول لهم انني أيضاً أحب الحديث عن المسرح والسينما وكرة القدم والنساء؟هل أصبحنا منمطين الي هذه الدرجة؟ بالتأكيد هناك شي من الملامة علي الغرب بتنميطه صورتنا، ولكن هناك مسؤوليات أخري تجاه الذات ومناقشة مرونتها علي الابداع والابتكار والتعدد واختيار المواضيع. وحتي ان تطرق الموضوع الي الحب، فاما أن يكون الحب عبر الحدود السياسية، كما هي في أفلام عديدة من المشرق العربي، أو نعود الي قيس وليلي، وكأن الحب توقف عند تلك النقطة ليردد قصة حب أفشلها الاطار السياسي. أو كيف تقف الطائفية عائقاً بين الحبيبين.. هل يعقل اننا لا نستطيع أن نروي حكاية حب خالصة، أو قصة رعب أو خيال علمي وأن يبقي الابداع أسيراً الي أن تتحرر الأراضي التي وعبر العقود الماضية تزداد عدداً؟عند عودتي الي دمشق لأجل الزيارة أسأل الأصدقاء هناك عن أحوالهم فيجاوبني الجميع (علي حطة ايدك) أي مكانك راوح ثم يبدأ التذمر من البلد (بتروح وبتيجي 20 سنة وما منتغير). ولعل الوضع هناك بائس وممل الي درجة كبيرة. ولكن ما يثير السخرية أكثر هو عودتي من دمشق الي لندن سائلاً الأصدقاء (العرب) عن أخبارهم فأجد الاجابة نفسها، (متل العادة) (ما في شي جديد)، لأجد أن مشكلة الافتقار الي ما هو جديد ليست في دمشق (أو في البلاد العربية) ولكنها في تردد الشخصية من خوض حكايات جديدة سواء كانت في الوطن أو في المهجر. هناك تقييم نظري وابداعي للرواية والسرد والحكاية ترجم منها الكثير الي العربية، وتمحورت حول دور الحكاية كي تستمر الحياة، ودور الرواية في صياغة ما هو قومي كما أشار ادوارد سعيد أو كما عبر ميلان كونديرا حين قال ان الأوروبيين هم أبناء الرواية. ما تحدث عنه المبدعان والكثيرون غيرهم هو أهمية انتاج الحكاية، ولم يتحدثا عن اعادة سرد الرواية ذاتها آلاف المرات، ولكن ما يتردد حولنا هو وأد الحكايات لضرورات المرحلة وضيق الوقت والتحريم والاستهانة. وكل الحكايات لدينا جاهزة ومحضرة سلفاً كي تخضع الي التأويلات والي ضرورة وجود نهاية حتمية تمجد أو تنتقد. ويتم رفض ما هو خارج عن المنطق بالطريقة ذاتها التي يتم فيها رفض الأحلام وحريتها عبر اخضاعها للتفسيرات الشعبية والتنبؤات المستقبلية، ولا يسمح لها أن تكون حرة لتبني حكاياتها بنفسها. أما المجال الوحيد لابتكار الحكاية فهو السياسة والموضة الجديدة المنتشرة الآن، وما يقال عنها نظرية المؤامرة. فعندما يحاول هذا العقل ابداع حكاية ما فغالباً ما يتجه الي السياسة، ليبتكر (نظرية المؤامرة الخاصة به أو بها). ولنا أن نحصي كم الحكايات التي أنتجها 11 ايلول (سبتمبر) وانتحار غازي كنعان واغتيال الحريري، وكأن هناك عقلاً مليئاً بالحكايا ولا يوظف ابداعه إلا في السياسة وداخل البيوت طبعاً. هناك تيار واضح في الأدب الأوروبي يعاكس الحكاية الآن ويتجه نحو الشكلانية ولنا أن نقرأ في التاريخ المسرحي عن الحكاية التي تم هدمها في أوائل القرن العشرين وأواخر القرن التاسع عشر، مع نصوص تشيخوف وبيرانديللو. وظهور مدارس روائية وسردية مع بروست وجويس، والعبثية في المسرح، وقد اجتمعت معظمها علي رفض الموروث ولكن وبالوقت نفسه، كانت هناك العديد من الروايات والحكايات التي استمرت في القص، وما هو أخطر من ذلك هو بزوغ حكايات من عقول استفادت من التراكم لتخلق حكايات لم يخطر للبشرية أن تفكر بها يوماً كحكايات فرويد وعوالمه النفسية والجنسية وداروين ونيتشه وماركس والكل أحضر حكاية جديدة دخلت الوعي الأوروبي ووعينا. هناك مصيران للحكاية، اما أن تعبر الحكايات الحدود والحواجز وتتناقل حرة كما حدث في اوروبا أو أن ترتد الحكايات عبر ارتطامها بالحدود والجدران والتحريمات لتصبح تقليدية ومتداولة يومياً بدءاً من حكايا الخلق الي الحكايات الايديولوجية والذئب والعدو والخطر بدعوة لنرتد الي أنفسنا ونرتد الي مجتمعات عشائرية وأولية، تروي حكاياتها الصغيرة أو المستوردة. وما يثير القلق أن معظم ما بدا جديداً في ابداعاتنا كان تأثراً قبل أن يكون إبداعاً أنتجته ذواتنا، من التحديث الي الماركسية الي المسرح بحد ذاته كفن و مذاهب المسرح وتعلقنا ببريشت، ليصبح كل ساع للتغير والتحديث يبدل ملابسه علي المسرح، ليكسر الايهام… (مع العلم اني نادراً ما وقعت بالايهام في عروضنا المسرحية، وما زلت أتساءل عن مغزي كسره) وامتد الموضوع الي الوجودية والواقعية الاشتراكية، والعبث، وحتي الآن ورغم الظروف والأحداث العظيمة في منطقتنا، لم نستطع أن نخرج بحكاية. وكأن أكبر انجازات هذه الثقافة هو قابليتها للتأثر سلباً أو ايجاباً، فتارة تبدو مغلقة وأكثر انتقادية لــذاتها، وتــارة تمجد نفسها، ولكن الي الآن لم تفرز شيئاً جديداً.هل يعقل أن نتفرد عن العالم كله بوجود قضية مثل القضية الفلسطينية، وتجربة شعب هجر وطرد من بيته، وباستثناءات قليلة من الأدب الفلسطيني لم نستطع أن ننقل حكاية واحدة بسيطة جديدة عن الموضوع. لا زلنا الي الآن نعيد ونستذكر غسان كنفاني واميل حبيبي. وحتي عندما حاول سعد الله ونوس في مسرحيته الاغتصاب تصوير الشخصية الاسرائيلية، تم استعارة الحكاية ونص مسرحيته من النص الاسباني (القصة المزدوجة للدكتور بالمي) للكاتب أنطونيو بويرو باييخو. ولأكن واضحاً هنا، لست معارضاً أبداً لأن نكون ملتصقين بالحكاية الفلسطينية ونردد دوماً قضية التهجير والاستيطان والمجازر في حياتنا الاجتماعية والسياسية ولكن يتوجب التفكير والتأني بقضية المنبر والوقت والمكان المناسبين لطرح القضية، فما قيمة الابداع ان كان مقيداً بثقل الوصية ورؤية البداية. لم يكن معظم الأدب الذي كتب عن القضية الفلسطينية خادماً فنياً وسياسياً للقضية الفلسطينية وانما أصبحت القضية عبئاً علي هذا الأدب الي أن أصبح مشوهاً وعاجزاً عن استقلاله بنفسه ليكون حراً. وهذا ما تم ادراكه في أدب ما بعد النكسة الذي تجاوز المحرمات والرقابة ليناقش ويطرح نقده الذاتي، الي أن تم وأده مرة أخري. قد يكون الكتاب الأشهر الذي أفرزته (منطقتنا) هو ألف ليلة وليلة، وهو الذي يعتبر نصاً مفتوحاً علي تأويلات، وهو اعتزازنا بانتاجاتنا وتعبيرنا عن قيمة الحكاية كي نبقي علي قيد الحياة. وأعتقد أن شهرزاد نفسها ملت من استخدامنا لها كمثال للصمود والحياة عبر سردها لحكاياتها، والي الآن كلما أردنا أن ندافع عن أنفسنا بحكاية نستعير ونتكلم عن شهرزاد وعن ذكائها باستخدام حكايتها دون أن نبدع حكاية جديدة. لم يكن هدف شهرزاد والتأويلات لهذه الحكاية هو اعادة حكاية شهرزاد نفسها، بل هو عقل يستطيع الابتكار كي يبقي منتعشاً وقابلاً للاستمرار. ولنا أن نتخيل ما كان سيقوم به شهريار لو أعادت شهرزاد حكايتها، وهو المشهور بقتل من لا حكاية لها.صدرت في دمشق مجموعة قصصية اسمها الريح والملح للكاتب (الفارس الذهبي) وفيها جهد ومعرفة واضحان، كما يوجد فيها معاناة واضحة من خلق حكاية وانصراف بالمقابل الي الشكلانية، وهو ما يعبر عنه الكاتب (الفارس الذهبي) في نهاية القصة الأخيرة من مجموعته فيقول ان بطله الشاب ظل واقفاً يائساً لأنه لا يملك حكاية ليسردها! وفي احدي الزيارات الي دمشق قال لي الصديق الصحافي عمرو سواح عن مشروع روائي سيكتبه معلناً فيه افتقاره الي الحكاية ومعترفاً أن قدومه من عائلة (أسماها تقليدية وقتها) هو سبب افتقاره الي حكايات ولكنه سيكتب معلناً في الرواية عن افتقاره الي الحكايات وانه يرغب بكتابة رواية معلناً فيها غيرته من أصدقائه الذين يروون الحكايا. وهذه مناسبة للاشادة برواية باب الشمس لالياس خوري كمثال صريح عن جيل يردد حكاية أبطال الجيل السابق بينما هو ضائع في حكايته. أعتقد أن جيلاً بعمري يشعر الآن باحباط كبير لافتقاره الي الحكايات، ولعل الأحاديث التي طاردونا بها وهي ضياع الجيل الشاب وسفره وتشتته وفقدان الهوية هي تمهيد ليقولوا اننا وصلنا الي طريق مسدود، وليس لكم سوي الضياع، ولكن ورغم هذا الضياع هناك مطالبة علنية وخفية أيضاً بعدم مناقشة أي من الحكايا السابقة، فكل ما روي لنا مقدس بدءاً من حكايا الجدة وحنينها الي أحفادها والنوستالجيا التي تخلقها الجدة، الي تقديس بطولات الزير والخليقة والايديولوجية وفلسطين وعباس بن فرناس وحاتم الطائي ويوسف العظمة واتحاد الفلاحين ولا يسمح هذا التراث لأحد أن يناقش الحكايات الموروثة. وبالوقت نفسه توجد هناك ممانعة أخري ومبطنة تعيق هذا الجيل من خلق حكايا جديدة مختلفة عما هو سائد خوفاً من الخيانة والالحاد والطيش، لنبقي حائرين أمام منطقة وثقافة تنهار بكل ما تحمل، وليس لنا أمام الأجيال القادمة الا أن نحكي لهم كيف هزمنا من قبل الأعداء أو هزمنا من قبل أنفسنا، لعل الحكايات هذه تكون أكثر حرية.ہ شاعر ومسرحي من سورية يقيم في لندن0