تعقيدات في العلاقات بين روسيا وإسرائيل

حجم الخط
0

على خلفية الحادثة التي وقعت في سماء سوريا، فإن إسرائيل الآن واقعة في ورطة مع الروس، التي من شأنها التأثير بصورة سيئة على حرية العمل الاستراتيجي التي يتمتع بها سلاح الجو في الجبهة الشمالية. إسرائيل ما زالت تنتظر رؤية ما هي الخطوات التي ستتخذها روسيا. هي تستطيع مثلاأن تطلب من إسرائيل إعطاءها تحذيرًا مبكرًا أكثر قبل الهجمات، وتحديد منطقة يكون طيران الطائرات الإسرائيلية فيها محظورًا قرب قواعدها في شمال سوريا، أو تزويد الجيش السوري بأنظمة دفاع جوية جديدة، التي امتنعت حتى الآن عن تزويد نظام الأسد بها.
«يجب أن نتذكر دائمًا الدرس الأول في التاريخ العسكري وهو «لا تلعب مع الروس»، قال في بداية هذا الأسبوع ضابط كبير في الجيش الإسرائيلي ـ ولم يكن يعرف ما الذي تنبأ به. على خلفية الحادثة في سماء سوريا في ليل يوم الإثنين، فإن إسرائيل الآن في ورطة مع الروس التي من شأنها التأثير سلبًا على حرية العمل الاستراتيجي التي يتمتع بها سلاح الجو في الجبهة الشمالية.
إسرائيل هاجمت بواسطة طائرات قتالية أهدافًا إيرانية في سوريا، والدفاعات الجوية السورية حاولت إحباط الهجوم الإسرائيلي وأصابت بالخطأ، بواسطة صواريخ من إنتاج روسي، طائرة «اليوشن» لسلاح الجو الروسي. هذا يبدو بداية نكتة غير ناجحة، لكن التداعيات المحتملة لها ستكون كبيرة.
موسكو ردت على الحادثة بعدة تصريحات لم يكن الواحد منها يتوافق مع الآخر. حقيقة أن الأقوال العلنية للرئيس بوتين كانت حذرة نسبيًا خفضت من التوتر بدرجة ما. وهي من شأنها أن تبرهن على العلاقات الوثيقة التي نسجها معه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في السنوات الأخيرة. مع ذلك، إسرائيل ما زالت تنتظر رؤية ما هي الخطوات التي ستتخذها روسيا لحماية رجالها في سوريا، وما إذا كانت ستتضمن مطالبة من طائرات سلاح الجو الحفاظ على بعد ما عن قواعدها في شمال سوريا.
إسقاط طائرة الاستخبارات الروسية مع طاقمها المكون من 15 شخصًا، وضع الكرملين في حرج في البداية. الساعات الأولى التي أعقبت الحادثة اتهم الروس سفينة فرنسية بإطلاق الصواريخ على الطائرة التي تم إسقاطها. وأول أمس في الصباح، اعترفت وزارة الدفاع الروسية بأن الطائرة أسقطتها نيران مضادة للطائرات السورية.
البطارية المضادة للطائرات هي من نوع «اس200» (المعروفة أيضًا بـ أ اس.آي5)، هذا صاروخ قديم نسبيًا دخل إلى الخدمة للمرة الأولى في الستينيات. عندما يفقد الاتصال مع الهدف الأصلي له من شأنه أن يتحول إلى هدف جوي آخر موجود في المحيط. في السنة الأخيرة زادت النيران المضادة للطائرات السورية أثناء الهجمات الإسرائيلية، وأحيانًا يتم إطلاق عشرات الصواريخ أثناء الهجوم، التي جزء منها موجه للطائرات وجزء موجه لإصابة الصواريخ الإسرائيلية أثناء تحليقها نحو الهدف.
ليس مريحًا للروس الاعتراف بأن سلاحًا زودوا به حلفاءهم هو الذي أدى إلى موت جنود روس. لذلك، فإن الاتهام بالحادثة اختارت روسيا إلقاءه في البداية على إسرائيل. في إعلان وزارة الدفاع والغريب بصياغته، جاء أن الهجوم الإسرائيلي كان «استفزازًا متعمد وعديم المسؤولية»، الذي خلق وضعًا خطيرًا. وزير الدفاع الروسي سرجيه شفيغو قال في محادثة مع نظيره الإسرائيلي ليبرمان، إن روسيا تحافظ على حقها في الرد على إسقاط الطائرة وقتل من عليها.
في يوم الثلاثاء، بعد الظهر، أصدر المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي تعقيبًا رسميًا أوليًا على الحادثة. في الإعلان اعترفت إسرائيل بأن الحادثة بدأت بهجوم لها، وعبرت عن أسفها على موت الجنود الروس، لكنها ألقت المسؤولية الكاملة في ذلك على سوريا وإيران وحزب الله. حسب المتحدث، فإن القصف وجه من أجل إحباط التهريب إلى لبنان المتعلق بـ «مشروع الدقة» لحزب الله ـ آلات تنتج وسائل اعتراض دقيقة، خصصت من أجل تركيبها على أسطول الصواريخ الموجود لدى حزب الله. إسرائيل أبلغت القوات الروسية مسبقًا بالهجوم قبل وقت قصير من القيام به.
من التحقيق الذي جرى صباح يوم الثلاثاء بمشاركة رئيس الأركان وكبار ضباط سلاح الجو، الذي تم إبلاغ نتائجه لرئيس الحكومة ووزير الدفاع، يتبين أن طائرات سلاح الجو كانت قد أصبحت فوق أراضيها عندما بدأ إطلاق الصواريخ السورية. حسب المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي، فإنه يتبين من التحقيق أن إطلاق الصواريخ السورية كان واسعًا وليس دقيقًا. السوريون لم يهتموا بالتأكد من الروس بأنه لا يوجد لهم طائرات في الجو. يبدو أن الإطلاق أصاب الطائرة الروسية عندما كانت تحلق شرق اللاذقية، أي بعيدًا عن الاتجاه الذي منه أطلقت الصواريخ الإسرائيلية قبل ذلك. إسرائيل ترفض بهذا الادعاء الروسي بأن طائراتها القتالية اختبأت خلف الطائرة الروسية، وهذا أدى إلى إصابة الصاروخ المضاد للطائرات لها. في إسرائيل أيضًا يرفضون ادعاء روسيا بأنه سبق الهجوم في منطقة اللاذقية تحذير مدته دقيقة فقط للقوات الروسية، لكنهم يرفضون إعطاء تفاصيل متى أعطي التحذير.
إعلان وزارة الدفاع الروسية أثار غضب إسرائيل. وقبل دخول يوم الغفران جرى تشاور في القيادة الأمنية بالموازاة مع الاتصالات بقنوات مختلفة مع موسكو. وبعد نحو ساعة من إعلان المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي، نشر الرئيس بوتين إعلانًا أوليًا من قبله، وكانت اللهجة أكثر هدوءًا من أقوال وزارة دفاعه. بوتين قال إن إسقاط الطائرة كان نتيجة عدة «أخطاء تراجيدية»، وأكد أن إسرائيل ليست هي التي أصابت الطائرة، وقال إن روسيا ستتخذ خطوات لحماية رجالها ومنشآتها في سوريا.
التفسير العملي لأقواله سيتضح في الأيام القريبة. روسيا تستطيع مثلاأن تطلب من إسرائيل إعطاءها تحذيرًا مبكرًا أكثر قبل الهجوم، وأن تحدد منطقة يحظر فيها تحليق الطائرات الإسرائيلية قرب قواعدها في سوريا، أو تزويد الجيش السوري بأنظمة دفاع جوية جديدة، التي حتى الآن امتنعت عن تزويد نظام الأسد بها.

السابقة التركية

لقد سبق للروس وعملوا في السابق بصورة شديدة بعد الحادثة الجوية التي تكبدوا فيها إصابات في سماء سوريا. في تشرين الثاني 2015، بعد شهرين على بداية الانتشار الجوي الروسي في شمال سوريا، اخترقت طائرة قتالية روسية، كما يبدو بالخطأ، الحدود مع تركيا. الطائرات القتالية التركية أسقطت طائرة «سوخوي» وأحد رجال طاقمها قتل والثاني أصيب وتم إنقاذه. موسكو التي قالت إن الطائرة أطلقت النار عليها في الجانب السوري من الحدود خلقت أزمة سياسية حادة مع أنقرة، وقامت بتحديد منطقة يحظر الطيران فيها على مسافة عشرات الكيلومترات في سماء تركيا أمام قواعدها في شمال سوريا. الرئيس التركي أردوغان عبر عن الأسف على الحادثة، والأتراك منذ ذلك الحين يسيرون على أطراف أصابعهم عندما يدور الحديث عن الوجود الروسي في سوريا. إسرائيل تصرفت بحكمة أكبر بكثير من الأتراك. بعد بضعة أيام على وصول سربي الطائرات المقاتلة الروسية إلى قاعدة «حميميم» في شمال غرب سوريا، سافر نتنياهو بسرعة إلى موسكو من أجل الالتقاء مع بوتين. الاثنان قررا إقامة نظام لمنع الاحتكاك ـ «خط ساخن» الذي بواسطته تبلغ إسرائيل الروس قبل دقائق معدودة من تنفيذ هجمات قرب قواتها في سوريا بهدف منع وقوع أحداث. منذ ذلك اللقاء في أيلول 2015 التقى الرئيسان عشر مرات تقريبًا. الخط الساخن عمل بشكل متواصل وفي عدد من الحالات تم تلاشي وقوع أحداث جوية، عندما اقتربت طائرات روسية بدون طيار من حدود إسرائيل في الجولان أو عندما هاجمت طائرات سلاح الجو الإسرائيلي مواقع قرب القوات الروسية في سوريا.
قبل أسبوعين أبلغ الجيش الإسرائيلي أنه منذ بداية 2017 سجل أكثر من 200 هجمة جوية إسرائيلية في سوريا. القصف وجه في البداية ضد قوافل ومخازن سلاح تشمل وسائل قتالية متقدمة كانت مخصصة لحزب الله في لبنان. في السنة والنصف الأخيرة ركزت إسرائيل جزءًا كبيرًا من جهودها في محاولة لوقف توجه جديد نسبيًا ـ التمركز العسكري الإيراني في سوريا. في هذا الاطار تم قصف قواعد ومواقع تطوير إنتاج سلاح لها علاقة بإيران والمليشيات الشيعية التي تشغلها.
الروس لا يزعجهم كثيرًا أن إسرائيل وإيران تتصارعان فيما بينهما. عندما تطورت الأمور في هذا الأسبوع بصورة عرضية إلى المس برجالها، فإن الرد الروسي كان مختلفًا. نتنياهو سيضطر إلى أن يجند في الأيام القادمة كل قدراته الدبلوماسية من أجل تهدئة التوتر. نتنياهو وبوتين تحدثا هاتفيًا يوم الثلاثاء. رئيس الحكومة اقترح على الرئيس الروسي أن يقوم قائد سلاح الجو الجنرال عميكام نوركن بالسفر إلى موسكو وأن يعرض هناك تفاصيل التحقيق. بوتين وافق على ذلك ونوركن سيترأس وفدًا سيسافر اليوم إلى روسيا.
إذا قررت روسيا أن تظهر طوال الوقت خطًا متشددًا، فإنها تستطيع التشويش على حرية العمل الإسرائيلية في سماء سوريا، لا سيما في شمال غرب الدولة. بالنسبة لإسرائيل هذا أمر حاسم، لأن الإيرانيين سيكونون متحمسين لاستغلال كل هدنة أو قيود على نشاط سلاح الجو من أجل زيادة تهريب السلاح إلى لبنان وتواجدهم العسكري في سوريا.

عاموس هرئيل
هآرتس 20/9/2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية