بغداد ـ «القدس العربي»: جددت الولايات المتحدة الأمريكية، موقفها الثابت في احترام السيادة العراقية، وفيما كشفت عن تشكيل لجنة فنيّة تتولى مهمة ترتيب انسحاب القوات الأمريكية من الأراضي العراقية، وفقاً لرغبة العراق، أكدت أن مهام قواتها هو دعم قدرات القوات العراقية في مواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية».
وجاء في نصّ البيان المشترك، عقب الحوار الاستراتيجي العراقي ـ الأمريكي، إن «وفقاً لاتفاقية الإطار الاستراتيجي لعام 2008 الخاصة بعلاقة الصداقة والتعاون بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الأمريكية، ترأس وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، ووزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، وفدي جمهورية العراق والولايات المتحدة الأمريكية في اجتماع لجنة التنسيق العليا عبر المهاتفة المرئية».
وجدد الجانبان تأكيدهما على «أهمية العلاقات الثنائية القوية التي تعود بالنفع على الشعبين العراقي والأمريكي. وتناولت النقاشات قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب، والاقتصاد والطاقة والبيئة، والقضايا السياسية، والعلاقات الثقافية، كما شارك في الحوار ممثلون عن حكومة إقليم كردستان».
وأكد الطرفان على «أهمية مبادئ اتفاقية الإطار الاستراتيجي، وجددت الولايات المتحدة تأكيد احترامها لسيادة العراق وسلامة أراضيه وللقرارات ذات الصلة والتي صدرت عن السلطتين التشريعية والتنفيذية العراقية».
وأشار البيان إلى أن «العراق والولايات المتحدة يدركان الصعوبات التي تسبب بها فيروس كورونا وتباطؤ الاقتصاد العالمي، وأعادا التأكيد على شراكتهما الاقتصادية القوية. كما أثنت الولايات المتحدة على الخطوات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة العراقية الخاصة بالانضمام إلى اتفاقية نيويورك للتحكيم وإدخال نظام (منح التأشيرات عند الوصول) من اجل تعزيز التجارة الدولية والاستثمار الأجنبي. ويعتزم كلا البلدين العمل بشكل وثيق مع بعضهما فيما يلتزم العراق بتنفيذ الإصلاحات من اجل تنويع اقتصاده، وتحسين مناخ العمل، وتقديم المساعدة لإنشاء قطاع خاص أكثر حيوية».
فرصة للشركات الأمريكية
وجدد الوفد الأمريكي تأكيده أنه «في إمكان الشركات الأمريكية تقديم المساعدة في تنويع الاقتصاد العراقي، من خلال الاستثمار في المشاريع التي من شأنها خلق فرص العمل وتحسين الخدمات العامة والمساعدة في تطوير موارد الطاقة في البلاد».
كما ناقش البلدان أهمية «زيادة التعاون بينهما لمكافحة جائحة كورونا. حيث ساهمت الحكومة الأمريكية بتقديمها الأموال لتجديد وتجهيز مختبرات الصحة العامة العراقية، وتبرعها بأجهزة فحص فيروس كورونا ومعدات الحماية الشخصية بالإضافة الى تدريبها علماء الأوبئة العراقيين على سبل تحديد والاستجابة لحالات تفشي المرض الحالية والمستقبلية».
وأعربت الولايات المتحدة عن «دعمها للجهود التي بذلها العراق لإصلاح قطاع الطاقة من أجل توفير طاقة كهربائية رخيصة بانقطاعات اقل للمواطنين. وأكد البلدان دعمهما لقرار العراق الخاص بتنويع مصادر طاقته من خلال بناء وتقوية أواصر العلاقات مع دول الجوار كالأردن ودول مجلس التعاون الخليجي، والمضي قدماً في مشاريع ربط الشبكة الكهربائية».
وأشار كل من العراق والولايات المتحدة إلى نيتهما المشتركة لـ«معالجة حالة الطوارئ المناخية والعمل معاً لتعزيز الطاقة النظيفة ومكافحة تغير المناخ، بما في ذلك العمل مع القطاع الخاص في الولايات المتحدة، من خلال تنفيذ المشاريع التي تعزز تنمية الطاقة النظيفة، وتحسين سبل توليد الكهرباء باستخدام الطاقة الشمسية وتطوير كفاءة انتاج الطاقة، ومعالجة الغاز المصاحب لاستخراج النفط. ان مثل هذه المشاريع تزيد من المساهمة في تنفيذ التزامات العراق تجاه اتفاقية باريس للتغير المناخي وهذا تطور ايجابي ترحب به الولايات المتحدة».
وناقش البلدان التعاون مع الهيئات العلمية الأمريكية لمساعدة العراق في تحسين ادارة وحماية موارده البيئية والطبيعية بما فيها الموارد المائية. كما رحبت الولايات المتحدة بـ«التقدم المحرز في العلاقات ما بين الحكومة الاتحادية في العراق وحكومة إقليم كردستان بتوصلهما الى اتفاق بشأن الموازنة والطاقة والقضايا الاستراتيجية الأخرى».
وجددت الولايات المتحدة تأكيدها على «احترام سيادة العراق وسلامة أراضيه وحرية التعبير التي يكفلها الدستور العراقي».
حماية المتظاهرين والنشطاء
وناقش الوفدان السبل التي يمكن للولايات المتحدة أن تدعم من خلالها الحكومة العراقية فيما يخص توفير الحماية للمتظاهرين السلميين ونشطاء المجتمع المدني وتحقيق المساءلة القانونية.
ورحب العراق بـ«دعم الولايات المتحدة للانتخابات البرلمانية من خلال تمويلها بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق. واتجه البلدان بشكل مشترك الى تمديد الحد الأقصى لمدة صلاحية تأشيرات الدخول للدبلوماسيين والوفود الحكومية لتصل الى عامين، وبالتالي تقليص التأجيلات الإدارية في كلا البلدين، وسيضمن ذلك سهولة أكبر في السفر والتواصل المباشر بين الحكومتين. كما جددت الولايات المتحدة عزمها المستمر على دعم العراق في التوصل لحلول دائمة فيما يخص النازحين داخلياً بحيث تكون هذه الحلول طوعية وآمنة وكريمة، بالإضافة الى تقديم المساعدة للفئات التي تعرضت للإبادة الجماعية من قبل داعش. كما ناقش البلدان العمل على تحقيق المزيد من التقدم في مجالات التعاون القضائي واستعادة الممتلكات وفي مكافحة الفساد».
وفي النقاشات المتعلقة بالأمن ومكافحة الإرهاب أعاد الطرفان التأكيد على رغبتهما المشتركة بـ«مواصلة التنسيق والتعاون الثنائي، كما اكد البلدان ان وجود القوات الأمريكية في العراق جاء بناءاً على دعوة الحكومة العراقية لغرض دعم القوات الأمنية العراقية في حربها ضد داعش».
وفي ضوء تطور قدرات القوات الأمنية العراقية توصل الطرفان إلى أن «دور القوات الأمريكية وقوات التحالف قد تحول الآن إلى المهمات التدريبية والاستشارية على نحو يسمح بإعادة نشر المتبقي من القوات القتالية خارج العراق، على أن يتفق الطرفان على التوقيتات الزمنية في محادثات فنية مقبلة. يعكس هذا التحول في طبيعة مهمات القوات الأمريكية والقوات الدولية الأخرى من العمليات القتالية إلى التدريب والتجهيز والمساندة نجاح شراكتنا الاستراتيجية ويضمن دعم الجهود المتواصلة للقوات العراقية لضمان أن داعش لن تهدد استقرار العراق مجددا».
وجددت الحكومة العراقية، حسب البيان المشترك، «التزامها بحماية أفراد وقوافل التحالف الدولي والبعثات الدبلوماسية التابعة لدوله. وقد شدد البلدان على أن القواعد التي يتواجد بها افراد التحالف هي قواعد عراقية وهم موجودون فيها حصرا لدعم جهود العراق في الحرب ضد داعش. وينوي البلدان مواصلة المحادثات عبر لجنة عسكرية مشتركة لضمان انسجام عمليات التحالف الدولي مع احتياجات القوات الامنية العراقية، وبضمنها قوات البيشمركه».
وفي مجال التعليم العالي والتعاون العلمي والثقافي، ناقشت الحكومتان «دعم الولايات المتحدة للجهود التي يبذلها العراق لتعزيز التعليم العالي بالتعاون مع الجامعات الأمريكية.
استعادة أرشيف «البعث»
واستعرض الوفدان «التقدم المحرز في جهودهما المشتركة للحفاظ على التراث الثقافي الغني للعراق والتنوع الديني، وأكدا عزمهما على التعاون لإعادة الممتلكات الثقافية العراقية التي أدخلت الى الولايات المتحدة بشكل غير قانوني، إلى مكانها الصحيح في العراق».
في الختام، جدد البلدان تأكيدهما على أهمية «العلاقة الاستراتيجية بينهما وعزمهما على مواصلة اتخاذ الخطوات المناسبة لتعزيزها بما يخدم مصلحة البلدين ويحقق الأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة. كما رحبت الولايات المتحدة بفرصة اعادة تأكيد وتعزيز شراكتها مع العراق. وتتطلع الحكومتان إلى مزيد من المناقشات حول القضايا المذكورة أعلاه في اجتماع لجنة التنسيق العليا للحوار الاستراتيجي والذي سيعقد في وقت لاحق».
ترحيب عراقي ـ أمريكي بنتائج الحوار
لاقت الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي العراقي ـ الأمريكي، ردود أفعال «إيجابية» لدى الأوساط السياسية العراقية والأمريكية.
وأدلى وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، بأول تعليق بعد عقد جولة جديدة من الحوار الاستراتيجي مع العراق.
وقال في «تدوينة» له «تشرفت بالتحدث مع وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في أول حوار استراتيجي بين الولايات المتحدة والعراق كوزير للخارجية».
وأضاف: «أنا متفائل بشأن الطريق إلى الأمام بعد مراجعة التقدم الذي أحرزناه في كل مجال من مجالات شراكتنا الواسعة والاستراتيجية».
كذلك، أكد السفير الأمريكي في العراق، ماثيو تولر، التزام الرئيس الأمريكي، جو بايدن، تجاه العراق، فيما لفت إلى أن مهمة قوات بلاده في العراق «تدريب واستشارة».
وقال خلال طاولة حوارية، أن «تواجد قواتنا في العراق للتدريب والاستشارة وتم الاتفاق على تشكيل لجنة عسكرية مشتركة» مؤكداً مساعدة بلاده «في الحرب ضد عصابات داعش الإرهابية».
وأضح أن «البيان المشترك للجوالة الثالثة من الحوار الاستراتيجي أكد مساعدة العراق في جميع الأصعدة». وأضاف أن «أمريكا أسهمت خلال هذه السنة المالية بــ340 مليون دولار في بناء المحافظات التي دمرت على يد داعش الإرهابية، وفي السنة الماضية وفرت نصف مليون دولار للعراق من اجل دعمه عسكرياً بصيغة منح» متوقعاً أن «الحكومة العراقية خلال ميزانيتها ستغطي حاجتها من دون الرجوع الى مساعدة القوات الأمريكية «.
وأشار إلى أن «تحقيق هذه الغاية سيتم من خلال اللجنة الاستشارية المشتركة».
وبين، أن «الحوار بين بغداد وواشنطن ركز على الجوانب المشتركة، كما ركز على مصلحة العراق» لافتاً إلى أن «الحوار أظهر الالتزام الجدّي من قبل الرئيس بايدن».
وعبّر السفير الأمريكي عن «رضا» بلاده على الدعم القوي الذي تقدمه الحكومة العراقية في حماية المنشآت الاجنبية» مبيناً أن «القلق مستمر، لاسيما في استمرار قصف بعض القوافل الحاملة للمساعدات الى العراق».
ولاقى الحوار ترحيباً داخلياً في العراق، إذ أصدر ائتلاف «النصر» بزعامة رئيس الوزراء الأسبق، حيدر العبادي، بياناً صحافياً، جاء فيه: «نرحب بمخرجات الحوار الاستراتيجي العراقي الأمريكي، بما يتصل بتوصيف وتنظيم وجود القوات الأمريكية، واقتصارها على المهام التدريبية والاستشارية» داعيا إلى «إنجاز الاتفاق الفني لجدولة خروج القوات القتالية وفق الرؤية والحاجة التي تقدّرها المؤسسات العراقية المختصة».
وأكد «النصر» خلال البيان «دعمه للسياسات والمواقف الحكومية والوطنية المتصلة بحفظ وتعزيز المصالح والسيادة العراقية تجاه الدول كافة، فقضايا الوحدة والمصالح والسيادة الوطنية كل لا يتجزأ في تعامل العراق مع جميع الدول دون استثناء».
كذلك، رحب رئيس تحالف «عراقيون» عمار الحكيم، بنتائج الحوار.
وقال، في «تغريدة» على تويتر: «ما تمخض من جولة الحوار الاستراتيجي الإيجابية بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية، أمر يبعث على السرور ويدل على رصانة وحرفية ومهنية ووطنية الوفد العراقي المفاوض في رسم معالم العلاقة المستقبلية بين البلدين».
وأضاف: «فيما نتقدم بالشكر الجزيل للحكومة العراقية على هذا الجهد الوطني نحث على ضرورة الجدية في متابعة مخرجات الحوار في مختلف المجالات، لاسيما الأمنية منها بما ينهي وجود القوات القتالية في العراق ويفتح آفاق التعاون في المجالات المدنية».
لكن عضو «مفوضية حقوق الانسان» علي البياتي، عبّر عن استغرابه من خلو بيان الحوار، من مصطلح حقوق الانسان.
وقال، في «تدوينة» له، إن «البيان الأخير بشأن الحوار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة قد خلا من ذكر مصطلح حقوق الانسان، على الرغم من تطرقه لفقرات مهمة شملت ضمان عودة طوعية أمينة وكريمة للنازحين داخليا، وتقديم مساعدة المجتمعات التي تعرضت إلى إبادة جماعية خلال فترة احتلال داعش لبعض المحافظات، واحترام حرية التعبير عن الرأي المكفولة دستوريا، إضافة إلى حماية الناشطين والمتظاهرين وضمان محاسبة الجهات المتورطة بالاعتداء على المحتجين».