«سندمر اقتصاد تركيا إذا مست بالأكراد»، هذا ما بشرت به تغريدة الرئيس ترامب. «دبلوماسية كف اليد» التي يدير بها ترامب الحروب والسياسات التي تحدث بواسطة الهاتف الذكي، لا تجعل حاجة للدبلوماسية الكلاسيكية وربما حتى إلى استخدام القوة الصلبة مثل إرسال القوات العسكرية أو فرض العقوبات. تهديد قصير، بضع عشرات من الخطوط والزبائن يخضعون، أو هكذا على الأقل يؤمن ترامب.
إذا وجب على ترامب، في آب، استخدام عقوبات حقيقية ومضاعفة الضرائب على الألمنيوم والفولاذ التي يتم استيرادها من تركيا من أجل أن يوافق أردوغان على إطلاق سراح القس اندرو برونسون من السجن، يبدو كافياً الآن التهديد الذي تسبب بانخفاض 1.5 في المئة في سعر العملة التركية من أجل نقل الرسالة.
الليرة التركية تحسنت قليلاً بعد هذه التغريدة في هذا الأسبوع، لكنها ما زالت غير قادرة على العودة إلى ما كانت عليه في آب، ففي حينه انخفضت إلى 7.3 ليرة للدولار.
الاقتصاد أو الأكراد، هو نوع جديد من الإنذار الذي يوجهه ترامب لأردوغان، حتى أنه تهديد أصيل، تفسيره هو أن تركيا التي حتى قبل شهر أعلنت عن نيتها احتلال مناطق كردية في سوريا، لن تضطر فقط إلى كبح نزواتها، بل ستدافع أيضاً عن الأكراد إذا لم ترغب في تعطيل «الخطة الاقتصادية الجديدة» التي تم تبنيها في أعقاب الأزمة الاقتصادية الشديدة التي تسود فيها.
بصورة متناقضة، حول ترامب الاقتصاد التركي إلى سور واقي للأكراد. هذه خدعة غير سيئة مقارنة مع الأخطاء الأخرى في مجال سياسة الرئيس الأمريكي الخارجية، شريطة أن اردوغان، الذي وضع أكثر من 80 ألف جندي على الحدود قبيل الغزو الواسع لسوريا، سيتصرف حسب القواعد ولن يجتاز الحدود.
وكما يستطيع ترامب أن يستنتج من سلوك روسيا، فإن عقوبات اقتصادية على تركيا يمكن أن تثمر نتائج سياسية. يبدو أيضاً أن التوقيت قد يساعد التهديد الأمريكي.
الصعوبات الاقتصادية التي تقف أمام تركيا هي التي ستقف في بؤرة الانتخابات المحلية التي ستجرى في نهاية آذار وستكون اختباراً لقوة الحزب الحاكم وقوة اردوغان أيضاً.
ضعف الليرة التركية والتضخم الذي يبلغ 20 في المئة ويرفض الانخفاض، والبطالة المرتفعة التي تبلغ 12 في المئة، والدين الوطني الكبير، والنمو الذي تراجع من 7 في المئة إلى 1.7 في المئة في الربع الأخير من السنة الماضية، وفي ظل غياب خطة أصلية ناجحة لتحسين وضع السوق ـ كل ذلك هو معطيات انطلاق يمكنها أن تضمن النجاح للضغط الاقتصادي الأمريكي. ولكن هذه العقوبات التي ستخيف المستثمرين الأجانب يمكنها أن تضر بصورة شديدة أيضاً الشركات الأمريكية الغارقة عميقاً في السوق التركية، وأساسًا يمكنها أن تدفع تركيا أكثر إلى احضان روسيا المفتوحة، وربما حتى الانسحاب من الناتو.
هذه الاعتبارات سبق لها ودفعت ترامب إلى التنازل للحظة عن «تويتر» وإدارة مكالمات هاتفية مع اردوغان في محاولة للتوصل إلى تفاهمات جديدة حول التعامل مع الأكراد.
ولكن حتى لو تم إيجاد حل سياسي يضمن حماية الأكراد، فإنه لن يزيل العقبات الاقتصادية لتركيا، وخاصة عندما يستمر اردوغان في التمسك بسياسة خفض الفائدة رغم التضخم.
تقديرات اقتصادية تتحدث منذ فترة عن ركود آخذ في الترسخ أو على الأقل، أن تركيا تسير بسرعة نحو الركود. أحد المؤشرات على ذلك هو تقليص حجم العجز في ميزان المدفوعات، ويبدو أن هذا معطى إيجابي، لكنه في تركيا ينبع في الأساس من تقليص حجم الاستيراد لأغراض الإنتاج، الذي ينبع من تقليص الاستهلاك. المصانع تنتج أقل، والمصالح الصغيرة والمتوسطة تغلق، ومن يحصلون على القروض، بالذات القروض بالدولار، يجدون صعوبة في تسديدها، ومن هنا المسافة قصيرة للمس باستقرار النظام البنكي.
في السنة الماضية خصصت الدولة قروضاً بفوائد مفضلة لأصحاب المصالح الصغيرة والمتوسطة، بمبلغ 129 مليار دولار. وفي هذه السنة يتوقع أن تخصص قروضاً أخرى. في موازاة ذلك، رئيس اتحاد البنوك، بوسيان آيدن، قال في هذا الأسبوع إن البنوك قامت بإعادة جدولة قروض بمبلغ 21.2 مليار دولار. وفي تشرين الثاني سيكون العمل من أجل التخفيف على المقترضين، أما الفائدة على الديون في بطاقات الاعتماد سيتم خفضها بـ 0.5 إلى 1.1 في المئة شهرياً، والقروض التي تقل عن 100 ألف ليرة تركية ستحظى بالإعفاء من ضريبة تأخير السداد إذا وافق المقترض على إعادة جدولتها.
هل تستطيع البنوك تحمل هذه المهمة التي فرضها عليها اردوغان، وأن تساعد في القروض التي ستزيد النمو في السوق بـ 3.5 في المئة، كما تعهد وزير الاقتصاد التركي؟ لا توجد أي معضلة بالنسبة لآيدن. «ميزان الدولة أهم من ميزان البنوك.
إذا حصل نمو في تركيا، وإذا كسبت، وإذا أصبحت قوية، فإن البنوك ستنمو وتكسب وتكون قوية»، قال. إلا أن آيدن هو أيضاً رئيس بنك «زرآت»، البنك الحكومي الأكبر في تركيا، ويستطيع الاعتماد على حبل النجاة الذي ستلقيه له الحكومة إذا واجه البنك أي صعوبات.
في هذه الأثناء فإن الكرم الذي يظهره آيدن لا يقنع الجمهور. ففي استطلاع أجري هذا الشهر أوضح 59 في المئة من المستطلعين أن الاتجاه الاقتصادي في الدولة يذهب سلباً. هذا هو الجمهور الذي اضطر إلى دفع حوالي 9 في المئة أكثر على الكهرباء والغاز، وحوالي 16 في المئة من إجمالي الدخل المتوسط على المواصلات. بعد شهرين ستجد هذه الأمور تعبيرها في الانتخابات المحلية، عندها يمكن لأردوغان أن يفهم ما الأهم بالنسبة لمواطنيه ـ احتلال المناطق الكردية مع المخاطرة بفرض عقوبات أمريكية أو إعادة اصلاح الاقتصاد.
تسفي برئيل
هآرتس 17/1/2019