تغول الصراع الدولي
تغول الصراع الدولي اهتمت مختلف المرجعيات المعرفية في العصر الحديث بفكرة الصراع بوصفه نشاطا منسحبا علي كافة المجالات، وتعدّ المقاربات الانثروبولوجية وذات الصلة بعلم الاجتماع أكثر المرجعيات اهتماما بفكرة الصّراع تدعمها في ذلك آليات التحليل الاقتصادي الرأسمالي والاشتراكي علي حدّ سواء، كما أنّها تفيد كثيرا ممّا توصّلت إليه العلوم السياسية من رصد لأشكال منظورة من الصراعات بين التنظيمات السياسية في مستوي القطر الواحد أو في مستوي الكتل والتجمعات الإقليمية والدولية.وتتفق جلّ الهياكل العلمية والبحثية ذات العلاقة بالموضوع علي أن الصراع أصبح مهيمنا علي أنماط العلاقات بين الدول والشعوب، فالحصار الاقتصادي والسياسي وانتقال حاملات الطائرات من فضاء إلي آخر واستدعاء الاحتياطي من الجيوش والاحتلال المباشر والتهديد بالعقوبات من مجلس الأمن والترهيب بمنع المساعدات والتهديد بتنفيذ عمليّات ميدانية ضدّ المدنيين مظاهر مختلفة لأشكال الصراع الحضاري بين مكونات النظام العالمي الجديد.إنّ سعي مراكز الأبحاث المتخصصة لتفكيك الآليّات المفضية إلي وقوع الصراع الحضاري انطلاقا من تجربة الأمريكيين في جامعة متشغان سنة 1959 لم يفض إلي نتائج عملية رغم إلحاحه المستمرّ علي مخاطر الصراع ليس علي القوي الدوليّة الضعيفة فحسب، بل كذلك علي القوي المتحكمة المسيطرة علي هذا الصراع، فلم يعد للحروب بمختلف أشكالها العسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية، منتصرون ومنهزمون، بل أصبح لها منهزمون بخسائر كبيرة ومنهزمون بخسائر أقل، ورغم حرص مؤسسات البحث المختلفة علي محاصرة إرهاصات ظاهرة الصراع وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية التي شهدت اندفاعة أكاديمية تنظيريا وميدانيا، فإن بداية القرن الحادي والعشرين تؤكّد وجود مظاهر من الصراع العالمي منفلتة من كل رقابة، ذلك أنّها لا تخضع للمعايير السائدة في تحديد الأسباب المفضية إلي نشأتها من جهة وبيان الإجراءات الكفيلة بحلّها من جهة أخري.لقد أدّي تنامي القوّة العسكريّة للولايات المتحدة الأمريكية بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار المعسكر الشرقي إلي اختلال فعلي في التوازن الدّولي، وأسهم انعدام وجود الرادع الموازي في دفع الولايات المتحدة إلي البحث عن بدائل اقتصادية بطـــــرق لا تولي أيّة أهميّة للمعايير الدوليّة التي كرّستها المنظمات العالمية وفي مقدّمتها منظمة الأمم المتحدة، فغزو بنما والصومال واحتلال أفغانستان والعراق، ومساعدة بعض الحركات السرية في أمريكا اللاتينية نتائج قصيرة ومتوسطة المدي للانهيار الاقتصادي الذي شهدته الولايات المتحدة عقب انتهاء الحرب الباردة.عثمان صادق شريحةباحث أكاديمي تونسي6