تغير الموقف المجتمعي من اعتقال المرأة العراقية

حجم الخط
0

هيفاء زنكنة

تم يوم أمس اطلاق سراح الكاتبة والصحافية كلشان البياتي بعد ان أصدرعدد من المنظمات والهيئات العراقية المستقلة، من بينها هيئة إرادة المرأة، عضو المؤتمر التأسيسي العراقي الوطني، البيانات والتصريحات المنددة باعتقالها في الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) الجاري من داخل بيتها في مدينة تكريت. وقد طالب بيان الهيئة باطلاق سراح الصحافية، مراسلة صحيفة الحياة الصادرة في لندن، فورا وبغض النظر عن اسباب الاعتقال: (أولا، احتراما لمبدأ حرية التعبير عن الرأي. وثانياً، لأنها ناشطة وطنية ووسيلتها الكلمة. وثالثاً، لأنها امرأة لا يجوز اعتقالها إلا بتهمة جنائية وبعد أن تثبت التهمة الجنائية ضدها). وقد ذكرت وكالة الانباء الفرنسية، نقلا عن مصدر عراقي رسمي، بان (كلشان اعتقلت بتهمة تقديم مساعدة للمسلحين في منطقة تكريت، واوضح مصدر في المكتب الاعلامي التابع لمحافظة صلاح الدين ان قوة امنية دهمت ليلا منزل الصحافية فاعتقلتها مع شقيقها نجاد البياتي. وان القوة صادرت اجهزة كمبيوتر وسيارة حديثة واشار الي ان السيارة تستخدم في عمليات يشنها مسلحون ضد القوات العراقية في المنطقة). تدل الحملة السريعة والمكثفة التي شنت للتنديد باعتقال البياتي والمطالبة باطلاق سراحها الفوري بان اعتقال المرأة من قبل قوات الاحتلال لم يعد امرا مسكوتا عليه. واذا كان كان العامان الاوليان من الاحتلال قد تميزا بالصمت المجتمعي المحيط باعتقال المرأة العراقية فان العام الاخير قد شهد تغيرا تدريجيا ملحوظا في التعامل مع القضية. وقد وصل الصمت في بعض الحالات، سابقا، حد انتقال عائلة المعتقلة من بيتها ومنطقتها الي مكان آخر، حماية للمرأة ولبقية افراد العائلة من احتمال الملاحقة مستقبلا، أو تجنبا للفضيحة وتسترا علي ماحدث اثناء الاعتقال كما تم في حالات قليلة موثقة قتل المرأة غسلا للعاربعد اطلاق سراحها. واعني بالمعتقلة هنا المعتقلة لاسباب أمنية حسب المصطلح الامريكي المستخدم في البيانات والتصريحات الرسمية لقوات الاحتلال. وهو مصطلح مطاط يمكن ان يتحول، حسب حاجة المحتل، الي مصطلح (الارهابية) او (الانتحارية) أو (المحرضة علي الارهاب) أو (تقديم مساعدة للمسلحين) كما في حالة كلشان البياتي. وقد لا تكون كل حالات الاعتقال واضحة الملامح كما في حالة البياتي لكونها صحافية معروفة، الا ان التغير التدريجي والجوهري تجاه المرأة المعتقلة، بدا واضحا ازاء كل المعتقلات تعسفيا، من خلال متابعة عمل بعض الهيئات والمنظمات الاسلامية المناهضة للاحتلال والداعمة للمقاومة خاصة، فضلا عن المنظمات والهيئات الاعلامية المستقلة وكل الناشطين في مجال الاعلام الالكتروني، فضلا عن المواقع الحيوية ذات التواصل المباشر مع ابناء الشعب. حيث تحولت قضية المعتقلة لاسباب أمنية من امر مسكوت عنه عيب يتطلب الستر الي قضية تستدعي التنبيه الفوري حماية لحياتها وحرصا عليها لئلا يمسها مكروه ومن ثم الدفاع عن كرامتها والاعتزاز بمواقفها حياتيا ومهنيا. وهو تغير مواز لازدياد وتصاعد حملات المداهمة والاعتقال التعسفي المستهدف لها من قبل سلطات الاحتلال وصمت المتعاونين معه، بضمنهم بعض المنظمات النسوية اليسارية والاسلامية معا. مما يعيدنا الي التقسيم السياسي والاخلاقي الواضح في العراق منذ احتلاله. حيث يقف معسكر الاحتلال من جهة والمعسكر المناهض للاحتلال من جهة ثانية. وقد بدا التغيرالتدريجي بعد فضيحة جرائم ابو غريب وشروع عدد من المعتقلين الذكور بالحديث علانية عن الانتهاكات المهينة وبضمنها الجنسية التي تعرضوا لها، كما اسس المعتقل السابق في ابو غريب حاج علي منظمة للدفاع عن المعتقلين في سجون الاحتلال. هذا لايعني ان المعتقلات جميعا يتبرعن بالحديث عما يتعرضن له لان جروح الاعتقال والتعذيب النفسي عميقة تهز صميم الانسان ولا تشفي خلال ايام الا ان التغيرات مشجعة. كما ان نقل محنة الاعتقال من المستوي الشخصي الي العام وربطها بنضال الشعب ومقاومته للاحتلال حرر الناس من الاحساس بالاذلال المرتبط ضمنيا بالوجود في المعتقل. فاكتسب فعل مقاومة المحتل والاعتزاز بالحرية والحرص علي وحدة وكيان الوطن والاهل قوة طهرانية تتجاوزحدود الاعتقال وانتهاكاته المشينة. لترسخ، بشكل لايتطرق اليه الشك، بان جوهر النظرة الي المعتقلة يجب ان يكون باتجاه تحميل سلطات الاحتلال مسؤولية ما يجري لها وعدم تحميلها الذنب والعار بسبب جرائم الاحتلال. والملاحظ ان هذا الموقف لتجنيد القوي لمناصرتها في محنتها والاعتزاز بها وبحضورها يتم باساليب متعددة مثل الحملات المطالبة بالافراج عنها فور اعتقالها او الاضراب لصالحها احتجاجا، كما في حالة الطبيبة سناء البدري التي اعتقلت لانها احتجت علي سرقة قوات الاحتلال لمصاغها اثناء مداهمتهم بيتها، او التهديد بالاضراب او المظاهرات كما في حالة الشابة سارة الجميلي من الفلوجة، او اصدار البيانات المستهجنة وبلهجات تراوح ما بين الاعتزاز بالدين ومساءلة قوات الاحتلال عن وعودهم بشأن الحرية وحقوق الانسان، كما يفعل قسم الثقافة والاعلام في هيئة علماء المسلمين حالما يصله خبر اعتقال امرأة، كما حدث يوم أمس، اذ أصدر القسم تصريحا صحافيا استنكر فيه قيام قوات الاحتلال الامريكي باعتقال اربع نساء وقريب لهن من حي العامرية غرب بغداد اذ تمت مداهمة بيت المواطن محمود حماد مصطفي العاني في الساعة الثانية بعد منتصف الليل واعتقل مع والدته كريمة أحمد وزوجته هبة عبد الجبار وضيفتين واقتيد الجميع الي جهة مجهولة. وحملت الهيئة قوات الاحتلال الامريكي والحكومة مسؤولية هذه الاعمال البشعة والارهابية وطالبت باطلاق سراح المعتقلات فورا. وقد صرحت، رئيسة لجنة المرأة والطفل في مجلس النواب سميرة الموسوي، أخيرا بأن عدد المعتقلات في السجون العراقية بلغ 231 معتقلة حسب آخر إحصائية لوزارة حقوق الإنسان، وان معظمهن محتجز بدون اجراء تحقيق معهن، وان اسباب الاعتقال لن تكون واضحة ما لم يتم التحقيق. وقد حدث التغير المجتمعي تجاه المعتقلة من قبل الاحزاب والمنظمات والهيئات المناوئة والمقاومة للاحتلال بينما لم يحدث اي تغيير في الجهة الثانية اي سلطات الاحتلال والمتعاونين معها. فصار الاسراع بالاعلان عن اعتقال المرأة والقيام بكل ما هوممكن للعمل علي اطلاق سراحها مقتصرا علي المناهضين للاحتلال. فانتقلت قضية اعتقال المرأة والخوف عليها من السكوت علي العيب حرصا علي شرف العائلة والعشيرة وخوفا من الانتقام والاتهام بموالاة النظام السابق الي مستوي جديد للتعامل. وهو معاملة المرأة باعتبارها مواطنا عراقيا معرضا لجرائم الاحتلال وانتهاكاته، حالها حال الرجل. ما يميزها عن الاخرين اناثا وذكورا هو الموقف من الاحتلال وكيفية مقاومته. وصار الدفاع عن حرية المرأة العراقية وحقها في الحياة الكريمة، جزءا من مقاومة الاحتلال، وتحقيقا عمليا لمساواتها في الحقوق والواجبات مع شريكها الرجل. وهو أمر يختلف تماما عن تشدق الاحزاب والمنظمات النسوية المتعاونة مع الاحتلال بحقوق المرأة وحريتها لفظيا في محترفات (بناء الديمقراطية)، بينما تنتهك حقوق المرأة بأقسي الاشكال يوميا. بدءا من الانتهاك الاقتصادي فقرا وحرمانا الي سوء الخدمات الصحية والتعليمية والبطالة واستجداء أبسط متطلبات الحياة، وفي معظم الاحيان، هذه الايام، فقدان حق الحياة نفسها نتيجة الخوف والترويع وقلة الامان. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية