تغيير صورتنا في الغرب

حجم الخط
0

د. علي محمد فخرو

عندما يُظهر استطلاع للرأي في أمريكا بأن الرأي العام الأمريكي ينظر في غالبه للشعوب العربية والإسلامية بأنها شعوب متأخرة، بدائية، غير متحضرة، تسيء معاملة النساء، مولعة بالحروب، متعطشة للدماء، غدارة ماكرة، وبربرية قاسية. وعندما يجيب بعض تلامذة مدرسة في الغرب بأن المسلمين هم أتباع ديانة غريبة، ديابة عجيبة الأطوار وسحرية، وأن المسلمين هم شعب ذو دين مضحك، وأنهم كفار يمارسون تعدُّد الزوجات. وعندما تصبح، صورة العربي المسلم كانسان إرهابي مخرب، متعصّّّّّّّّّّب متخلف، جزءاً من التراث الإعلامي الغربي. وعندما يوجد أكثر من ألف فيلم من إنتاج هوليوود يتعامل مع العرب والمسلمين علي أنهم من الأشرار الأنذال، يشترون النساء ويبيعونهن في أسواق النخاسة، وأن نساءهم لسن أكثر من مغويات ماكرات ساحرات، وأنهم إما أصحاب ملايين مبتذلين، أو بدو ساذجين أو راقصات شبقات أو من الإنتحاريين المهووسين.

وعند ما تضع كتب التاريخ المدرسية، في أغلب بلدان الغرب، العرب خارج إطار التاريخ فلا تذكر تاريخهم، أو أنها تذكر هذا التاريخ بصيغ سلبية تقلل من إنجازاتهم الحضارية. وعندما تعج المكتبات الغربية بكتب القصص والروايات التي ترسخ تلك الصور النمطية الجارحة المستهزئة وتربطها بتاريخ مليء بالآلام من مثل الحروب الصليبية أو هجمات القراصنة منذ قرون أو استشراق مبتذل. عندما تكون الثقافة الشعبية والثقافة العالمة في بلاد الغرب مملوءة حتي النخاع بصور تلك النمطية فاننا أمام ظاهرة ليست وليدة الساعة، وليست نتاج هذا الحدث من مثل مأساة الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) أو ذاك الحدث من مثل تصريحات نارية لزعيم عربي أو مسلم. إنها نتاج لذاكرة تاريخية مشوشة ومنحازة تكونت بصورة تراكمية عبر القرون ودخلت في نسيج الثقافة الغربية ونظرتها للآخر العربي المسلم. وأصبحت تلك الذاكرة التاريخية ثقافة رمزية غريزية تتفجر غضباً وتجريحاً وإقصاء بعد كل عمل إرهابي أو عند كل توتر سياسي أو عند أي ممانعة إسلامية للذوبان في ثقافة الغرب. هل يعقل أن محنة ثقافية تاريخية بمثل هذا العمق والاتساع يمكن مواجهتها بحملات علاقات عامة تتمثُّل في إنشاء بضع محطات تلفزيونية أو نشر بضع جرائد ومجلات تتحدث باللغات الانكليزية والفرنسية والإسبانية أو في حركة ترجمة نشطة للكتب العربية والإسلامية إلي تلك اللغات؟ هذه بالطبع خطوات ستكون مفيدة ولكنها ستبقي هامشية التأثير تماماً مثل صبغة اليود التي توضع علي جرح مليء بالقيح والجراثيم. أساس حل تلك الإشكالية لن يكون في مثل كذا خطوات، بل في مكان آخر.

هنا يجب أن نكون صريحين مع انفسنا. فإسهام العرب والمسلمين في تكوين صورتهم السلبية النمطية تلك هو كبير للغاية. فأوطانهم تزخر بالحروب والصٍّراعات والاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان وكل مظاهر التخلف الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي، وجالياتهم في بلاد المهجر متشرذمة ومتخاصمة وغير ملتزمة. إن أوطاناً وشعوباً مثل تلك لايمكن أن تحظي بالاحترام وإنما في الواقع تجتذب الاستعداء والإحتقار. وإذن ففي قلب هذه الظاهرة تكمن مواضيع التوحد العربي والإسلامي والنهوض والتقدم والحداثة والتنمية والديموقراطية التي سيؤدّي حلّها إلي القوة والرفعة للأمة، ومن ثم إلي الإحترام وعدم التعرض للمقدسات وعدم التدخّل في كل صغيرة وكبيرة من الشؤون الداخلية. تلك معادلة لا يمكن تجاهلها. والتاريخ الحديث يشير إلي نماذج حية لدول في آسيا علي الأخص كانت مثار الاستخفاف بها وبشعوبها، حتي إذا ما نفضت عن نفسها غبار التخلف بكل مكوناته توقف الاستخفاف بها وتبددت صور النمطية عن شعوبها. في بلاد العرب يكمن الحل في استئصال الأرحام التي تولد بشراً يتعايشون مع الاستبداد والقهر والتخلف والعيش خارج العصر. عند ذاك ستضعف الذاكرة التاريخية المنحازة في الغرب لتحل محلها صور ذهنية موضوعية جديدة تجعل علاقتنا مع الآخر الغربي علاقة احترام متبادل يفرضه الواقع ولا تمليه ذكريات القرون.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية