تـيـمة الجسد: قضايا التعدد والاختلاف

حجم الخط
0

عرف عنه الغموض، الكلام المتثاقل، والنظرة العميقة التي لا تصدر من فراغ ولا تتوجه نحوه، هو من الذين اعتبرهم فرويد مرضى عصابيين، ومرضهم ايجابي اذ لديهم القدرة على تحويل الذكريات من الم الى امل، ويصنعون المذاق الحلو من علقم، فنظرتهم ليست كنظرات باقي الناس.
هو واحد من الذين شبههم فرويد بالمتسامين رغما عنهم، انهم ينحتون في الروح ويصورنها مهما اختفت، ويخرجون الجسد من تمثلات وضلال القيود ليصبح تيمة اساسية في مخيلتهم، يصورنه كما يريدون، ويسقطون عليه ما يشتهون ولا يخضعون خيالهم للرقابة ولا للواقع، فهم يفلتون من قبضة المعقول والمنطق، فاللامنطق عندهم هو منطق احادي اخر، يأبى الاعتراف بالثنائية الطبيعية في الوجود، لأنهم يتمثلون الوجود في عدمه، ويلغون كل مظاهره البشرية المباشرة.
الفنان عبد العزيز الغراز ابن مدينة اليوسفية الصامتة التي لم تسعفه في ابراز موهبته الرائعة في الفن التشكيلي فوجهت لثانوية الحسن الثاني بمراكش، مدينة الانوار والألوان الحمراء الزاهية، ملهمة الرسامين والتي جعلت الفنان يرسم حيث لا يرى الناس احلامهم، ولا يميز بين اصابعه لأنها خلقت لترسم، فمن يعرف الفنان يفرض على نفسه التنازل على الكثير من الواقعية، لأنه يأبى المنظر الجاهز ويحب ابداع لوحات سريالية يتفنن من خلالها في ابراز مكامن الخلل في الحياة، التي يسعى جاهدا لإيجاد حقيقتها، انه متأمل غريب بقدر الموضوعات التي يتأملها ويغوص فيها، لوحاته لا تقرا بالعين المجردة ولا ترى بمنظار، وإنما لها لغة مشفرة رسمتها المدرسة الفنية التي وجد نفسه غارقا في مبادئها، ولعلنا قد نعطي صورة بسيطة عن المدرسة التجريدية التي يقوم مبدأها الفني او فلسفتها على اختزال الشكل والتلاعب بالألوان بشكل رائع يجعل اللوحة تقبل جميع التحليلات وتأخذ الشكل بدون خطوط وتارة بخطوط متموجة يغلب عليها اللون في غير محله الاصلي، مما يزيد من صعوبة فهم ذاتية الفنان اولا ومحتوى اللوحة، وحينما نتحدث عن الفن التجريدي، لابد من استحضار القراءات الفلسفية وهي التي اعطت للفنان عبد العزيز بعدا تجريديا بلمسة فنية فلسفية هائلة، ومن خلال لوحاته نجد لمسات نتشوية واضحة من خلال مخالفة التمثل العامي والخروج عن المألوف، ورفض المعنى الجاهز معلنا حالة التمرد، والقراءات المتعالية على الابنية القاعدية، لأنه فيلسوف يأبى ان يفكر من القاعدة، ويمكن ان نعتبر في تحليلنا وتشخيصنا لشخصية الفنان عبد العزيز وكذا قراءة بعض لوحاته ان جل اعماله مستلهمة بشكل عميق من الفكر النتشوي المارد، خصوصا حينما نجد ضربات الفرشاة المترنحة والتي ترفض الانسياق مع النص او الفكرة المشتركة، اضافة الى الميول الدائمة للشخصيات التي يجسدها الفنان في لوحاته بشكل شبه خفي معلنا بشكل ضمني عن رفضه لبعض الافكار المجتمعية التي تحد من قيمة الانسان باعتباره انسانا كونيا رفيع المستوى وصاحب الوجود.
اذن فرؤية الفنان تستمد من القيمة الكبيرة التي يعطيها نيتشه للجسد حينما يرفض تقديس الوعي وجعل الجسد مجرد مكب لشهوات عرضية، وإنما يعطي للجسد قيمته الوجودية وقدراته الهائلة انطلاقا من فكرة حكمة الجسد التي تتضمنها ارادة القوة، ومن هنا يحاول الفنان عبد العزيز في معظم اعماله الفنية ولوحاته التجريدية تضمين رسالة قوية ومعقدة مفادها ان الوعي مجرد تصور سطحي وخادع للحياة النفسية الحقيقية، وبالتالي يجدد الفنان اتفاقه مع الفيلسوف المارد نيتشه في القول بأننا خدعنا بشكل كبير حينما تم توجيه البشرية للفصل الخاطئ بين النفس والجسد .مع اعتبار ان الجسد هو عقل كبير ينبغي احترامه وتقديره من منظور متعالي عن الابنية الرجعية التي تجعله قابلا للخدش والتشويه.
مؤكد ان اهتمام الفنان المغربي بالفيلسوف الالماني لم يكن بسبب الاعجاب فقط، وإنما يعتبر نيتشه ملهما له ولكل الفنانين خصوصا الذين يغوصون في اغوار التجريد ويجوبون دروب الصمت، ويعبرون عن حكاياتهم ورواياتهم بالتعالي والاندماج الوجداني المعقد، وهذا ما قد يدعونا فعلا الى ارتداء نظارات فرويد التحليلية، والتي لا يختلف خلالها نيتشه كثيرا مع فرويد خصوصا حينما يستشهد به في تأويله في الليبيدو وفي فكرة : ‘ القوة التشكيلية اللاواعية تظهر الحيل، اذ هناك غريزة فنانة في العمل ‘ vol K puis 1 .288 ومنه يؤكد نيتشه ان الفن طالما هو ارادة الوهم الجيدة، اذ يكون الفن
اذن هو دواء المعرفة بامتياز، ولا تكون الحياة ممكنة الا بفضل اوهام الفن Naissance 208 ، وما يهمنا هنا من ابرازنا للخلفية النتشوية التي تؤسس تكون بمثابة المرجع والملهم لأعمال الفنان عبد العزيز، هو حضور الذات القوي لكن بصيغة فلسفية شذرية عجيبة، وهي التي تدفعنا الى استحضار فكرة نيتشه التي يؤكد من خلالها اننا نملك الفن بهدف الا نموت من الحقيقة .واذا كان هذا القول بالفعل يلهم الفنانين التجريديين خصوصا، فانه من جهة اخرى قد يعقد الامر اكثر على الراغبين في اكتشاف اسرار اللوحات والرسائل المتضمنة فيها.
وما يزيد الصورة روعة اكثر، هو حينما نتعمق في لوحات الفنان محاولين البحث عن المزيد مما تخفيه ضربات الفرشاة وانسياب الخطوط، وكذا تمرد الالوان التي تترنح في اللوحة صعودا ونزولا، وكأن تلك الخطوط هي اوتار عود تعزف لنا مقاطع صامتة، اما الالوان فهي تخترق الناظر للوحة وتعبث بعقله الباطن، وهذه العبثية لا نجدها الا عند المفكر الفيلسوف والمبدع البير كامي صاحب المؤلفات الجميلة، والمسرحيات الكثيرة، وما يميز هذا الفيلسوف الوجودي المعاصر، هو استلهامه لأعماله من كتابين هما ‘أسطورة سيزيف’ 1942 والمتمرد 1951 اضافة الى فكرتين اساسيتين بالنسبة له هما العبثية والتمرد كما يتخذ كامي من أسطورة سيزيف رمزاً لوضع الإنسان في الوجود، وسيزيف هو هذا الفتى الإغريقي الأسطوري الذي قدّر عليه أن يصعد بصخرة إلى قمة جبل، الا انها ما تلبث أن تسقط متدحرجة إلى الاسفل، مما يدفعه إلى ارجاعها صعودا من جديد, وهكذا للأبد،.. و ان تأثر الفنان عبد العزيز بهذا المفكر والفيلسوف، يجعل منه محبا ايضا للعبثية والتمرد، ومستحضرا في مخيلته رسومات ولوحات فنية اكثر تمردا على الواقع ورفعا من درجة العبثية بالحقائق الجاهزة،
قولة شهيرة اخرى للفيلسوف نيتشه :’ لولا الموسيقى لكانت الحياة غلطة ‘ يبدو ان ما قاله نيتشه تسرب كالذبذبات لأذني الفنان عبد العزيز الغراز، وأصبح ايضا مضرب مثل لكل من ارتدى قفاز التشكيل، وامتهن حرفة الضرب بالفرشاة، وخبر لعبة الالوان، ولا يمكن الحديث عن الفن التشكيلي دون استحضار مقاطع صوتية راقية او سمفونيات جميلة تركها الايطاليون او الفرنسيون المبدعون او غيرهم، ولعل ما يلهم خيال الفنان اكثر هو الفرنسي ساحر البيانو ورائد الموسيقى الكلاسيكية الرومانسية فريديريك شوبان، انه صاحب الصمت الذي ينطق بحروف غير مكتوبة، تخترق نغماته جدار السمع لتغوص في اغوار الروح، فتدفع المشاعر الى الهيجان، انها تتوغل في العقل الباطن لتدفعه للإبداع، والخروج عن المألوف والعادي، فهي موسيقى تبعث على الحياة والأمل، وتدفع الفنان للتجول بين دروب التجريد والتعالي، يرتفع حينا وينخفض كموج البحر، نغماته تتسرب خفية لعمق الفنان وسرعان ما تتحول الى ابداعات متناثرة على جنبات اللوحة الفريدة، عبارة عن رسائل سلام وحب وسكينة، لا يملك الفنان بنفسه قوة لتقييدها او كبحها، انها متلازمة الحب والورد والنسيم، لا يستنشقها سوى عاشق الفن الاصيل، وحينما يعيش الفنان عبد العزيز على ايقاعاتها تتغير جزيئات الهواء الذي يتنفسه، فتصبح الالوان الحمراء التي يعشق التلاعب بها والتجول بها بين ازقة الجسد الحر، احيانا والمقيد بأغلال الحقيقة تارة اخرى، فهو يجيد لعبة تحرير الجسد من كل اوهامه وتخليصه من شوائب الموت التي تحوم حوله، فلوحاته يتملكها الموت اذا ما جسدت غضبه وانفعالاته، ولكنها تشيد لحياة وحرية اذا زاد عشقه للأنثى واستطاع تحريرها من قبضة رجولته.انها رسالة ابدية خالدة، مضمونها تحرير الجسد من الاوهام و الأكاذيب، والخدش والنبش، فهو جسد عميق مفكر وطاهر، هو العقل الاكبر الذي يستوعب كل الافكار المتناثرة والمتناسية في الزمن، انه خالد كالروح ومتمرد على الزمن والحقيقة، لأنهما من نسج خيال الوهم الذي يبقى دائما الوعي الخلاق……

‘ كاتب وباحث في علم النفس المرضي ـ المحمدية ـ المغرب
استاذ الفكر الاسلامي والفلسفـة ومدرب في التنمية الذاتية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية