تفاعلية الفكرة والمشروع في تنصيبية «يجب أن نحذر الكلمات»

حجم الخط
0

«يتحدثون خلفك، لأنهم بالفعل خلفك» هذا ما قاله الكاتب الأمريكي مارك توين (Mark Twin) صاحب روايتيْ «مغامرات توم سواير» و»هاكلبيري فين» في نهاية القرن التاسع عشر. وبالنظر إلى الريادة والنجاح المنقطع النظير، الذي حققته مسيرته الأدبية، فإن تطبيق ديناميكية المسار الأدبي على المعادلة الفنيّة، لا يؤسس إلا لمزيد التتويج ورصد المفارقات البديهية بين القول والفعل، لذلك فإنّ الأحاديث الجانبية الهامشية بقدر ما تعكس هموم البعض فإنها تمثل عنصر جذب إلى الوراء، يلبس عباءة الرجعية الإقصائية. فلولا أن مطالب التحرك كانت في الواجهة، وفرضت واقعا جديدا عمل بصورة أو بأخرى تدريجيا على تغيير حقائق الأشياء، لما تحققت الغاية ولما وجدت الرغبة والحاجة ودواعي اللهو والسخرية والسطحية كمشاريع معالجة مطروحة، تمثل الغالبية العظمى وتجسد المصالحة بين التعبير البحثي الفني واِنتظارات الرّاهن، لتجسيد البعد الإنساني النابع من داخل الفرد نفسه ومن متغيرات الواقع. هذا ما تتناوله تنصيبة «بان» التي تعمل على تجسيم الإئتلاف والتكامل بين الفكرة (الفن اللغوي) والتنفيذ (الفن الواقعي) من أجل فرض حقائق ثقافية معرفية وتعبيرية مغايرة للسائد، ما وسع المسافة بين الحلم والعلم، والسماء والأرض والفكرة والتطبيق، وكرس الهوة بين الجماليات المعهودة والنظرة الجمالية المقترحة، عبر مجموعة التأملات والمشاريع التعبيرية البصرية والفكرية المواكبة لعصرها.

يتم ذلك في خضم نشاط يومي يرتبط بالحقيقة الواقعية والعقل والاِجتهاد والاهتمام والتأملات الحية والجدية، التي فرضها الألم السوسيولوجي اليومي المعلن، والسيكولوجي المخفي لحقبات. تهدف هذه الحركية الديناميكية المعاصرة إلى اجتياز المعارف النظرية النخبوية المحدودة والمنحازة (أكاديمي، عصامي) والقراءات الفنية المثالية القدسية (سياسي، ديني) وهو حال الفن المموه والممول والمشوه في تموقعه الجمالي المتعالي، لذلك أمسك الفن الواقعي المفاهيمي بمقود المشروع البحثي الثوري التحرري الريادي المتمرد، عبر مجموعة من المجددين المتجذرين الفلكسيسيين، لتحويل الثقل الفني الجمالي من السماء إلى الأرض، مثلما تحول مصير الإنسان منذ بدايات الخلق من الخلود إلى امتحان متواصل (العقاب، الثواب). تم هذا المجهود البنائي بفضل عدد من الطلائعيين الأوائل، فتم تحقيق أهداف معتبرة في تغيير الفهم ودرجة تناول الظاهرة، ومقدار الاقتراب من المحظورات بواسطة التحول الكلي للمفاهيم القيمية الجمالية من السماء (النخبة، التمويه، السحر، القداسة، النبل، الشأن العام) إلى الأرض (الواقعية، الشعبية الاجتماعية، البراغماتية، الفردية، الشأن الخاص…). وهو منحى عمودي يتجه من الأعلى إلى الأسفل ليكسر بذلك القواعد التشكيلية التاريخية المعهودة التي تتجه من الأسفل إلى الأعلى. وللإشارة فإن زاوية نظر واِهتمام الشخصيات عبر التاريخ تتجه إلى الأعلى منذ إعلان المسيحية ديانة رسمية بعدما كانت تتجه إلى القربان والمذبح في الفترة التاريخية الوثنية العتيقة) وهو الاتجاه الذي يسير فيه الحركي الفرنسي «بان» من خلال تناوله البصري الذي يجمع النحت (مجسمات الشخصيات، السلم، الحبل، الخشب) والصباغة (السترات الزرقاء، اللوحة السوداء، الخط الأبيض) والبعد اللغوي المفاهيمي (اليافطة، الشعار، الكلمة، العرض، الحجم، الفكرة، المحصلة) في عمل «شعبي» جريء وجد صداه في عديد القراءات الجمالية.

يعد مشروع «يجب أن نحذر من الكلمات» من التنصيبات العملاقة التي أنجزها الفنان بانجامان في اختيار يجمع الفن المفاهيمي اللغوي بالفن الواقعي مع تقاطعات حضور جسدي ملحوظ. يندرج هذا العمل ضمن خانة الفن العمومي، وهو عبارة عن مجسم معلق على جدار مرتفع في ساحة «فريهيل»على أطراف الدائرة العشرين في باريس، ويتمثل في عملية تثبيت لوحة خشبية ضخمة على جدار مرتفع من طرف عاملين يرتديان ميدعة الأشغال الزرقاء، أحدهما معلق على سلم في منتصف الجدار يوجه اللوحة، والثاني منتصب في أعلى الجدار بصدد سحب الحبل الذي يربط اللوحة السوداء التي كتب عليها بخط يد «بان» الأبيض المعتاد عبارة يجب أن نحذر من الكلمات (il faut se méfier des mots). وما يلفت الانتباه ويؤكد التوجه الراديكالي في أعمال الفنان بان يمكن أن نورد التالي:
– الطبيعة الحركية والحية التي يتسم بها العمل، الذي يبدو بمثابة ورشة أشغال حقيقية وكل من يراه للوهلة الأولى يعتقد أنه أمام مشهد حقيقي وهو ما يعكس البعد البحثي الحركي الواقعي الفلكسيسي للعمل.
– اختيار المكان الذي لم يكن اعتباطيا، بحيث أن محوري العمل وهما الشكلي (المجسمات والإطار) والضمني (النص والبعد الفكري) على بساطتهما يتلاءمان مع طبيعة المكان (بالفيل) الذي يعتبر من الأحياء الفقيرة شرق باريس. وهو حي شعبي يعج بدور الفن والأروقة القديمة التي تعود إلى بدايات القرن العشرين كان لفترة طويلة مهددا بالهدم وإعادة البناء، غير أن إرادة متساكني المنطقة في حفظ الإرث المعماري الفني القديم تصدت للسلطات منذ الستينيات وحالت دون ذلك.
– جوهر الطرح والقراءة التي يقدمها التوجه الفلكسيسي الواقعي الذي يعتبر أن الفن مشروع تساؤل وبحث دؤوب ودائم من أجل إعادة تحديد مفهوم جديد للعمل التشكيلي، والبحث عن معيار آخر للفردية والتفرد في الحقل البصري عموما. هذا الانفتاح يجعل الفرصة سانحة لمشاركة الجمهور في عملية التصور والبناء وترك البصمة في جوهر البناء المقترح لتتحول العملية الاجرائية بذلك إلى تبادل أدوار متواصل، يتحول من خلالها المتقبل إلى فنان والفنان إلى متقبل وهي نظرة ديمقراطية اجتماعية مشتركة بناءة تعمل على إعادة تقويم المنجز وتحديد دعائم متجددة خادمة لحاجات الطرفين.
– التمشي الواضح في ربط الفن كمشروع بحث وتعبير من خلال المحتوى المطروح والأدوات والحجم مع المهنة كمشروع إنجاز وأداة تنفيذ ومهمة معاشية، وذلك عبر حضور العامل والبدلة الشعبية الورشية الزرقاء، مع وجود عدد من آليات مقاولات البناء والأشغال مثل السلم المعلق والحبل والمسامير والصفائح الخشبية. وهي قراءة تعكس بالأساس اقتران الجانب الواقعي بالجانب المفاهيمي، ويبقى الهدف الجوهري هو تغيير مفهوم الفن شيئا فشيئا ليصبح – بعد ذلك – متاحا للعامة أينما كانوا.

كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية