تفاقم الأزمات في لبنان يضع نظام التعليم أمام تحديات مصيرية

عبد معروف  
حجم الخط
0

يواجه نظام التعليم في لبنان عدداً من التحديات والقضايا، التي تفاقمت بسبب الأزمات الاقتصادية والسياسية في البلاد. ومع انطلاق العام الدراسي برزَ سؤالٌ أثقلَ كاهل الطلّاب والمعلّمين والإداريين والأهالي والموظّفين: هل بإمكان قطاع التعليم، الهشّ في الأساس، أن يصمد في ظلّ الضغوط المعقّدة الناجمة عن الأزمة الاقتصادية والمالية التي يشهدُها لبنان؟
ومن أجل مواجهة هذه التحديات، تكافح مجموعة من المدارس والمعاهد والجامعات الرسمية والخاصة، للبقاء مفتوحة بسبب الصعوبات المالية، كما أن ارتفاع معدل التضخم جعل من الصعب على العائلات تحمّل الرسوم والمستلزمات المدرسية والجامعية
وكان العام الدراسي 2022-2023 تعرّض إلى اضطرابات شتى أثّرت على مسار التعليم وعلى أكثر من 450.000 طفل من روضة الأطفال حتى الصف الثاني عشر. وأشادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» بالجهود الجماعية التي قام بها المعلمون والموظفون في القطاع التربوي، إضافة إلى الطلاب وأولياء الأمور، وأثنت على إنهائهم العام الدراسي واستكمال الامتحانات الرسمية.
وعلى الرغم من الدعم الذي تقدمه «اليونيسف» والمؤسسات الدولية، تستمرّ الأزمة المالية في الاشتداد، ما يزيد خطر الاضطرابات التعليمية في العام الدراسي المقبل، خصوصاً في حال لم يحصل المدرسون والموظفون في القطاع التربوي على أجور مناسبة تؤمن لهم العيش الكريم.
لذلك شددت «اليونيسف» على إيلاء الأولوية لتعبئة موارد ميزانية التعليم، لضمان فتح المدارس الرسمية أمام جميع الأطفال.
وتُظهر الأرقام أن هناك 2796 مدرسة بين خاصة ورسمية تضم نحو 1.050.000 طالب؛ أي أن هناك مدرسة تقريباً لكل 376 طالباً.
وتنقسم المدارس بين القطاعين الرسمي والخاص على النحو التالي: 1275 مدرسة رسمية تضم ما يقارب 346 ألف تلميذ، يشكلون 33 في المئة من مجمل عدد التلامذة، و41458 مدرّساً.
في المقابل، يوجد 1190 مدرسة خاصة تضم 583 ألف طالب و45000 مدرّس. وهناك 331 مدرسة خاصة مجانية تضم 120 ألف تلميذ و6450 مدرّساً.
ونستطيع أن نستنتج أن هناك مدرسة رسمية واحدة لكل 310 تلاميذ، بينما هناك مدرسة خاصة لكل 441 تلميذاً.
فقد أدّت الأزمة المُطوَّلة والضائقة الشديدة التي يُعانيها المعلّمون إلى ارتفاع مستويات الهجرة. فأكثر من 15 في المئة من معلّمي المدارس الخاصّة غادروا البلد بحثًا عن عملٍ. أمّا المعلّمون الذين ظلّوا في لبنان فيضطرّون غالبًا إلى تحمُّل مسؤوليات إضافية جرّاء تقلُّص عدد الموظّفين، رغم الانخفاض الكبير في الأجور، والأعباء اليومية الناتجة عن الانهيار الاقتصادي.
الأقساط المدرسية
وتكاليف المواصلات

تترتّب تداعيات الأزمة الاقتصادية أيضًا على العائلات والأُسَر التي لم تعد قادرة على تحمُّل الأقساط أو تكاليف المواصلات من وإلى المدرسة، وخصوصًا في المناطق الريفية. فيُقال إنَّ بعض المعلّمين يُبادِرون إلى تقديم المواد المدرسية على نفقتهم الخاصّة، رغم التدهور الكبير لقيمة رواتبهم، مثل القرطاسية والكتب والمواد الأخرى للطلّاب الذين يُعانون من ضائقة اقتصادية. وأدّى ارتفاع كلفة المعيشة في لبنان إلى تحويل الضروريات الأساسية مثل التعليم إلى ميزة غير متاحة بشكل متزايد للأُسَر الفقيرة.
كما أدى تفاقم الأزمة التعليمية في لبنان، إلى تسرب عدد كبير من الأطفال من المدرسة، الأمر الذي كانت له عواقب بعيدة المدى على آفاقهم المستقبلية. ونشرت «اليونيسف» مؤخرا في حسابها أن نحو 700 ألف طفل هم خارج المدرسة في لبنان. كما حذرت «مؤسّسة إنقاذ الطفل» من أنَّه كلّما ازدادَ عدد الطلّاب خارج المدرسة، سترتفع على الأرجح إمكانية تعرُّضهم للاستغلال والعنف. كذلك، صرَّحَت المديرة القُطرية جينيفر مورهيد في أكثر من مقابلة أنَّ «معدّلات معرفة القراءة والكتابة والحساب لدى أطفال لبنان كانت في الأساس أقلّ من المتوسّط العام في بلدان الشرق الأوسط. وكلّما طالَ بقاء الأطفال خارج المدرسة، سيتراجع وضعُهم أكثر فأكثر».
ونظرًا للحالة الحرجة لقطاع التعليم في لبنان، لا مجال للإصلاحات السطحية أو المؤقّتة. كما أنَّ المساعدة الظرفية لقطاع التعليم لن تكفي ليبقى قادرًا على الصمود لفترة طويلة. فما من قطاع تربوي فعّال ومستدام من دون معالجة نموذج الحكم الفاشل في البلد وأزمته الاقتصادية الشاملة.
وقدمت الباحثة التربوية هنادي جرجس، بعض الحلول المحتملة التي يمكن أن تساعد على تخفيف أزمة التعليم في لبنان ومنها:
زيادة التمويل: أحد التحديات الرئيسية التي تواجه نظام التعليم في لبنان هو نقص التمويل. يمكن أن تساعد زيادة التمويل الحكومي للتعليم على تحسين الوصول إلى التعليم، وتزويد المدارس بالموارد التي تحتاج إليها للعمل بفعالية.
تقديم الدعم المالي إلى الأُسر: جعلت معدلات الفقر المرتفعة من الصعب على كثير من الأُسر تحمل الرسوم المدرسية والمستلزمات. يمكن أن يساعد تقديم الدعم المالي، مثل المنح الدراسية، على تخفيف هذا العبء وضمان حصول جميع الأطفال على التعليم.
الاستثمار في تدريب المعلّمين والموارد: يتطلب تحسين جودة التعليم في لبنان الاستثمار في تدريب المعلمين والموارد. وهذا يشمل تزويد المعلمين بإمكان الوصول إلى أساليب التدريس الحديث وتقنياته، فضلاً عن فرص التطوير المهني.
توسيع نطاق الوصول إلى التعلم عن بعد: لقد أبرزت جائحة كورونا أهمية التعلم عن بعد. يمكن أن يساعد توسيع الوصول إلى خدمات التكنولوجيا والإنترنت، فضلاً عن توفير تدريب كافٍ للمعلمين، على ضمان أن يتمكن الطلاب من مواصلة تعليمهم حتى عندما تكون المدارس مغلقة.
تشجيع مشاركة القطاع الخاص: من الممكن تشجيع القطاع الخاص على أن يساعد على الاستثمار في التعليم من أجل سد فجوة التمويل، وتوفير موارد إضافية للمدارس. ويشمل ذلك الشراكة مع الشركات الخاصة لتوفير التمويل أو الموارد، أو تحفيز المدارس الخاصة على تقديم المنح الدراسية، أو غيرهما من أشكال الدعم للطلاب المحرومين.
ورأت الباحثة جرجس أن هذه مجرد بضعة حلول محتملة لأزمة التعليم في لبنان. وسيتطلب الأمر جهوداً متضافرة من الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني لمعالجة المشكلة وضمان حصول جميع الأطفال على تعليم جيد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية