وجود نحو 60 ناشطا من التيار الإسلامي قيد التوقيف أو التحقيق حسب مصادر إسلامية خاصة، يعكس في الواقع أزمة أبعد وأعمق في العلاقة ما بين السلطات والتيار.
عمان ـ «القدس العربي»: واضح تماما للمراقبين البرلمانيين والسياسيين في المشهد السياسي الأردني بأن مسألة الاعتقالات التي تتحدث عنها الحركة الإسلامية طوال الوقت لا تزال في نطاق الخلاف والتباين بين موقف الحكومة وتصورها عن اعتقالات لأسباب أمنية خارج النطاق السياسي ولا علاقة لها بإبداء الرأي أو حرية التعبير، وبين موقف قادة ونواب جبهة العمل الإسلامي الذين يعتبرون الاعتقالات التي تخص نشطاء في حزب الجبهة تحديدا حصرا دون غيرهم لها خلفيات سياسية.
يحاجج الإخوان المسلمون في نقاشاتهم على هامش ملف الاعتقالات الذي طرحه العديد من نواب الجبهة مؤخرا بأن الحركة الإسلامية ومؤسساتها ليست مسؤولة في أي سياق عن تصرفات الأفراد من أعضاء الحركة الإسلامية الذين سجلوا في كشوفاتها.
هؤلاء ـ برأي الحركة الإسلامية- هم مواطنون مثل غيرهم يتأثرون بمسارات الأحداث خصوصا تلك التي تحصل في فلسطين. وبالتالي يفترض الإسلاميون بأن الجانب الأمني في أي اعتقالات ينبغي أن يتجه إلى محكمة منصفة بحيث تتم محاسبة الأخطاء بالمعنى الفردي على أن لا يتم تحميلها لمؤسسات الحركة الإسلامية بالمعنى التنظيمي.
التصرفات الفردية لا تحظى بتوجيه مؤسسي في قياسات المتداخلين من قادة التيار. لذلك نقاشات الاعتقالات تعكس أزمة صامتة بين الحكومة والسلطات من جهة والتيار الإسلامي من جهة أخرى وهي أزمة تفاعلت مؤخرا على أكثر من مستوى وصعيد.
تحدثت السلطات عن»مواطنين يتلقون تعليمات من الخارج». لكن الحكومة امتنعت أو لا تزال ممتنعة عن «تعريف» ذلك الملف والمتورطين به، فيما ظهرت مقالات في الصحافة شبه الرسمية والرسمية تشير إلى الإخوان المسلمين حصرا باعتبارهم الجهة المرجحة أو المرشح أنها تليق بها مثل هذه التهمة. وهو ما نفاه بصوت صارخ رئيس كتلة نواب جبهة العمل الإسلامي في البرلمان صالح العرموطي مؤكدا بأن الجماعة خلف مؤسسات الولاء والانتماء الوطني، متحدثا عن لياقات الحركة الإسلامية وأدوارها في التاريخ في حماية الدولة والدفاع عن الأردن.
تم إبلاغ نواب في جبهة العمل الإسلامي بأن الاعتقالات التي يكثرون من الحديث عنها ما هي إلا اعتقالات أمنية خاضعة للتحقيق وأن التحقيقات لم تكتمل.
يصر الإسلاميون على «تسييس» تلك الاعتقالات في الوقت الذي يبدو فيه أن الجزء القانوني الذي ينتج عن تحقيقات الاعتقالات قد يكون في طريقه للعرض أمام النيابة والمحكمة بتهم لها علاقة بمخالفة القوانين والرغبة في تنفيذ أعمال غير شرعية.
وفي الواقع لا يعرض الإسلاميون موقفهم التفصيلي من ما تسميه السلطات بالاعتقالات الأمنية. لكنهم يميلون في الوقت ذاته إلى الحرص على نقاشات مع كبار المسؤولين المتاحين تحت عنوان ضرورة الانتباه لعدم تحميل جماعة الإخوان المسلمين ومؤسسات الحركة الإسلامية مسؤولية تصرفات أفراد من عامة الشعب يتأثرون مثل غيرهم بالمجازر التي ترتكب في غزة والضفة الغربية.
المحاججات والنقاشات في ملف الاعتقالات ذهبت إلى مناطق متوترة في بعض الأحيان.
ووجود نحو 60 ناشطا من التيار الإسلامي قيد التوقيف أو التحقيق حسب مصادر إسلامية خاصة يعكس في الواقع أزمة أبعد وأعمق في العلاقة ما بين السلطات والتيار.
المرجح حتى الآن أن التمثيل البرلماني للتيار الإسلامي والذي يأخذ على عاتقه متابعة ملف الاعتقالات مع الحكومة يخفق في رسم حدود فاصلة عمليا ما بين التوقعات والتكهنات، أو يفشل في تجسير الهوة بين التيار والحكومة والمؤسسات الرسمية التي ترى واجبها في التحذير من مجموعة روابط للإسلاميين بملفات خارجية نافذة يمكن أن تقود للتأثر بـ«حسابات أو توجيهات الخارج».
ليس سرا أن بعض الاعتقالات مؤخرا لها علاقة بمحاولة صناعة تقنيات «ذات أهداف جهادية».
وليس سرا بالمقابل أن التأثر الخارجي مسألة تخص مكتب الإرشاد العالمي للتنظيم الإخواني والمقصود وأيضا الاحتياط لاحتمالية التشبيك ما بين الإسلاميين الأردنيين ودعم خيارات الإسلاميين في سوريا المجاورة بعيدا عن برنامج الدولة وحساباتها.
والمقصود بصورة مؤكدة طبعا تلك العلاقة مع فصائل المقاومة الفلسطينية وحصرا حركة حماس.
هذه الملفات تؤدي إلى خلافات.
وبعض التعليقات بدأت تتحدث عن مفاجآت وفي الطريق للإخوان المسلمين.
لكن العودة للصدام بعد الانتخابات الأخيرة مع الحركة الإسلامية قد يخل بمعادلات تم الاتفاق عليها. والمناخ على مستوى الكوادر الشابة في جماعة الإخوان أقرب إلى صيغة الانفكاك من التزامات الشراكة السياسية والتحديث السياسي والابتعاد عن شراكات الانتخابات والحرص على الأولويات الوطنية التي يراها كوادر الإخوان في مستوى الاشتباك مع إسرائيل حصرا في هذه المرحلة، وهو خيار بطبيعة الحال يتعاكس في الاتجاه والمضمون والنتائج والتداعيات مع السيناريو الذي وضعته السلطات السياسية والمنظومة الأمنية في الأردن تحت عنوان النفاذ من المواجهات الإقليمية الحادة الجارية حاليا بأقل الخسائر الممكنة.
وتطبيق برنامج لا يمكن الاختلاف معه من حيث المسار الوطني يأخذ بالاعتبار مصلحة الأردنيين ودولتهم أولا وسط عواصف الإقليميين.
التشابكات خصوصا مع احتمالات عودة التصعيد العسكري الإسرائيلي ضد أهل غزة يمكن أن تصبح فجة أكثر في الأيام المقبلة. والسلطات تكشف عن مضمون ما تصفه باعتقالات أمنية.
ولا الحركة الإسلامية بصدد الخضوع وقبول استمرار حالة الاعتقال والتوقيف لنشطائها أو بصدد تفهم مسوغات وخيارات الدولة.
الاحتكاك والإنزلاق محتمل بين الإسلاميين والحكومة قريبا والمفهوم مسبقا أنه لا مصلحة للجانبين به.