تفجيرات منتجع دهب: بقاء الحال من المحال

حجم الخط
0

تفجيرات منتجع دهب: بقاء الحال من المحال

أسامة أبو ارشيدتفجيرات منتجع دهب: بقاء الحال من المحال التفجيرات الثلاثة التي وقعت في منتجع دهب في صحراء سيناء المصرية، وأدت الي الآن الي مصرع 23 شخصا واصابة حوالي 70 آخرين، مدانة شرعا ومدانة خلقا. لا لأن السواد الأعظم من ضحاياها كانوا من المصريين، ولكن لأن مثل هذه العمليات وبغض النظر عن المستهدف تفتقد الي البوصلة الصحيحة، وتفرغ طاقات الغضب والكبت الكامن في الداخل فتحرق الجميع وتهدُّ السقف علي رأس الجميع وتغرق المركب بالجميع.أما والآن وقد عبرنا عن الموقف من مثل هذه العمليات، فان ثمة قضايا أخري متعلقة ينبغي أن يشار اليها وأن تبحث بعمق. فمنطق الادانة والشجب لن يقود الا الي بح الأصوات دون طائل، كما أن منطق الأمن والقبضة الحديدية وحدهما لن يقودا الا الي مزيد من تسعير نيران الغضب والرغبة في الانتقام. وليس أدل علي ذلك من أن هذه التفجيرات جاءت بعد أقل من سنة من تفجيرات 23 تموز (يوليو) من العام الماضي في منتجع شرم الشيخ، والتي ذهب ضحيتها 88 شخصا وحوالي 200 مصاب، وقبلها هجمات طابا، القريبة من منتجع شرم الشيخ، والتي وقعت في تشرين الأول (اكتوبر) 2005، وخلفت 34 قتيلا وعشرات الجرحي، يضاف الي ذلك هجمات أخري في القاهرة وما حولها. حينها شن النظام حملات أمنية غير مسبوقة، اعتقل فيها المئات، وقتل بها العديد. ولم تتوقف حملة النظام عند هذه الحدود، اذ تورط في تعذيب وحشي واهانات بالغة ضد البدو في الصحراء، خصوصا بعد تفجيرات شرم الشيخ، مما خلق حالة من التوتر والاحتقان والحقد ضد النظام، وهو ما دفع عددا من المراقبين الي القول ان بدوا غاضبين قد يكونون وراء مثل هذه التفجيرات، وذلك انتقاما من النظام الذي تجاوز عليهم بشكل شرس ابان التفجيرات السابقة.لعل من أول الأمور التي ينبغي أن تطرح هنا، تتعلق بعلاقة تنظيم القاعدة بمثل هذه العمليات. طبعا القاعدة ستكون المتهم الأول، وربما الأخير، علي أساس أنها أصبحت اسما عالميا، يريح الجميع من عناء البحث، ويقوي من حجج الادارة الأمريكية، بأن ثمة حربا علي الارهاب لا زالت مستمرة. وأبعد من ذلك تعفي النظام المصري من البحث في الأسباب الحقيقية لمثل هذه الهجمات، ويعلقها علي مشجب حركة ارهابية خارجية. غير أن الحقيقة في تقديري غير ذلك. وتنظيم القاعدة ليس الا وهما ضخمه الجميع لتعليق كل الشرور عليه. أنا لا أنفي أن ثمة تنظيما لـ القاعدة كان موجودا في أفغانستان وباكستان، وأظنه لا زال فاعلا هناك، ولكنه ليس بالقوة التي يتحدثون عنها، ويحاولون تصويره بها. تنظيم القاعدة أضعف بشكل كبير بعد مقتل العديد من قياداته وتشرد من بقي منهم تحت وطأة المطاردة. لكن هذا لا يعني أن لا وجود لـ القاعدة في العديد من مناطق العالمين العربي والاسلامي، خصوصا في العراق. بل ان لها وجودا ولكنه وجود فكري لا تنظيمي. بمعني أن ايديولوجيا القاعدة أضحت فكرا عابرا للحدود في العالم الاسلامي، يقتات علي فشل الأنظمة والاحتلال الأمريكي في العراق والتواجد الغربي في الجزيرة العربية ووطأة الحملة علي الاسلام والعالم الاسلامي. وما يحدث اليوم من عمليات باسم القاعدة ، ان صدقت الأخبار، انما تحدث باسم القاعدة الايديولوجية لا القاعدة التنظيمية . لقد نجحت السياسات الأمريكية في تخريب عش الدبابير، ولكنها فشلت في القضاء علي الدبابير نفسها، فساحت في الأرض مشتَتة توقع الألم أينما حلت. اذن من وراء هذه العملية؟ للاجابة علي هذا السؤال تنبغي الاجابة علي السؤال الأهم لماذا مثل هذه العمليات؟ لأن هوية الجاني تصبح غير ذات صلة اذا عرفت الأسباب التي تعطي ذريعة مستمرة لتنفيذ مثل هذه العمليات.لا شك أن السبب الأول لمثل هذه العمليات هو فشل الأنظمة علي كل الصعد وقمعها وفسادها وارتهانها للخارج. أنظمة تمارس التجبر والاستكبار علي شعوبها، تحرمهم حرياتهم، تدوس علي كرامتهم، تذلهم في أرزاقهم، في حين ترفث الطغم الحاكمة بنعم قارون كلها. الساذج فقط هو من لا يدرك واقع الحال في العالم العربي والاسلامي الذي يولد هذا الغضب. مشكلة الأنظمة أنها لا تصدق أو لا تريد أن تصدق أن شعوبها قد شبت عن الطوق، وبأن شعارات الأمس التي كان تخدرهم بها قد استنفدت مفعولها اليوم. أي شعب ذاك الذي لا يري ذل هذه الأنظمة عندما تأتي الأمور الي علاقاتها بالغرب. من من الشعوب لا يري مساهمة هذه الأنظمة في حصار الفلسطينيين، لا لشيء الا لأنهم انتخبوا فصيلا فلسطينيا، مرفوضا من اسرائيل والولايات المتحدة، بملء ارادتهم لتمثيلهم بشكل أفضل. من منهم لم يعايش ويدرك موقف هذه الأنظمة المخزي من غزو العراق ومحاولة تبضيع السودان اليوم وضرب ومحاصرة سورية وضرب ايران.. الخ. أين مواقف العز والاباء والممانعة لدي النظام العربي الرسمي؟ لا توجد. الشعوب تري ذلك. في ذات الوقت، يرون هذه الأنظمة كرتونية في مقابل الخارج، اسمنتية في علاقتها مع الداخل. فالحريات والديمقراطية هبة من النظام تعطي بالقطارة وبقدر محسوب، يصبح فيها كل المباح دون سقف مس النظام. بل انه في بعض الدول العربية، شتم الله وشتم رسول الله صلي الله عليه وسلم ليسا بجريمة، أما المس بمقام الحاكم بأمر نفسه ، فيعد خطيئة ما بعدها خطيئة. أما واقع الشعوب المعاشية فحدث ولا حرج، فقد تحول سواد الأمة الي مستجدين.. فارتفاع الأسعار لا يتوقف عند حد، ويتناسب ذلك طرديا مع زيادة نهم هذه الأنظمة. اذن، ارتهان للخارج وتوضع له، في مقابل تجبر بالداخل وترفع عنه. وفي ذات السياق، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية عن سابقه، ولعله أشد وضوحا في الحالة المصرية. فعندما تصبح الأغلبية الشعبية والدينية والمذهبية مرهونة أو مستباحة للأقلية الدينية والمذهبية والطائفية، فان هذه بدورها تضحي واحدة من أفضل وصفات التدمير الذاتي. لقد تابعنا جميعا ما جري في الاسكندرية من أحداث مؤسفة في خضم شهر نيسان/ابريل الجاري بين المسلمين والأقباط. لقد أدان كل المسلمين الهجوم الذي قام به مسلم، سواء أكان مخبولا أم متآمرا علي احدي الكنائس، في حين لا زال الي الآن بابا الكنيسة القبطية يرفض الاعتذار عن تلك المسرحية المسيئة للاسلام التي مثلت وأنتجت في احدي الكنائس القبطية المصرية. وفي حين تقمع الحكومة المصرية تيارا وطنيا عريضا مثل الاخوان المسلمين، ولا تتصبب خجلا من اعلان اعتقال المئات من أنصارها دونما سبب، لا يجرؤ ذات نظام مصر علي محاسبة أقلية قبطية تتراوح نسبتها السكانية ما بين 5 ـ 10% من الشعب المصري تستدعي تدخلا أجنبيا في شــــؤون بلادها، وذلك لأنها تطالب بحقوق وحريات أكبر مما يتمتع به كل الشعب المصري. نعم ان الاسلام، دين الأغلبية وثقافة الأغلبية السكانية في العالمين العربي والاسلامي، ومنه مصر، يهان من أقليات، تدعي أنها أصل الأرض والسكان، ولا تجرؤ الأنظمة الخائرة علي مساءلتها، في حين تدوس بقدمها الغليظة علي رقاب الأغلبية وتكمم أفواههم، فماذا بقي لهم من سبيل غير سبيل شمشون بهدم المعبد علي رؤوس الجميع!؟ أليس هذا ما يحصل في مصر عبر ضرب قطاع السياحة فيها!؟باختصار، المشكلة هي في ثقافة الكبت التي تمارسها هذه الأنظمة.. والمشكلة في ثقافة الارتهان والخضوع للخارج والتكبر والتجبر في الداخل.. المشكلة في التردي الاقتصادي ونهب قوت الفقراء واذلال الشعوب.. المشكلة في مداراة الأقليات علي حساب الأغلبية.. المشكلة في السياسات الخارجية التي تستهدف الاسلام دون وجود حصن أو درع يحمي صدر هذه الأمة في ظل فشل هذه الأنظمة وخوارها، بل ومشاركة كثير منها في محاصرة الاسلام داخليا. ولا حل الا باعادة الاعتبار لدين وثقافة الأغلبية، واحترام الارادة الشعبية. نعم لقد شبت الشعوب عن الطوق، ولن يرضوا بما تقوم به دول عربية، من بينها مصر، في تجويع الشعب الفلسطيني، وذلك تماهيا مع أوامر أمريكا واسرائيل.مرة أخري، هذه العمليات مدانة وخرقاء، ولكن ايقافها لن يتأتي بصراخ وشجب واستنكار وحملات قمع جديدة.. ايقافها يتطلب تغييرات في ديناميكيات التفاعل كلها في العالم العربي والاسلامي واستعادة لاستقلال الارادة والسيادة وتمتين جذوة الممانعة وعدم الانهيار أمام الآخر الأجنبي، فضلا عن استعادة دور الشعوب وحرياتها وكرامتها. وبغير ذلك فاننا نسير نحو فوضي في كل المنطقة، ستكون فوضي العراق الجديد مقارنة بها، أنموذجا مصغرا لا يقاس عليه، وحينها سيدفع الجميع الثمن. لقد ألقت الولايات المتحدة حصاة في كأس ممتلئة عبر احتلالها للعراق ففاض الكأس وبلل ما حوله. فالفوضي سواء أكانت بناءة أم لا ستضرب مصالح الجميع، وعلي رأسها المصالح الأمريكية. كما أن عدم افساح المجال لاحداث تغييرات سلمية في بنية الواقع في المنطقة لن يبقي أمام تيارات الغضب غير خيار شمشون لهدم المعبد علي رأس الجميع.فهل من عاقل يأخذ علي يد غيره ليحمي نفسه قبل أن يأتي الطوفان ليغرق الجميع!؟ فبقاء الحال من المحال. ہ كاتب ومحلل سياسي مقيم في واشنطن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية