تفعيل الوسائط الشعريّة للاتصال بالواقع من أجل معرفته

حجم الخط
0

تفعيل الوسائط الشعريّة للاتصال بالواقع من أجل معرفته

هادي دانيال يستكشف آفاق ما بعد الحداثة:نديم الوزةتفعيل الوسائط الشعريّة للاتصال بالواقع من أجل معرفتهغالبا ما كان هادي دانيال يذكر في مقابلاته الصحافية التي جمعت قي كتاب الحوارات الصادر في تونس عن دار صامد 2006، أنه بدأ كتابة الشعر في السابعة عشرة من عمره، ليذكر أن هذا العمر هو العمر ذاته الذي انتهي فيه الشاعر الفرنسي ارثر رامبو من الشعر وكتابته.. ربما ليؤكد بذلك حبه لهذا الشاعر وتأثره بحياة التشرد التي عاشها. وربما ليطلع القارئ علي أحد الحوافز التي دفعته الي مغادرة وطنه سورية، وهو في هذه السن المبكرة. لكن ما يأسف هادي دانيال له، وحسب ما يذكر في هذه الحوارات أيضا، أنه لم يحقق تلك المنجزات الشعرية التي قام بها ارثر رامبو طالما أنه انشغل، الي جانب الشعر، بالهمّ السياسي والايديولوجي علي اعتبار أنه انضم الي المقاومة الفلسطينية مباشرة لحظة وصوله إلي بيروت. وهو إن كان محقا بذلك علي سبيل المجاز، فهو في الحقيقة لم يعمل علي أن يحقق أي انجاز يشبه إنجاز أي شاعر آخر عربيا كان أم غربيا علي كثرة الأسماء التي يذكرها في كتابه!. وعلي ما أري لا يبدو هذا الاعتراف سوي استلاب عام تفترضه شهرة تلك الأسماء وسلطتها الثقافية أكثر مما تفترضها سيرتها وقوتها الإبداعبة. بل إنه في حالة هادي دانيال أشبه ما يكون بتنويه متواضع، لا يلبث أن يعدل عنه، ولا سيما أن قصائده لا تؤكده. ومهما يكن لا ينبغي لمثل هذا الكلام أن ينفي الاحتفاظ لتلك الأسماء بفضلها وإن لم يكن هنا.. فضيلة ذكر شاعر مثل ارثر رامبو، والتركيز عليها هنا، هي فضيلة نقدية علي الأغلب. وقد لا يتبناها هادي دانيال طالما سيستمر بقول ما يقوله. وأنا لم أقل ما قلته، إلا للتأكيد من جديد علي أن بعض التشابهات بين الشعراء مثل العمر والترحال والروح المتمردة، قد لا تعني شيئا مهما ولا سيما حين تكون الرؤي مختلفة. والحال أن قصائد هادي دانيال لا تبدي تأثرها، ولو جزئيا بقصائد ارثر رامبو كما تبدي قصائد محمد الماغوط تأثرها مثلا. واقترابه منهما أو من قصائد ممدوح عدوان أو من قصائد أي من شعراء المقاومة الفلسطينية أو غيرها، إذا ما حصل، فإنما للتشابهات التي ذكرت. لكن ما هي فضيلة ارثر رامبو أساسا؟.. قد يشاركني الكثيرون القول: إن هذا الشاعر الفرنسي الذي أنجز مهماته الشعرية خلال ثلاث سنوات تقريبا من سنوات القرن التاسع عشر 1871 ـ 1874، يعتبر مثالا أصيلا لما يمكن أن تكون عليه مفاهيم الحداثة وأوهامها: أولا بتبنيه لمفهوم التقدم الطبقي في تغيير العالم الذي سرعان ما انكسر لديه بانهزام كمونة باريس، وثانيا بتبنيه لوهم الحداثة الشكلي من خلال رسالة الرائي وفشل مهمتها في كشف عالم بديل وذلك بلا مبالاته بنشر قصائد الإشراقات علي اعتبار أن الأحلام قد تصير أوهاما إذا لم تتحول الي وقائع. وربما هذا الوعي الحاد بفشل تصورات الحداثة وأحلامها بعالم أفضل، وعادل تحديدا، هو ما دفع ارثر رامبو لكي يتخلي عن الشعر ويبحث عن حلوله الشخصية في تجارة الأسلحة بين اليمن والحبشة. هذا الوعي بفشل الحداثة التقليدية علي تباين مستوياتها الرؤيوية يمكن التأكد من حضوره لدي هادي دانيال منذ البداية. ربما ليس علي شكل رسالة أو نظرية، وإنما، وهذا هو الأهم، من خلال قصائده الأولي ذاتها مما يوفر استدلالا مبدئيا حول دور الشعر وتجدد فاعليته في التغيير، ليؤكد أن استحضار ارثر رامبو وقصائده لم يكن للتأكيد علي فاعلية هذا الدور أو نفيها، وانما للتأكيد علي استقلال هذه الفاعلية بتكوين وعي مغاير، لم تستطع قصائد مثل الإشراقات أن تثبت جدواه، اذا لم أقل جدواها، بعيدا عن الواقع الحقيقي.. أهمية شاعر مثل هادي دانيال إنما تتضح بهذه المفارقة الأساسية التي دفعت بقصائده لكي تنطلق من هذا الواقع وتحتكم إليه ليمنحها بذلك هذه الفاعلية المستقلة، وبالتالي أسلوبها الشخصي، وما قد ينتج عنه.. وما دام الحديث لم يزل يتعلق بقصائد أولي فمن المرجح أن يبدو هذا الأسلوب منتزعا، ومتعددا، وهو كذلك، ولكن ليس من عدة أساليب كما هي العادة. ذلك أن ميزته المستقبلية لا تبرز بما أنتجه من أشكال، علي تميزها، بقدر ما تبرز من كونه نتيجة لهذا التشظي في الرؤي المطلقة أو المكتملة للحداثة: قومية، ماركسية، وجودية، سريالية.. إلي آخره، وذلك حين اصطدامها بالواقع وتفاعلها معه. حتي يكاد المرء يتوجس من تشظ ذهني يشبه الدادية لولا أنه موجه وجبهوي ضد كل ما هو متسلط ومفقر وتشتد المعاناة من بؤسه. وربما كانت قصيدته قلبي خارطة سوداء المكتوبة سنة 1973، من أكثرها تشظيا واحتداما:يضحكني جدّاً ـ والضحك إشارة استفهام قلقة..أن أفرغ ألواناً ترعبني في جلد الورقة..تتناثر من فمي الأصوات مشوّشة كطلوع الماء من النار فأغرق أوراق العالم بالكلمات المرتجفة..يا وطني،يا شام، و يا بحر مدينتي المشلوحة كالتابوت علي الشطآن، يضجر هذا العالم كالشهوة حولي. والفقراء يضجّون علي خارطة القلب القلق ـ وبين الضجة والضجة شرطيّ يضحك من رجفة جسمي… أما ماذا يعني ذلك كله؟ إنه يعني فيما يعنيه أن الشعرية العربية وبينما كانت تحاول إنجاز حداثة تجاوزها مصدرها الغربي، ها هي لأول مرة تجد نفسها أمام مهمات ما بعد حداثوية تحاول إنتاج أشكالها ذاتيا فيما تحاول مواجهة الواقع بما يمكن أن يحرك ركوده إذا لم أقل تغييره. وربما هذه الفاعلية الحية في معايشة الواقع والتفكر فيه وبه، إضافة الي اقتراب الشاعر من المقاومة، ومن مختلف القوي السياسية المتجمعة، علي تباينها، في بيروت أوائل السبعينيات من القرن الماضي، ارتهنت مجتمعة لحساسيته الشعرية لكي يختبر جدوي القول وفعله، مكونا بذلك وعيا نسبيا قد لا يستجيب للايديولوجيات إلا في لحظتها الآنية والراهنة، وحسب ما يقتضيه أثرها المرتجي، لا تبعا لشعاراتها العامة أو المعممة، وهذا الموقف يبدو راسخا في قصائده منذ بدايتها وحتي قصيدته أسوار عكا المكتوبة سنة 2001 في تونس:إن عرشك يا خالقي يغرق الآن في دم أبنائك الحاملين صليبك عنك ألا تنقذ العرش إنّ الجحيم يمدّ اللسان إليك؟!.وإني أخاطب ذاتك من قاع يأسي لأن العروبة والدّين قشّ لكرسي ألوذ بصمتك علّي أفسّر أحزان نفسي!وربما هذا المقتضي هو ما جعل قصائده ساخرة، ناقدة، بل ومفككة لهذه الايديولوجيات علي الرغم من أنها لم تتخلّ عن تصوراتها الانسانية العريقة كالعدالة والحرية والروابط الوجدانية الأصيلة ولكن ليس بغض النظر عمن يدعيها. بهذا المعني ينبغي الدقة في قراءة مواقف هادي دانيال وتناغمها مع المقاومة العربية: فلسطينية، لبنانية، عراقية، وتمايزها عنها في الخيارات الفكرية وحتي الوجودية. ربما لأن هذه المقاومة بطبيعتها، ومهما كانت مدتها، آنية ومرحلية، وربما لأن هذه القصائد، ومواقفها تكتسب حصانتها من واقعيتها الانسانية، معززة بذلك استقلالية الشاعر في حضور السياسة، وان تبديا أحيانا بشخص واحد. وربما كي لا ينطق الشاعر بلغة السياسة أتاح هادي دانيال للغته أن تناكد هذا الواقع وتعلق به، لكي تحتمل في أحد جوانبها هذا الارتكاس الي أشكال الحداثة، وما قبلها، بأوزانها وقوافيها، وحتي بمعجم مفرداتها. والطريف أن ذلك قد حصل في مراحل شعرية متقدمة، ولا أعتقد أن هادي دانيال كان قد فكر بأن ما قام به يتجاوب بشكل من الأشكال مع مفهوم ما بعد الحداثة، ذلك أن لغته بظواهرها الكبري لم تعمل علي أن تكون انعكاسا للواقع أو محاكاة لبنيته الثقافية المرتكسة أو المتطورة بقدر ما كانت تصدر عن وعي به، بتشظيه، وبفصاميته، لكي تتحرك متغيرة بأشكالها إن كان علي مراحل زمنية مختلفة،أو واعتمادا علي تجاورات مكانية متباينة ببنيتها وعلائقها. وربما لم يكن لهذه الحركة أن تأخذ حريتها ومداها لولا هذا التحول البلاغي عن الواقع بأوهامه الرومانسية والرمزية والسريالية.. للاقتراب من لغة تقارب حقائقه، ولو عبر استعارات وكنايات علي شكل وقائع تتباين بتباين حقائق الواقع الذي ترغب بمقاربته:تتشابك أغصان الشجر البريّ،فتحجب دمع الشمس عن النبع المتدفق من شفتيّ الصخر الحالم في أودية كفرية .تحاول قصيدة أغنية التشرد التي كتبها الشاعر سنة 1973، في قريته كفرية إحدي القري الجبلية في محافظة اللاذقية علي الساحل السوري، أن تعيد للشعر وظيفته الأولي في أنسنة الطبيعة والاحتفاء الاسطوري بها، وهي تفعل ذلك لأول وهلة، مبرزة ملمحا رومانسيا لكنه لا يلبث أن يتبدد بهذا الطباق البلاغي بين دمع الشمس و الصخر الحلم لكن وعلي الرغم من الأشجار تستطيع أن تحجب ما تفضحه الشمس بدموعها من أحزان المتشرد ما بين الطرقات ، إلا أن هذا المتشرد يستطيع بدوره أن يناقض فعل الأشجار ويقتحم فرح النبع بتدفقه ليبكي علي ضفافه كما تخبر نهاية هذه القصيدة.خلخلة هذا الانسجام الرومانسي لصورة الشمس سوف تظهر أيضا في قصيدة قلبي خارطة سوداء التي كتبها الشاعر في بيروت بعد مغادرته لدمشق بأيام، مستذكرا حياته الحزينة فيها من خلال تصوره لحالة الانتظار التي تعيشها شقيقته الصغيرة … المخدوعة بالشمس الممسوخة في نافذة البيت، الكرسيّالمشلوحة تحت جدائلها المنسوجة من خيطان الشمس المحجوبةتحت عباءتي السرية.يتيح هذا الهجاء لحالة الانتظار المتكررة في الإبداع الرومانسي أن يبرز حيوية اللغة الشعرية لدي هادي دانيال وتعددها، ليس بتعدد معاني الشمس واختلافها من واقع إلي واقع وحسب، ولكن بمقاربتها الحقيقية لهذه المعاني بعيدا عن اللغة المعلبة ولا سيما الرمزية منها.. فالنافذة التي كانت ترمز للتطلع، وربما الحرية لأن الشمس تدخل منها، ها هي تتحول إلي أداة مسخ وضيق، وربما لو كانت هذه النافذة في واقع آخر لكان معناها إيجابيا أكثر. مثلما تحول معني الشمس المحجوبة في قصيدة أغنية التشرد : من معناها السلبي معني الحزن والبكاء إلي معني الأمل، ولو كان سريا، كما في المقطع السابق من قصيدة قلبي خارطة سوداء ، بل إن هذا الأمل سينكشف في قصيدة لغما في ذاكرة العالم، أنفجر المؤرخة في بيروت 1974 علي شكل شمس تشرق أو تشع كشجرة مضيئة بالكبرياء: فمي غيمةتفرّ العصافير منها مذهّبة الريش نحو السماء التي مدّت الشمس فيها غصونا من الكبرياء.يمر هذا الاحتفاء وأمثاله سريعا في قصائد هادي دانيال كحركات تتجاوز لغة الحزن والبكاء لكي تطلق للمخيلة أن تتصور الشمس في حالة العزة والانتصار. وربما ما كان لهذا التخيل أن يحضر لولا انتقال الشاعر من حياة التشرد إلي حياة المقاومة غير أن الواقع لا يترك الشاعر لأحلامه طويلا طالما أن واقع المقاومة في قصيدة تفاصيل عامة المؤرخة في بيروت 1979، لا يستطيع أن يحمي هذه الشمس من الاستهلاك المهلك لهما معا:طلعت خجلي شمس الفقراء علي شرفات فلسطين كليمون بلدي.. فاعتصروها، ورموها فيعربات البلدية ..لكن انكسار الحلم لم يدفع الشاعر للتخلي عن المقاومة أو عن الشعر كما حصل مع ارثر رامبو، ليس لأن المقاومة لم تنته بما حل بالشمس، وليس لأن المقاومة تستطيع أن تتخذ استعارات غير الشمس، وإنما لأن القضية ليست متعلقة بالكلمات، بل ولأن الشعر بحد ذاته لم يعد نتاج علاقة بين كلمة وكلمة ليكون مجموعة من الرموز أو الدلالات، وإنما تحول لدي هادي دانيال، ولدي شعراء ما بعد الحداثة عموما، ليصير تمظهرا أو تجليا بالكلمات لوعي الشاعر بالواقع أو بالعالم أو بالدنيا تحديدا. وهو لذلك، بالضرورة، وعي مجرب، مختبر، وقابل لاحتمالات النصر والهزيمة. وربما هذه الاحتمالات هي ما أوصلت هادي دانيال من خلال إحدي استعاراته المبكرة والكبيرة إلي مفهوم الوقعنة الذي قاربته، ومن بعد عشرين عاما علي كتابته لقصيدة السمك ، في مقالة كتبتها سنة 2005 ونشرت هذا العام 2006، وتتضمن قراءة لأعمال الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم والتي توضح أن الصورة الفنية يمكن أن تتكون من استخلاص معني من المعاني من الواقع المعاش لكنها أبعد ما تكون عن التجريد وأقرب ما تكون إلي الاستعارات الانزياحية الكاملة ولكن المبتكرة ولا سيما حين وقعنتها لكن خارج قوانين الواقع الموضوعي ومنظوراته السطحية أو الجوهرية وهذه المقاربة أراها تصلح كما هي لقراءة قصيدة السمك المؤرخة في بيروت 1976 ويستخلص بها الشاعر نتائج الحرب الأهلية في لبنان: تقدّم لبنان منّي،وأرخي علي كتفيّيدين كجرحينقلت له:ها هو البحرفاغسل يديكفقال:أخاف علي السمكالموت!.غير أن موهبة سبهان آدم الفنية قد لا تتجسد في استخلاصه للاستعارات وحسب بقدر ما تتجسد في استخلاصه للألوان وابتكاره للخطوط. وربما أحتاج بهذه المناسبة إلي مصور فوتوغرافي علي وجه الخصوص لوقعنة الواقع الموضوعي ذاته كما يفعل هادي دانيال في قصيدته القطرب بقفازين ونظارة سوداء المؤرخة في بغداد 1987:كلّ هذا الضبابكي لا أري،كلّ هذا الدخان كي تدمع عيناي.أو قوله:الأصفر لون الشمس(…)وكل أخضر ييبس لا يصفرّ..،قد تسائل هذه الصور الواقع بلغة قريبة منه، وقد تماثله، لكنها قادرة في الوقت نفسه علي أن تغربه. وذلك حين تأخذ فرصتها بالانزياح عن عموميتها كي تغاير، ولو كاحتمال، كل ما تم ّ استدلاله واقعيا وطبيعيا، أو استدلاله رمزيا وسرياليا أو ما شابه. وقد تتبدي أهمية هذا التحول البلاغي بمقدرته علي تمثل ما هو مخفيّ وغير مصرح به مع أنها بداهة تشبه إلي حد كبير تعرية الطفل للملك كما في الحكاية القديمة، لتشبه عنوان قصيدته رياح لأقفال الجسد المؤرخة في بغداد 1987، والتي تعمل علي تعرية الواقع العربي وهزائمه: بشر يبشّرون بأشلاء بهجة لم نشعر بهايطلبون دماً لرفد معارك خاسرةونحن علي قارعة الدنيا جرار دمع مرّ..لكن هذه المعارك الخاسرة لم تمنع الشاعر، وبعد عقد من الزمن تقريبا، من كتابة قصيدته مدينة القلب في تونس 2006، وبعد نشر أعماله الشعرية الكاملة، من القول بنفس البداهة والتعرية، ولكن المناصرة للمقاومة اللبنانية المنتصرة:أتقدّم منّيأجمع بين ذراعيّ شتاتيأتملّّي مفتوناً ذرّات رفاتيوأموت.. كي تحيا بيروت!بعد هذه الاستراحة بالإنصات إلي معاني الشاعر ومواقفه وبلاغتها ـ غير المبالغ فيها! ـ ينبغي التنبه إلي أنه من السذاجة أحيانا أن يفهم هذا البلاغي علي أنه عودة إلي البلاغة بطرقها وأساليبها القديمة، وربما هذا الفهم قد لا يهم إلا من يحاول تجميل الواقع البشع أو تزيينه، كأنه بذلك يريد ألا يفهم هذا الانتقال إلي لغة جديدة، لغة ترفض أن تكون سلطة توجيهية بأوهامها حين ترفض أن تتوهم معرفة نظرية غير متحققة إلا كاستجابات مرتبكة لرؤي مرتبكة، ولم تظهر في الشعر العربي إلا كرموز ها هي تثبت انحدارها هي الأخري.أما حين يعمل هادي دانيال علي الانحياز إلي الواقع فلكي ينحاز إلي لغة تحاوره، بل تحاور أي واقع. وهي بذلك تحاول أن تشكل نفسها من جديد لكي تتيح لواقعها أن يتحرر من ماضيه أو من راهنيته الراكدة، لعله هو الآخر يبتكر لنفسه شكلا جديدا لا يلتمس في صفحات الكتب حلما أو شبه تخييل ولا سيما أن الخيال لدي هذا الشاعر هو أقرب إلي أن يكون فعلا وليس رغبة به، ولذلك هو مزعج لأنه يطالب بحل آخر، بلغة لا تري المستقبل في كلماتها وحدها. ولذلك سوف تبقي هذه اللغة في مسار الاحتمال والتحول بما يمنحها أن تكون لغة حديثة ومعاصرة، ولا تصغي إلي الحياة إلا لتحاول تغييرها فيما تغير أشكالها الشعرية وطرقها المعرفية أيضا.وعلي هذا الأساس ينبغي فهم التحول البلاغي لدي هادي دانيال بكونه استجابة موضوعية لتفعيل وسائل الاتصال بالواقع، كشيء شبيه بالمعادل الموضوعي الذي اقترحه الشاعر الانجلو سكسوني ت. س. اليوت في منتصف القرن العشرين، لولا أن ما يراد تفعيله هنا هو إحساس الذات بالشيء المدرك من أجل تكوين معرفة مباشرة به. وربما هذا ما ينأي به هادي دانيال ليس عن ت. س. اليوت الذي يشاركه بعض مقترحاته، في معني الوقعنة خاصة، وإنما عن شعراء الشفوية الذين يكتفون بالعلاقة الإدراكية وحدها، فتكتفي قصائدهم بالعلاقة الانعكاسية للواقع أو بالمفارقة الانعكاسية لوقائعه ومن غير أي معني أو جدوي سوي هذا الانعكاس وهذه المفارقة. بينما تأخذ هذه المفارقة لدي هادي دانيال بعدها الشعري بتحولها إلي وعي ساخر بتناقضات الواقع وفصاميته وتشتت أفكاره واضمحلال وجدانه حتي تكاد هذه السخرية تكون سمة عامة لقصائده قاطبة بما فيها قصيدة أفق يتكور المكتوبة في بلغراد 1987، لترصد أحوال النشء في أوربا الشرقية وأفكارهم مع انهيار الأنظمة الشيوعية والثقافة الأمريكية السائدة إليها:(الرطوبة في العين والقلب.والعناق المخاطي حبّ.والحضارة سروال جينز وويسكي.ولينين تركي.والحجارة تحكي وتبكي)(…) *مرّت امرأة ـ بطنها قبّة اللجنة المركزية ـ إذ جلست فوق كرسيّها بعاهرتين وعسكر…أفق يتكوّر.. أيّ جيل سيأتي إذن؟!هلّلوا يا!!ربما لو أتيح لهادي دانيال أن يتدخل في طباعة النجمة الخماسية الفاصلة بين المقطعين السابقين لربما اختار لها لونها الأحمر، لولا أن تفعيل الأحاسيس لديه لا يقتصر علي الألوان والصور فقط طالما أن وسائط التعزيم الشعرية هي بمعظمها وسائط حسّية، بما فيها الذوق والشمّ واللمس، غير أن الرؤية والسمع تمتلكان أهمية أساسية لأنهما من الوسائط التكوينية بل الفيزيقية للّغة وربما بلا اختلاف جوهري بين الصورة اللونية والصورة اللغوية وربما هذا ما يجعل هادي دانيال مصورا تشكيليا من أهم مصوري اللغة ولا سيما حين اختباره لأحدث الصور تطرفا في استكشاف الواقع وحركة تحولاته الجديدة، لمنح هذه الصورة طابعا شخصيا قد لا نراه إلا في قصائده بذات الحضور والطزاجة..وبهذا التمايز الشخصي الذي يجاور الصور الشعرية بمختلف تحولاتها البلاغية في لوحة بانورامية هائلة، تحضر الأصوات في قصائد هادي دانيال معلنة، لأول مرة أيضا في الشعرية العربية، عن ولادة إيقاعية مبتكرة، وهي من الأهمية علي الأقل بقدرتها الحاسمة علي فضّ النزاع نهائيا بين الشعر الحر وقصيدة النثر.. فإن كانت قصيدة النثر بفهمي هي كل شعر خال من الوزن والقافية، فإن الشعر الحر ليس كذلك، أولا لأنه موزون، وثانيا لأنه يحتمل أن يكون بقافية أو بغيرها. أما ما هو وزن الشعر الحر؟إنه ببساطة وزن لم يعد يعتمد علي التفعيلة كما هي حالها في الشعر القديم أو الحديث، وإنما أخذ منحي تفكيكيا لهذه التفعيلة وأحيانا لفواصلها، لكي يتجاوب وظواهر ما بعد الحداثة وآليّاتها، فيعتمد أسباب التفعيلة وأوتادها وحدات أولية لتركيب جمله الصوتية ونبراتها. أما أن ينتج عن هذه الأسباب والأوتاد تفعيلات فهذا لا يفضي بالضرورة إلي أن تكون هذه التفعيلات متجانسة أو منتظمة في بحور صافية أو مختلطة أو من ذات الدوائر، وبهذا يكتسب هذا البحر أو الوزن حريته. وفي الحقيقة لقد اكتشفت هذا الوزن الحر من خلا ل ممارستي الشعرية ثم توقفت علي نماذج منه لدي محمد الماغوط ولكن نادرا ما يحصل أن تكون مقفاة ولا أقول إن هذا بالشيء السيء، وربما كنت أود لو أحتفظ بمنجزاته لقصائدي لولا أن قصائد هادي دانيال الأولي كانت تلح علي دائما ولا أدري لماذا؟ إلي أن أخذت بكتابة هذا المقال احتفاء بصدور كتابه الأعمال الشعرية 1973 ـ 2003 هذا العام 2006 عن دار صامد في تونس أيضا، لأكتشف، إضافة إلي ما اكتشفته، أن هذا الوزن هو أحد تجليات أسلوبه الشخصي الأساسية والذي جاء نتيجة لتشظي رؤي الحداثة في قصائده ومنجزاتها في قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر. ولكنه يشكل بالأساس جهدا مباشرا لتفعيل الأحاسيس الذي افترضه التحول البلاغي في الوسائط الشعرية جميعها، لتأخذ الموسيقي بذلك شكلها الحقيقي ليس كمنظومات فنية مطلقة، وإنما كحركة صوتية تعبيرية لأحاسيس الشاعر ومعانيها، وهذا لا يمنع هذه الحركة من أن تأتي منظومة في بعض سطورها أو مقفاة في بعضها الآخر، ولكن لن يكون ذلك مطلقا في منظومات مقفلة كالبحور المعروفة أو المستحدثة طالما أن ما يعتمده في قصائده هو الوزن الحر الذي غالبا ما يتردد في قصائده مثل تقاسيم علي الحنجرة عنوان قصيدته المؤرخة في دمشق 1973: ـ 3 ـ وطني..تشّرد فيك عصفور تبلّله الدموع الصفر،بردك كان ينتف ريشه القزحيّ، كان الجوع يخدش فيه حنجرة الجياع،وكان يا ما كان.. ـ 6 ـ آه.. ما أحسست لي أمّاً سواك،(… ) ـ 7 ـ آه.. ولا أحسّ بأنّ لي وطناًسوي الهرب المجنّح عبر خارطة البلاد جميعها،فألمّ أحلي وردة حمراء،أحملها إليك،وفيك أزرعها..وأحفر عندها قبري!.وعلي ما أظن أن الأذن الرهيفة، أكانت خارجية أم داخلية أم متو سطة، سوف تلتقط إيقاعات هذه القصيدة ونغماتها علي الرغم من أنها غير موزونة بنظام التفعيلة التقليدي بل وغير مقفاة.. وإذا الحاجة غير ملحة الآن للتوسع في مقاربة هذا الوزن الحر ولا سيما أنني أحضر لدراسة مستقلة، مفصلة، تتناول كل ما يمكن أن أعرفه عنه ليكون لقصائد هادي دانيال مكانتها المستحقة فيها، إلا أنه من الضروري الملاحظة أن تنوع نغمات هذا الوزن وإيقاعاته سوف يعمل، ومنذ القصائد الأولي، علي اكتشاف تأليف سيمفوني، كان الشاعر يشعر به في قصائده الطويلة، ليمتاز عن تأليف الأوزان التقليدية أو الأوزان المدورة، بحدة حركته بين تدرجات الأصوات، ومقدرته التناغمية علي مؤالفة النغمات والإيقاعات والقوافي بتوليفات حرة غير متبعة في النظام الموسيقي المحض أو الشعري:أكلّ ورودنا بالرمل موؤودة؟كأنّك تفرد الكفّين سخرية: ـ وماذا يمنع الخنزير أن يفتضّ رايته؟.. و تلوذ بالقبر الرحيمعلي يديك النحل والوردة..وتفرّ من مقهي الرصيفإلي رصيف الجرحكأنّك نائم في قبرهم؟ / انهضفي القبر قبّرة،وغنّي في صحاري الروح:في الزمن المريضتخفّف العاشق من جسده،تخفّف الطائر من جناحه المهيض..فإضافة إلي أن هذا المقطع المجتزأ اعتباطا من قصيدة بيان الروح المؤرخة في تونس 1985، يبرز فرادة الشعر التوليفية بين الإيقاعات البلاغية والمعنوية فإنه يبرز رشاقة هذا التوليف وحساسيّته في الانتقال من ثيمة إيقاعية إلي أخري ولا سيما بين الثيمات المتقابلة والمتناقضة وغير المتوقعة، ليس رغبة بها لذاتها، وإنما لحاجة المعني إليها، أو بالأحري لحساسيّة الشاعر الفنية المتجلية بإحساسه الإيقاعي بما يعيشه ويفكر به..وربما أبرز ما ينبغي ملاحظته علي هامش حركة الإيقاع وتحولاته السيمفونية هو أريحية هذه الحركة بالسماح لبعض السطور الموزونة والمقفّاة بالظهور بين الحين والآخر، لتسمح في المقابل بظهور بعض السطور الخالية من الوزن والقافية حتي من الوزن الذي أفضي إليها. لولا أن قصيدة السمك ، المنوّه بها، قد تردّ سبب ظهور قصيدة النثر لدي هادي دانيال إلي قوة الصورة البلاغية كمعزّم حسي يتفوق أحيانا علي تراتبية هذا الوزن بسرديتها النثرية حتي لو بقي هذا السرد محتفظا بالحساب الرياضي للأوتاد والفواصل:مدائن من جماجم الرؤيمصيدة عنكبوت وحولي الذباب يطنّ في أذنيّ محتضراً،كأنّ شوارعها جداول أصماغ سائلةيخوّض المرء فيها بروحه وساقيه معاًوعلي الوجوه اندحار عريق…أسير محاطاً بعازل يفكّ ارتباطهبالمكان والوقت ؛إذ أصافح كائنا يمدّ يده إليّتلتمّ السلاميات علي رماد سحيق..ما أود قوله من خلال هذا المقطع المتضمن في قصيدة رياح لأقفال الجسد قد لا يتعلق بالجدل القائم حول نهائية الأشكال الشعرية بحدود قصيدة النثر، فهذا ما لا تثبته تجربة هادي دانيال ولا تهتم به أصلا. وإنما يتعلق بمزايا هذه القصيدة في تجربته، أولاً بأنها لا تخرج عن الرؤية الشاملة لشعريته. وثانياً بأنها شكل من أشكال أسلوبه الشعري. وثالثاً بأنها نتاج ذاتي للتفاعل بين وسائطه الشعرية ولا سيما البلاغية منها. وهي لذلك كلّه قد لا تشبه أيّة قصيدة نثر أخري… قبل استضافته لفعاليات المؤتمر الثالث والعشرين لاتحاد الكتاب العرب:شاعر من سورية0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية