يُعد الدكتور فاضل الربيعي (1952-2025) أحد الكتاب العراقيين الذين أثاروا جدلاً واسعاً في الأوساط العربية والدولية، من خلال قراءاته التاريخية الجذرية والمعارضة للسرديات التوراتية التقليدية المتعلقة بفلسطين وإسرائيل. تميز الربيعي بمنهجه الذي عُرف بمحاولة إعادة تأطير التاريخ القديم، ولا سيما الأحداث الواردة في العهد القديم، بعيداً عن السياق الجغرافي والتاريخي المألوف الذي يربطها ببلاد الشام، وموضعة هذه الأحداث في جنوب الجزيرة العربية، وبالتحديد في اليمن القديم.
ظهر هذا التوجه واضحاً في مؤلفاته المتعددة الأجزاء، التي تشمل أعمالاً مثل «فلسطين المتخيلة: أرض التوراة في اليمن القديم، وإسرائيل المتخيلة: مساهمة في تصحيح التاريخ الرسمي لمملكة إسرائيل القديمة». كما امتد مشروعه التأويلي إلى الدراسات المتعلقة بالتاريخ المسيحي والإسلامي المبكر، متخذاً من اليمن مركزاً للأصول الجغرافية والثقافية لتلك الفترات، وهو ما ظهر جلياً في أعماله مثل «المسيح العربي والشيطان والعرش: رحلة النبي سليمان إلى اليمن». في مجمل رؤيته، اعتبر الربيعي أن السرديات الغربية الاستشراقية عن تاريخ فلسطين ما هي إلا بناء أسطوري مخترع ومتخيّل؛ يستوجب «تفكيكه ونزع الرؤية الاستعمارية عنه»، في محاولة منه للتحدي وإعادة كتابة التاريخ من منظور مختلف.
المنهجية التاريخية والمصادر
يمثل منهج الربيعي التاريخي نموذجاً جدليا فردياً، يتسم بالخروج عن الأطر الأكاديمية التقليدية للبحث التاريخي. فهو يعتمد في تأويله على قراءة غير معيارية للنصوص الدينية، لا سيما العهد القديم باللغة العبرية، بالإضافة إلى النقوش العربية الجنوبية التي تعود إلى ما قبل الإسلام، والمصادر الجغرافية العربية الوسيطة مثل صفة جزيرة العرب للهمداني، وقوائم الأنساب اليمنية القديمة.
يقوم الربيعي بمقارنات ترابطية بين أسماء أماكن وشخصيات تاريخية، ليستنتج أن أحداثاً مركزية مثل السبي البابلي أو غزو الفرس لم تقع في بلاد الشام، بل في اليمن. على سبيل المثال، يعادل «يبوس» التوراتية بقرية «بيت بوس» اليمنية، ويعتبر أن «مصر» في الكتاب المقدس هي مملكة «معين-مصران» في جنوب الجزيرة العربية، وليس وادي النيل. ويصف النقاد هذه القراءات بأنها أقرب إلى التخييل الأدبي منها إلى البحث التاريخي الأكاديمي، حيث اعتبر أحدهم أن الربيعي «انغمس في تاريخ ما قبل الإسلام، وصاغه على هيئة روايات خيالية، متخلياً عن المناهج الأكاديمية لصالح أسلوب سردي أدبي».
تتميز مصادر الربيعي بأسلوب غير تقليدي يتجاوز النقد المعتاد، إذ يلجأ إلى إسقاطات زمنية غير متزامنة، مثل ادعائه أن مملكة سليمان كانت في اليمن، وأن «المملكة الشمالية» تماثل سبأ، و«المملكة الجنوبية» تماثل حمير. وهذا التناول يتجاهل الفجوات الزمنية المعروفة في الدراسات التاريخية، إذ يشير البروفسور عبد الله أبو الغيث إلى أن ممالك سبأ وحمير ظهرت بعد قرون من اندثار الممالك التوراتية، مما يجعل الربط الزمني غير دقيق. بالإضافة إلى ذلك، يزعم الربيعي وجود آلاف النقوش العربية الجنوبية التي تشير إلى شخصية تُدعى «عابر»، تربط بين قبائل حمير وسبأ وإسرائيل، لكن الباحثين المستقلين يطالبونه بإثبات هذه النقوش بنصوص موثقة، ما لم يحدث. ويبدو أن المنهج يفرض مفاهيم قومية معاصرة على نصوص قديمة لا تحمل هذه الدلالات، في انتهاك صارخ لأسس التحقيق العلمي. من هنا، توصل الربيعي إلى استنتاجات مثل أن «العرب هم أول الكنعانيين»، وهي خلاصة رفضها المؤرخون التقليديون باعتبارها متسرعة وغير مستندة إلى أسس علمية راسخة.
ويرفض الربيعي بشكل واضح ما يُعرف بـ«الأدلة الأثرية التقليدية» المتعلقة بوجود بني إسرائيل في فلسطين، حيث يؤكد في لقاء مع قناة «الجزيرة» أن «نصوص التوراة لا تشير إلى القدس كمدينة أورشليم»، وأن «علماء الآثار الإسرائيليين أنفسهم لم يعثروا على دليل ملموس لوجود عبري في فلسطين».
هذا الرأي يتناقض مع الأدلة الأثرية السائدة، التي تثبت وجود مستوطنات في العصر الحديدي في كنعان، بالإضافة إلى دلائل على تدمير المدن الكنعانية في القرن الثالث عشر قبل الميلاد. ويُعد هذا مؤكداً في مصادر أكاديمية معروفة مثل الموسوعة البريطانية.
حتى أبرز العلماء المنتقدين لتاريخية النصوص التوراتية، أمثال البروفيسور إسرائيل فنكلشتاين، لا يعيدون تحديد مواقع الأحداث التاريخية في اليمن، وإنما يعترفون بوجود أصول لتلك الأحداث في بلاد الشام. ولذلك، يخرج موقف الربيعي من نطاق الشك الأكاديمي المشروع إلى طرح بديل لا يحظى بقبول واسع في الأوساط العلمية.
النقد الأكاديمي
وتقييم المشروعية العلمية
تفتقر مقاربة الربيعي إلى المعايير الأكاديمية الصارمة المتبعة في البحث التاريخي، من حيث التدقيق النصي، والاتساق الزمني، والتحليل الأثري، ما أدى إلى رفض واسع لأطروحاته وتصنيفها ضمن «التاريخ الزائف». وصف المؤرخ محمد مرقطين سرديات الربيعي بأنها «أسطورية شبيهة بأطروحات كمال الصليبي، وتعكس جهلاً بالتاريخ وخواءً علمياً».
ويشير البروفيسور عبد الله أبو الغيث إلى أن الربيعي «يلعب بالأسماء والحكايات لإثارة الجدل، متجاوزاً قواعد البحث العلمي»، ما يجعل مشروعه خارج دائرة المنهجية العلمية الرصينة. حيث تعتمد الأوساط الأكاديمية المتخصصة على قواعد دقيقة في التنقيب الطبقي، والتحقق من صحة المراجع النصية، وتحليل السياقات التاريخية واللغوية والأثرية، وهو ما يفتقده طرح الربيعي بشكل واضح.
يمتاز مشروع الربيعي بأبعاد أيديولوجية جلية تتجاوز مجرد البحث التاريخي المحايد، إذ يُقدم أعماله كأداة نقدية منهجية تهدف إلى تفكيك وإعادة صياغة السرديات الاستشراقية والصهيونية التي تطرقت إلى تاريخ فلسطين القديم. يتبنى الربيعي خطاباً نقدياً حاداً، يصف فيه مؤلفاته بأنها شكل من أشكال «النقد الجذري» للسرديات الغربية، التي يطلق عليها وصف «الاستشراقية التوراتية»، في إشارة إلى ربط هذه السرديات بالنصوص الدينية اليهودية والقراءات الاستشراقية التي أسهمت في صياغة الصورة التاريخية والسياسية لفلسطين.
يرى الربيعي أن هذه السرديات مبنية على فرضيات غير علمية وأسس منهجية مهتزة، وأنها تعاني من تناقضات داخلية تهدد مصداقيتها وشرعيتها الأكاديمية، بل ويعتقد بأنها «في طريقها إلى الانهيار» بفعل هذه الإخفاقات الذاتية. بهذا الموقف، يقدم الربيعي نفسه كمدافع عن تصحيح التاريخ وإعادة تأطيره بما يخدم مشروع التحرر الوطني والثقافي.
في إطار هذه الرؤية، يمارس الربيعي دوراً ثقافياً تعبوياً يتخطى حدود البحث العلمي التقليدي، مستهدفاً إعادة صياغة الوعي العربي المستلب من خلال تأصيل رؤى قومية تحررية ذات صبغة ما بعد استعمارية. هذا الخطاب يعكس رفضاً صريحاً للرواية اليهودية، التي يراها نتاج مشروع استعمار ثقافي وسياسي، ويعمل على إعادة بناء هوية عربية جنوبية متجذرة في التاريخ القديم، حيث يعيد تعريف الشخصيات التوراتية الكبرى كأشخاص ينتمون إلى أصول عربية جنوبية (خصوصاً اليمنية)، ما يخلق سردية تاريخية بديلة ترتكز على الهوية العربية المقاومة.
يمكن فهم هذا التوجه كجزء من موجة واسعة من الممارسات الفكرية التي تهدف إلى تفكيك الهيمنة المعرفية الغربية في مجال الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية، وتسعى إلى استعادة السيادة المعرفية والثقافية للباحثين والمفكرين العرب، في إطار نقد ما بعد الاستعمار. يعكس مشروع الربيعي بذلك انخراطاً واضحاً في مشروع تحرري فكري يستهدف التصدي للهيمنة التاريخية والسياسية التي تفرضها الروايات المستشرِقية والصهيونية.
يربط الربيعي بشكل واضح بين مشروعه التأريخي البديل ومواقف سياسية معاصرة، حيث رحب بقرار اليونسكو عام 2016 الذي لم يعترف بالارتباط اليهودي الرسمي بالقدس والحرم القدسي، واعتبر هذا القرار تأييداً لطروحاته التاريخية ويشكل خطوة لإعادة كتابة التاريخ الفلسطيني متورطا «بلغة مضادة للصهيونية». تدفعه لإنكار الإرث الانثروبولوجي الفلسطيني المتنوع والثري، ومساحات كبيرة من التنوع الهوياتي، حيث يشير باحثون فلسطينيون وكتاب الى العهد القديم كأنثروبولوجيا فلسطينية ولست نموذجا استشراقيا غربيا.
المرجعيات الفكرية وتأثيرها
يستند الربيعي إلى إرث فكري من أبرز مراجعه كمال الصليبي، الذي أعاد موضع الأحداث التوراتية إلى جنوب شبه الجزيرة العربية في كتابه «التوراة من جزيرة العرب». كما يتماهى مع تيارات تنتقد الرواية الصهيونية في بعض الدراسات التي تناولت أعماله، ووصفته بأنه «مفكر حرّر الوعي العربي من هيمنة الروايات التاريخية السائدة».
ويضع الربيعي الدين والجغرافيا المقدسة في قلب تحليله، حيث يعيد رسم المواقع التاريخية للجغرافيا التوراتية والقرآنية، معتمداً على تشابهات لغوية وجغرافية يراها بعض النقاد «سطحية» و«غير نقدية». ويرى أن شخصية النبي سليمان مرتبطة أساساً باليمن، ويؤكد أن قصة زيارة سليمان للملكة بلقيس وقعت في اليمن، وليست في بلاد الشام، معتمداً في ذلك على نصوص يهودية وسرديات إسلامية لاحقة. هذا التفسير يُعدّ خروجاً جذرياً على الفهم التقليدي الذي ربط النبي سليمان ببيت المقدس في فلسطين. كما يحاول الربط بين الجغرافيا الدينية والتاريخ القومي، ويستخدم هذا المنهج لإعادة تأويل النصوص الدينية، مما أدى إلى جدل واسع بين علماء الدين والتاريخ.
ويُجمع الباحثون أن الربيعي يمثل ظاهرة فريدة في المشهد العربي الأكاديمي والثقافي، إذ رغم الإشكاليات المنهجية التي تثار حول أعماله، فإنها تلعب دوراً محفزاً على إعادة التفكير في مفاهيم التاريخ والهوية، وتطرح أسئلة مهمة حول العلاقة بين العلم والتاريخ والسياسة. تقدم أطروحاته تحدياً جدلياً يدعو إلى إعادة النظر في المصادر التاريخية، لكنها تحتاج إلى مراجعة نقدية دقيقة توازن بين الطرح الراديكالي والمعايير العلمية. يظل الربيعي صوتاً مختلفاً يحاول تصحيح «التاريخ الرسمي» من منظوره الخاص، لكنه يواجه تحديات كبيرة في إثبات مشروعيته العلمية في الوسط الأكاديمي والبحثي والآثاري.