إسطنبول- “القدس العربي”: بعد أن كانت الإدانات الشديدة والتحذيرات الخطيرة تسيطر على المواقف الغربية من العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا، باتت التصريحات تركز على “تفهم الحاجات الأمنية التركية” والدعوة الخجولة إلى “ضبط النفس وعدم التصعيد”، في تحول مهم بالمواقف الأمريكية والغربية بشكل عام نتيجة العديد من المتغيرات الثنائية والإقليمية والدولية على الصعيدين العسكري والسياسي.
وقبل أيام، نفذت عشرات الطائرات الحربية والمسيرة التركية عملية جوية واسعة أطلقت عليها وزارة الدفاع التركية اسم عملية “المخلب- السيف” جرى خلالها تدمير العشرات من مواقع الوحدات الكردية شمالي سوريا والعراق وقتل العشرات من عناصر التنظيم، وحتى اليوم لا تزال الطائرات التركية والمدفعية ومرابض الصواريخ توجه ضربات متتالية وسط تهديدات صريحة بقرب إطلاق عملية برية واسعة جديدة شمال سوريا.
والأربعاء، جدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تهديده بالعملية، إذ تعهد بـ”اجتثاث الإرهابيين من مناطق تل رفعت ومنبج وعين العرب”، وأضاف: “سننقض على الإرهابيين برا أيضا في الوقت الذي نراه مناسبا”، معتبراً أن “العمليات التي نفذتها تركيا بالمقاتلات والمدفعيات والطائرات المسيرة ما هي إلا بداية”، وأن “القوى التي قدمت ضمانات بعدم صدور أي تهديد ضد تركيا من المناطق الخاضعة لسيطرتها في سوريا، لم تتمكن من الوفاء بوعودها”، وهو ما يجبر تركيا على القيام بذلك بنفسها، على حد تعبيره.
وتظهر التطورات في الأيام الأخيرة أن التفجير، الذي وقع في شارع الاستقلال قبل أيام وأدى إلى مقتل 6 مدنيين أتراك بينهم طفلة وأصاب العشرات، أحرج العديد من الدول التي تقدم الدعم للوحدات الكردية شمالي سوريا، إذ اتهمت تركيا الوحدات الكردية بتقديم الدعم للخلية التي نفذت الهجوم.
وإلى جانب ذلك أيضاً، أدت ضربات صاروخية نفذتها الوحدات الكردية من شمال سوريا على الداخل التركي إلى مقتل 3 مدنيين بينهم مُدرسة وطالب صغير عقب سقوط قذيفة داخل فصل دراسي جنوب البلاد.
يضاف إلى ذلك مسار المفاوضات بين فنلندا والسويد من جانب وتركيا من جانب آخر من أجل قبول الأخيرة انضمامهما إلى حلف شمال الأطلسي، وفق الاتفاق الأخير، الذي نص على وقف الدولتين دعمهما للوحدات الكردية، ومساعدة تركيا في حماية أمنها القومي، إذ كانت السويد من أوائل الدول التي أعلنت دعمها وتفهمها للحاجات الأمنية التركية امام التهديدات الإرهابية، في تطور غير مسبوق.
هذا العامل أيضاً ينطبق على مواقف العديد من الدول الأوروبية وصولاً للموقف الأمريكي، فعلى الرغم من أن الكثير من الدول الأوروبية لم تعرب عن دعمها لعمليات الجيش التركي الأخيرة، لكنها امتنعت عن الإدانات الشديدة والتهديد، كما كان يجري طوال السنوات الماضية، واكتفت بالتأكيد على أهمية “تجنب التصعيد” و”ضبط النفس” وغيرها من العبارات الدبلوماسية.
يضاف إلى ذلك أيضاً التغيرات في المواقف والحسابات الدولية التي أفرزتها الحرب الروسية في أوكرانيا، والتي عززت موقف تركيا الاستراتيجي والجيوسياسي وأهميتها لكل الأطراف الدولية، وعلى رأسها روسيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية والتي تتجنب هذه المرة الدخول في صدام مباشر أو تصعيد دبلوماسي مع تركيا يمكن أن يقطع قنوات الاتصال والحوار في وقت أثبتت فيه أنقرة أهميتها لكافة الأطراف في وقت حساس جداً تمر به العلاقات الدولية.
وفي أبرز المؤشرات على التغير في المواقف الأمريكية والروسية، ما كشفت عنه مصادر تركية من أن الطائرات الحربية التركية استخدمت المجال الجوي الذي تسيطر عليه روسيا والولايات المتحدة لأول مرة خلال تنفيذ عملية “المخلب- السيف”، إذ يعتبر دخول الطائرات الحربية التركية في عمق الأراضي السورية حدثاً استثنائياً كون ذلك يتطلب تنسيقاُ متقدماً مع الولايات المتحدة وروسيا اللتان تنشران أنظمة دفاعية في المنطقة وكانتا ترفضان دخول الطائرات التركية تلك المناطق.
والأربعاء، جرى اتصال هاتفي بين رئيس هيئة الأركان التركية يشار غولر ونظيره الأمريكي مارك ميلي تباحثا خلاله حول “المستجدات الراهنة”.
وكان وزير خارجية السويد توبياس بيلستروم قال إن تركيا لها الحق في الدفاع عن نفسها ضد الإرهاب، وأضاف: “تركيا دولة تتعرض لهجمات إرهابية والدول التي تتعرض لمثل هذه الهجمات تملك حق الدفاع عن نفسها”، في موقف استثنائي لا يمكن فصله على الإطلاق عن مساعي السويد للحصول على موافقة تركيا النهائية للانضمام إلى الناتو.
في سياق متصل، أجرت وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر مباحثات مع نظيرها التركي سليمان صويلو في أنقرة حول التعاون في مكافحة الإرهاب، وقالت الوزيرة: “نتضامن بشكل كامل مع تركيا وندعمها في مكافحتها للإرهاب”، بعدما قالت الحكومة الألمانية إنها “تتعامل بجدية” مع الاتهامات التركية لتنظيم “بي كا كا” بالمسؤولية عن هجوم شارع استقلال قرب ميدان تقسيم.