لندن ـ ‘القدس العربي’: يرى عدد من افتتاحيات الصحف البريطانية والامريكية ان العالم العربي يحتاج الى خطة مارشال لتعزيز الديمقراطية على غرار الخطة التي قامت بها امريكا في اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. وجاء الحديث عن الخطة واهميتها وسط تدهور الاوضاع في ليبيا واعتراف الحكومة الليببة بوجود مشاكل بعد خطاب نجل الزعيم معمر القذافي، سيف الاسلام. ورأت تقارير الصحف البريطانية ان الزعيم القذافي اخذ يفقد السيطرة على الامور حيث خرجت مدينة بنغازي في شرق البلاد عن سيطرة الحكومة، فيما قالت تقارير ان قادة في الجيش انضموا الى المحتجين، واعلنت قبائل في شرق البلاد دعمها لحركة المعارضة فيما استقال ممثلون دبلوماسيون من بعثات الخارجية الليبية في الخارج. ويقود المعركة ضد المحتجين في بنغازي نجل القذافي خميس المدرب في روسيا ومعه شقيقه الساعدي اضافة للمسؤول المخضرم في المخابرات الليبية عبدالله السنوسي. ونقلت تقارير قي صحيفة ‘ديلي تلغراف’ البريطانية عن طبيب في بنغازي قوله انه شاهد جثث القتلى والدبابات تحاصر المستشفيات. واعترفت الصحف البريطانية بصعوبة التأكد من الاخبار خاصة ان النظام قام بفرض حظر على استخدام الانترنت واغلق فيسبوك وقام بالتشويش على الاشارات الهاتفية والهواتف النقالة.
وترى صحيفة ‘التايمز’ ان الاحتجاجات يبدو انها تنتشر في معظم انحاء البلاد على الرغم من محاولة النظام قمعها بالقوة. وأكد سيف الاسلام في خطابه ان النظام سيقاتل حتى النفس الاخير. ويرى تحليل في ‘الغارديان’ كتبه ايان بلاك ان الزعيم معمر القذافي يواجه اسوأ ازمة منذ توليه السلطة عقب انقلاب عام 1969 ولكن لا احد يتوقع انه سيتخلى عنها بسهولة. فقد نقلت صحيفة عربية عن مصدر مقرب من عائلة القذافي قوله ان العائلة ستموت على التراب الليبي ولن تخرج من البلاد. ويعتقد محللون ان الرد القمعي الذي مارسه النظام يؤشر لحساسية الزعيم حيث يلجأ للقمع عندما يواجه بتحديات، ففي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي ارسل فرقه الخاصة لقتل من اسماهم ‘الكلاب الضالة’ والذين تجرأوا على تحدي الثورة. وقام بسحق المعارضة الاسلامية في التسعينات ايضا وفي عام 1996 قتل الف معتتقل في سجن بوسليم. ويرى معارضون ليبيون في لندن ان المعركة بالنسبة للقذافي هي معركة حياة او موت. وقد نجا القذافي من توترات في المنطقة خاصة بعد الحصار الدولي بسبب قضية لوكربي، وارضى الغرب بتسليمه اسلحة الدمار الشامل التي يملكها ووعد باصلاحات. ويقول دبلوماسيون بريطانيون سابقون ان الرئيس الليبي سيجد من الصعوبة تقديم تنازلات. ويتساءل الكثيرون عن اثر التهديدات الغربية والشاجبة للقمع على موقف النظام من التظاهرات، خاصة ان الاتحاد الاوروبي حذر من قيامه وقف التعاون مع ليبيا في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية من افريقيا الى اوروبا. ويتميز النظام السياسي بالحكم الفردي المطلق، فالنظام الليبي وان تطور من حكم الشعب واللجان الثورية، الا ان معظم الوزارات التنفيذية ـ الدفاع والخارجية والامن بيد الزعيم. ومن المشاكل التي تعتري النظام السياسي في ليبيا ان القذافي لم يعين خليفة. ولم تخل مواقع الانترنت والصحف في الخارج من شائعات حول توريث السلطة لواحد من ابنائه. فهو من جهة يتلقى النصح من نجله المعتصم، مستشار الامن القومي الذي قام بانشاء وحدة عسكرية لتنافس الوحدة التي يقودها شقيقه خميس. واظهر الشقيقان في الفترة الاخيرة سلطة اكبر من شقيقهما سيف الاسلام. وكان تقرير قد كتبه السفير الامريكي في طرابلس تحدث فيه عن سياسة القذافي لابراز ابنائه. ويرى السفير الامريكي السابق جينه كيرتز ان القذافي، شخصية معقدة استطاعت البقاء في السلطة مدة 40 عاما من خلال موازنة المصالح واتباع الواقعية السياسية. ويرى محللون ان الاحتجاجات في ليبيا يجب ان تتواصل لان التراجع عنها يعني قمعا وقتلا وسجنا من النظام. وعلى الرغم من غياب الانسجام في مؤسسات الدولة، والخوف من الفوضى الا ان المتظاهرين يحاولون تعزيز مواقعهم ومواصلة الاحتجاجات، فالنظام الليبي الذي قام ومنذ عقود على فكرة سلطة الجماهير الغى المؤسسات المركزية مما اكد على الهوية القبلية بين السكان مما يعني ان انضمام القبائل للمحتجين سيمثل تهديدا لبقاء النظام.
مرشحة للسقوطوتعليقا على احداث العنف والتظاهرات في ليبيا كتب الصحافي البريطاني المعروف ديفيد هيرست مقالا في ‘الغارديان’ ان معظم الانظمة العربية باتت مرشحة للسقوط بعد زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر، مشيرا الى ان بعض الانظمة العربية قد لا تخرج من السلطة بسهولة. ولكنها تظل مرشحة. وتحدث في المقال عن وصف غايل كيبل، المتخصص في الحركات الاسلامية للاحداث التي تعم العالم العربي اليوم بانها ثورة ديمقراطية. وقال ان هذه الثورة تمثل الطريق الثالث في التاريخ العربي الحديث، وجاءت بعد القومية العربية والاسلام السياسي. وعلى خلاف الثورتين السابقتين تتميز هذه بميزتين الاولى تشير الى طريقة ادارة الثورة، من ناحية ابداعيتها والشباب المسيس والمتعلم الذي قادها، اما الامر الثاني، فعمقها ومفاجأتها للجميع وامكانية تطورها واستمرارها. وقال ان الثورة العربية هي عربية خالصة ولا تعني ان العرب يريدون الانفصال عن العالم بل يقومون بثورة عربية بناء على القيم الاوروبية، فالعرب الذين لم ينضموا الى ‘قوة الشعوب’ التي اجتاحت اوروبا الشرقية وامريكا اللاتينية ينضمون في النهاية الى التاريخ الذين منعوا من الانضمام اليه. وقال ان الشرارة اشتعلت في تونس، حيث ألهمت الثورة الجماهير العربية خاصة في مصر التي امل العرب ان تحدث فيها الثورة لانها منبع الناصرية والاخوان المسلمين واجداد القاعدة والجهاد جاءوا منها. واشار الى ان ناصر في ثورته عام 1952 كان يرغب ببناء ديمقراطية حقيقية ولكنها ظلت ديمقراطية بقيادة الجيش. وتحدث الكاتب انه ان كان العرب الان ينضمون للعالم فماذا يعني هذا للعالم؟ فهل يعني ان الثورة العربية في تبنيها للقيم الغربية لنظام الدولة يجعلها متقبلة للسياسات الغربية ووصفاتها. ربما لا حسب الكاتب لان الديمقراطية نفسها علاوة على المشاعر العربية الحانقة التي تظل تتذكر دعم الديمقراطيات الغربية للديكتاتوريات. ويعتقد ان الطريق الثالث العربي يعني في النهاية سيطرة العرب على مصائرهم السياسية وسيكون من ضمن هذا الاسلام السياسي الذي يخاف منه الغرب، وكذا القومية العربية ستكون من ضمن الطريق الثالث هذا. ويتساءل الكاتب عن معنى النظام الجديد هذا لامريكا، التي لن تلعب الدور الذي لعبه مبارك في الماضي واثره على اسرائيل التي تنظر الى ما يحدث في العالم العربي على انه كارثة وظلت تقدم نفسها على انها الديمقراطية الوحيدة في العالم العربي وان الديمقراطية ليست للعرب. وبعيدا عن هذه الاسئلة يتساءل الكاتب عن المكان التالي الذي ستضربه الديمقراطية العربية، البحرين الذي تحاول العائلة المالكة التي تحكم منذ قرنين اللجوء الى الحوار اما العقيد القذافي فانه سيقوم بعمل ما اعتاد عليه وهو تقطيع المعارضين الى قطع وهذا لا يلغي ان كل الانظمة العربية مرشحة لان تضربها الثورة العربية الجديدة. وجاءت افتتاحية ‘الغارديان’ تعليقا على عنف ليبيا حيث علقت على علاقة ليبيا الجديدة مع الغرب وكيف خرجت من نفق الحرب الباردة، تعاون مع المحافظين الجدد الامريكيين في الحرب على الارهاب، زيارة توني بلير الى ليبيا وعقود كبيرة مع شركات النفط البريطانية. واضافت انه بعد مقتل 200 شخص بدا العقيد القذافي الجديد نسخة عن زميله السابق ‘القديم’. وتحدثت عن مجريات الاحداث وتطورها مشيرة الى انه من الصعوبة الحديث عن وضع الاحتجاجات. وقالت ان سياسات النظام تؤكد على انه اما البقاء او لا شيء حسب دالتون، فالنصر الكبير يتحدث اكثر من الكلمات. وتقول ان نهاية الزعيم لن تحدث الان في القريب العاجل وقد تحدث عندما ترفض القوات الامنية عصيان الاوامر واطلاق الرصاص على المحتجين. واشارت الى انه في حالة صحة التقارير عن استخدام النظام لمرتزقة من دول افريقية مجاورة فالنظام في هذه الحالة لا يتورع عن استخدام العنف، لكن كلا الطرفين في النزاع يواجهان خيارا صعبا لن يتورع فيه كل طرف عن استخدام العنف. ولا تستبعد الصحيفة ان النظام الليبي قد يصعب على امريكا خسارته في المنطقة خاصة ان تأثيرها في المنطقة يتراجع، وليس اكثر دلالة على هذا التراجع من فلسطين التي يخرج فيها الفلسطينيون في يوم الغضب بعد احباطهم وشعورهم بالخيانة من باراك اوباما الذي كانت دولته الوحيدة التي صوتت ضد قرار تقدمت به السلطة لوقف الاستيطان. وتقول انه مع اندلاع المظاهرات في مدن الضفة الغربية فان قدرة اوباما على اقناع الطرفين للجلوس على طاولة المفاوضات تتراجع ومعها منظور السلام. وترى صحيفة ‘تايمز’ البريطانية في افتتاحيتها ان العالم العربي يحتاج الى خطة مارشال شاملة على غرار الخطة التي قدمتها امريكا فيما بعد الحرب العالمية الثانية وان الغرب امامه فرصة تاريخية وان ما يحدث في العالم العربي لحظة تاريخية. ودعت الغرب لفهم الوضع العربي وان النمو في الاحياء الاسلامي جاء على حساب غياب المعارضة السياسية في العالم العربي. وقالت ان فكرة دعم العالم العربي ربما تبدو غريبة في بلد يطفو على النفط ولديه ثروة هائلة، لكن هذه الثروة مكرسة في يد الاغنياء فقط دون سواهم في دول الخليج تحديدا. فدول كسورية والاردن ومصر لم تستطع تحقيق اي تقدم بسبب عدم توفر المال فيما قامت دول الخليج باستخدام المال بطريقة غير جيدة. واشارت الى المؤتمر الذي دعت اليه مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الاوروبي الذي سيعقد يوم غد الاربعاء في بروكسل ويناقش التطورات في الشرق وسط دعوات متتالية من امريكا وبريطانيا وفرنسا واليابان لتقديم حزمة دعم اقتصادي وترى فيها الصحيفة مكافأة عن اي تغيير في مجال بناء المؤسسات. وتعتقد ان اي خطوة من الغرب لتحسين اوضاع العرب سينعكس بشكل ايجابي على امنها.
تغييرات تحبس الانفاسومن هنا قالت صحيفة ‘اندبندنت’ في افتتاحيتها الى ان التغييرات التي تحمل في طياتها الكثير من اللايقين في العالم العربي تدعو الغرب الى فهم ان معادلة النفط والامن التي حكمت تعامله مع الانظمة في العالم العربي قد لا تصمد امام رياح التغيير وعلى الغرب ان يتعلم من درس السويس عام 1956 ولا يكرر تجربتها.
واشارت في البداية الى ما جاء في خطاب توني بلير- رئيس الوزراء البريطاني السابق بعد احداث عام 2001 الى ان هناك حاجة تدعو لاعادة ترتيب العالم. وقالت ان حربين في افغانستان والعراق لم تقدم اي شيء على الرغم من الكلفة المالية والبشرية. وقالت ان انتفاضات الشارع التونسي التي اشعلت النار في الهشيم اظهرت ان الغرب ‘نحن’ لا يد له في اي تغيير. واضافت ان سرعة التطورات في العالم العربي تحبس الانفاس، من تونس الى مصر وليبيا واليمن والبحرين وحتى ايران واذربيجان. وقالت ان منظور دخول المنطقة مرحلة اضطراب باتت واضحة، خاصة ان اشرس المعارك تدور الان في ليبيا. ورغم ان هناك دفعة قوية للتغيير الا ان النتائج غير واضحة مع ان معالم ثلاثة واضحة اهمها ان الغرب لا يعرف حقيقة ما يجري في الشارع العربي خاصة ليبيا، اما المعلم الثاني فهو مرتبط بطبيعة الموقف ذي الحدين الذي استخدمه الغرب مع العالم العربي. فالغرب بدا عاجزا عن استخدام تأثيره مع الدول التي يملك عليها قولا عندما كان يجب ان يستخدمه وفي الوقت المناسب، وهذا واضح في الحالة الامريكية مع مصر، وموقف بريطانيا من الوضع في ليبيا. وهذا يقود الى الملمح الآخر وهو ان الغرب لا قدرة لديه على التدخل لتغيير مسار الاحداث باستثناء تقديم الدعم المعنوي للقوى الداعية للديمقراطية في دول غير ديمقراطية يحكمها حكام تلقوا الدعم من الغرب وحاول ابقاءهم في السلطة.