تقاسم مداخيل النفط… ورقة حفتر لحرمان الحكومة الليبية من «السلطة المالية»

حجم الخط
0

إسطنبول – الأناضول: إصرار المشير المنشق خليفة حفتر على تقاسم مداخيل النفط، ووضعها في حساب بنكي في دولة أجنبية، يقابله رفض الحكومة الليبية لهذا الطلب لمساسه بسيادة البلاد، مما يدعو للتساؤل حول كيف تصرف أموال النفط في إحدى أغنى الدول الإفريقية دون أن ينعكس ذلك على الواقع الفعلي للمواطن وللبلاد إجمالاً.
فخلال الأيام الأخيرة تسارعت الأحداث بشأن فتح وغلق حقول وموانئ تصدير النفط تحت ضغط عدة دول، لكن في اتجاهات متضادة انتهت باشتراط أحمد المسماري، المتحدث باسم مليشيات حفتر «فتح حساب خاص في إحدى الدول، تودع فيه عوائد النفط».

من يتحكم في صرف المداخيل؟

ورد عليه مندوب ليبيا في الأمم المتحدة طاهر سني، بأن ذلك «انتهاك للسيادة، ودليل الوصاية، ومحاولة تكرار مسلسل النفط مقابل الغذاء»، في إشارة لبرنامج أممي سمح للعراق في 1995 من بيع جزء من نفطه لشراء الغذاء لشعبه. وحالياً لا يحصل حفتر، الذي يسيطر على نحو 90 في المئة من حقول النفط والغاز في البلاد، وعلى أغلب المنشآت وموانئ تصدير المحروقات، سوى على جزء محدود من مداخيل هذه الثروة الهائلة بالعملة الصعبة، بينما يسعى للاستحواذ على حصة الأسد.
بموجب القانون الدولي فإن الحكومة الليبية وحدها هي التي تمتلك شرعية تصدير المحروقات عبر «المؤسسة الوطنية للنفط» في العاصمة طرابلس. ومداخيل هذه الصادرات تصب في حساب للبنك المركزي في طرابلس أيضا، وتقوم الحكومة بصرف هذه الأموال على أقاليم البلاد الثلاثة (طرابلس، برقة، فزان) حتى تلك التي لا تخضع لسيطرتها الفعلية.
وحاول حفتر الاستلاء على مداخيل النفط من خلال خلق مؤسسة نفط وبنك مركزي موزايين، لكنه فشل لأنه لا يملك الشرعية الدولية، ولأن المجتمع الدولي لا يعترف سوى بالمؤسسات الرسمية في طرابلس.
فلجأ حفتر وبدعم من مصر والإمارات إلى تهريب النفط وبيعه بأسعار مخفضة في السوق السوداء، لتمويل حربه على الحكومة الشرعية.
كما حرض القبائل الموالية له لغلق الحقول والموانئ النفطية في 17 يناير/كانون الثاني 2020، حتى لا تقع على مليشياته المسؤولية الجنائية والقانونية، وأيضا حتى لا تطالبه شركات النفط العالمية المستثمرة في ليبيا وشركات التأمين بدفع تعويضات عن خسائرها.
يذكر أن غلق مليشيات حفتر النفط طيلة ستة أشهر تسبب في خسائر فاقت 6.5 ملايير دولار. وتتولى الحكومة الشرعية في طرابلس دفع أجور الموظفين في كامل البلاد، بما فيها المناطق الشرقية الخاضعة لسيطرة مليشيات حفتر وإدارة الحكومة الموازية غير المعترف بها دوليا.
وتشمل أجور الموظفين التي تدفعها الحكومة الليبية في طرابلس، حتى العسكريين وأفراد الشرطة التابعين لحفتر، لكن جزءً منهم وليس كلهم، مما يضع عليه أعباء مالية أضافية يسعى لتغطيتها عبر تهريب الخردة ونهب بعض البنوك والاستدانة من أخرى وطبع النقود في روسيا بالإضافة إلى دعم الإمارات المالي، ومصادرة أملاك خصومه وبيعها.
يذكر أن السجلات الإدارية لأفراد الشرطة في المنطقة الشرقية الخاضعة لحفتر كلها متواجدة في طرابلس.
فالنظام الإداري الموروث عن نظام معمر القذافي (1969-2011) مركزي، وليس اتحادياً، وهو متركز في طرابلس. لذلك تُدفع مرتبات الموظفين في المنطقة الشرقية، كما في كامل البلاد، من الحكومة المسيطرة على العاصمة، وهذا أحد الأسباب التي دفعت حفتر للاستعجال في الهجوم عليها.
لكن لا توجد هناك محاصصة في توزيع مداخيل، أي ليس لكل إقليم نسبة معينة من مداخيل النفط، كما يشترط حفتر، وبعض المسؤولين في إقليم برقة، الذين يعتبرون أنهم لا يستفيدون بشكل كاف من مداخيل النفط رغم أن أغلبها يقع في الشرق.

إحباط عمليات التهريب

ظن حفتر أن بإمكانه تركيع الحكومة الليبية من خلال غلق النفط، بالتزامن مع تهريبه إلى الإمارات ومصر، وبذلك يكون ضرب عصفورين بحجر واحد. لكن رب ضارة نافعة»، فعملية إيريني البحرية التي أطلقتها دول الاتحاد الأوروبي لفرض حظر بحري على السلاح إلى ليبيا، واعتبرتها الحكومة الشرعية أنها تستهدفها أكثر من مليشيات حفتر، الذي يهرب إليه السلاح برا وجوا، تبين أنها لها جانب إيجابي. ففي 22 مايو/أيار الماضي، اعترضت سفينة حربية فرنسية (جان بارت) ناقلة نفط تسمى «جال لاكسمي»، تحمل علم الغابون، كانت متوجهة إلى ميناء الحريقة النفطي في مدينة طبرق، أقصى شرقي ليبيا، لتحميل منتجات بترولية مكررة لحساب شركة مسجلة في الإمارات، حسب إعلام غربي.
وبقيت ناقلة النفط تحوم في عرض البحر لقرابة أسبوع دون أن تتمكن من الوصول إلى هدفها، خاصة بعدما تم الاتصال بمالك ناقلة النفط والشركة المؤمنة عليها، وكان التهديد بالعقوبات مجديا في منع السفينة من الرسو في طبرق.
وأضاع حفتر بسبب ذلك ملايين الدولارات كان يأمل في الحصول عليها لو تم تحميل السفينة. كما جعل ناقلات النفط وشركات التأمين العالمية تتردد في تهريب المنتجات النفطية الليبية لحساب الإمارات أو أي دولة أخرى.
وهذا الواقع الجديد أفقد حفتر مورداً مالياً هاماً لتمويل الحرب وخنق الحكومة الشرعية، أضف إلى ذلك مصادرة مالطا كميات هامة من الأوراق النقدية المطبوعة في روسيا، والتي كانت متوجهة لمليشيات الشرق، مما ضاعف من عجزها في الدفع لمرتزقة شركة فاغنر والمرتزقة الأفارقة، ناهيك عن عائلات القتلى وعلاج المصابين الذين بلغوا آلافا.
كما أن تراجع أسعار النفط، وارتفاع تكاليف الحرب في اليمن، أثر بالتأكيد على سخاء الدول الخليجية في تمويل مليشيات حفتر ومرتزقته، وقد يكون أحد الأسباب التي دفعت مرتزقة سودانيين للانسحاب من ليبيا واتهام حفتر بعدم دفع مستحقاتهم.

تقاسم المداخيل يفيد حفتر

الحديث عن تقاسم مداخيل النفط يهدف بالأساس إلى حرمان الحكومة الشرعية من «السلطة المالية»، وهي ورقة قوية خاصة بعد تلاشي حلم حفتر في دخول طرابلس، وانهيار مليشياته في المنطقة الغربية.
وإذا تم وضع عائدات تصدير النفط في حساب بنكي في دولة أجنبية وتم توزيعه تحت إشراف أممي أو دولي، فيعني هذا أن الشعب الليبي سيصبح تحت وصاية دولية، وهذا يفقد البلاد جزءا من سيادتها، وإن كان سيعزز شفافية توزيع الأموال، إلا أنه في الوقت نفسه سيشجع مليشيات حفتر على دخول مزيد من المغامرات العسكرية. وهذا ما يفسر تأكيد المتحدث باسم الجيش الليبي، محمد قنونو، على «ضرورة إنهاء هذا العبث …فالوقت قد حان لتدفق النفط مجددا والضرب على الأيدي التي توقفه»، ما يعني أن الحكومة الشرعية مُصرة على استعادة سيطرتها على الحقول والموانئ النفطية، بعدما فشلت لحد الآن الخيارات التفاوضية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية