تقاطع حلقات برومين الَّلكانية مع أوسكار وايلد

على مدار عصور طويلة، يحاول العلماء والباحثون فهم الطبيعة البشرية وأسباب انتهاجها وتيرة معينة من السلوك، أو حتى نبذها، من أجل مواصلة الحياة وفقا لمنظور يُعتقد أنه الأفضل. وفي كل مرَّة يكون الإجماع على أن الرغبات والهواجس هما اللتان تدفعان المرء إلى مواصلة الحياة، لكن في كثير من الأحيان ينقلب السحر على الساحر، إذا لم تتم السيطرة عليهما، ويتحوَّلان إلى سبب رئيسي في إصابة المرء بأمراض نفسية أو أخلاقية عويصة قد تدفعه إلى تدمير الذات. والرغبة هي العدو الأول للإنسان، والسيطرة عليها ليست سهلة على الإطلاق، وبسببها يصبح لكل فرد ماضي يخجل منه، أو كما يقول الكاتب الإنكليزي أوسكار وايلد: «لكل قديس ماضٍ، لكن الآثم له مستقبل», فلقد كان وايلد يؤمن بأن الإنسان يبرع في إخفاء رغباته، وما يظهره للعالم لا يعدو كونه قناعا زائفا لا يقوى على نبذه جهارا. وبأسلوبه الساخر شديد الذكاء كان يردد مؤكِّدا: «ببساطة، الفضيلة ما هي إلَّا سلوك نتَّبعه عند التعامل مع أفراد لا يروقون لنا بشكل شخصي».
وقد تناول تلك المسألة عالم الطبَّ النفسي الفرنسي جاك لاكان Jacques Lacan (1901-1981) الذي شرح أسس الطب النفسي بأسلوب فلسفي، وأوضح أن اللاوعي يلعب دورا أساسيا في حياة البشر بوجه عام، وفي رغبات الإنسان بشكل خاص. وكان يُؤثر ألَّا تكون تلك الرغبات غير واقعية، نظرا لطبيعة الإنسان التي تحرِّكها الرَّغبة بشكل أساسي، لكن عند بلوغ ما تطمح له، لا تلبث أن تنبذه، ثمَّ تشرع في التخطيط لوسيلة لبلوغ رغبة أخرى، حتى لو كانت أقل من السابقة شأنا. ويعزى السبب لذلك، كما يشرح لاكان، إلى أن الإنسان في حقيقة الأمر راغب عن الغاية؛ فكل ما يطمح له هو الهاجس، الذي يكون دائما بعيد المنال، والدافع الرئيسي وراء البقاء ومواصلة الحياة.
وقد رسم لاكان شكلا هرميا يعبِّر فيه عن مراحل تطوُّر الوعي البشري، وأوضح أنه يمر بثلاث مراحل: التخيُّلية والواقعية والرمزية، التي تتقاطع مع بعضها بعضا عن الدخول في معترك الحياة، وفي شكل يشابه «حلقات برومين الثلاث» المتشابكة (Promean Rings) التي لا تتقاطع فيها أي حلقة إلَّا مع واحدة فقط، لكنها في الوقت نفسه تبدو كشكل متماسك يبدو فيه أن كل حلقة تتشابك مع الاثنتين الأخريين. واستخدم لاكان ذاك الشكل لتوضيح تشابك جوانب النفس البشرية، وأنه لا يمكن تفسير جانب بغضّ النظر عن الجوانب الأخرى. وبيَّن لاكان أن ما ينجم عن تقاطع تلك الدوائر هو بروز شكل يشبه المثلَّث والذي أطلق عليه اسم «الألف الصغير» objet petit a، الذي فسره بأنه «الشعور بالنقص» ولا يقصد بذاك الجانب السلبي للنقص الذي يكون سُبَّة في الجبين، لكن الشعور المُلح بالاحتياج للحصول على شيء ما، والذي قد يدفع الإنسان مثلا في بعض الأحيان لبذل المال والجهد لشراء لوحة بملايين الدولارات، وبعدها قد يجهل على أي حائط قد قام بتعليقها؛ فالإنسان ضعيف أمام رغباته، لكنه ينبذها فور امتلاكها. وبأسلوب ساخر شديد الحصافة، عبَّر أوسكار وايلد عن تلك المعضلة النفسية بقوله: «هناك فاجعتان في الحياة؛ أولهما ألَّا تحصل على ما تريد، والأخرى أن تحصل على ما تريد». ولعل ذلك أصدق تعبير لشرح منظور لاكان عن شرح الدوافع النفسية وراء الرغبات، وقد يكون السبب أن أوسكار وايلد شخصيا كان فريسة لرغباته، التي حينما حققها جميعا أفضت إلى دماره نفسيا وجسديا.

والكاتب الإنكليزي الساخر أوسكار وايلد Oscar Wilde (1854-1900) هو تجربة فنية وأدبية وإنسانية فريدة قلَّما تتوافر في شخص واحد على الإطلاق. فقد كان كاتبا حداثيا وبعد حداثي بمعنى الكلمة، وأهم ما يميِّز كتاباته هو الذكاء الشديد، سواء في الأفكار أو اختيار الكلمات أو حتى تراصها، فتقريبا جميع أقواله هي حكمة تتميز بتجاور نقيضين في سطر واحد، ووضوح المعنى دون لبس، وأيضا اختيار الفكاهة الساخرة كي تنطلق الرسالة إلى عتبات اللاوعي وتستقر فيه. وعلى ذلك، اقتنص وايلد الخلود والتعاطف على مرّ العصور، حتى الوقت الحاضر ليس بسبب أنه يعالج قضايا إنسانية عالمية، لكن بسبب هبة الذكاء التي منحها الله له واستخدمها في اختراق اللاوعي، لكن الكارثة الكبرى أنه استخدم تلك الهبة الفذَة على نفسه وكانت السبب في دماره.
ولد وايلد في أسرة ميسورة الحال، وتعلَّم في المراحل الأولى من عمره على يد معلمات ألمانيات وفرنسيات في المنزل. جذبته دراسة الآداب، وكان أساتذته في الجامعة يفخرون بأنه تتلمذ على أيديهم، فقد احتفى به الوسط الأدبي فور دخوله فيه، وأصبحت أعماله ظاهرة فنية راقية، اجتذبت جميع الطبقات إلى المسارح التي تُعرض عليها، بما في ذلك ملكة إنكلترا. وحين كتب الرواية، كانت عبقرية متكاملة الأركان، سواء في الحبكة أو الخاتمة، وكانت له مؤلَّفات شعرية أيضا، لكن لا تحظى قصائده بشهرة أعماله الأدبية الأخرى. وعلى الرغم من أنه لم يترك إلَّا ميراثا أدبيا قليلا، نظرا لأنه فارق الساحة الأدبية وعالم البشر وهو في ريعان شبابه، لكن لا يزال اسمه يهز الأوساط الأدبية، ويتناول أعماله وقصة حياته العديد من الباحثين والهواة. عشق وايلد ذاته، واهتم بمظهره بشكل لافت، ونهل من الحياة أطيابها، وكان يردد دوما: «ذوقي هو أبسط الأذواق على الإطلاق، فلا يرضيني إلَّا الأفضل» ولكم عشق أن تكون أعماله وسيرته الذَّاتية وإطلالاته الموضوع الذي تلوكه جميع الألسن، كما لو كان أحد مشاهير العصر الحالي، الذي لا تنفك وسائل التواصل الاجتماعي في الحديث عنهم. وبالمقارنة بنجوم العصر الحالي، فلقد كان هو من يتعمد إثارة الجدل حوله حتى يزجي نيران شهرته؛ «ففي الحياة، الأسوأ من الحديث عن شخص ما، هو جفاف الحديث عنه» كما يعتقد وايلد.

لم يحتمل الشاب كل تلك الذنوب والآثام التي كانت تظهرها له صورته التي أخفاها، منذ أن لاحظ أنها تعكس روحه، وآلمه أنها أصبحت شيطانية المظهر وشديدة الهِرَم. فاستل سكينا وغرسها في الصورة وكأنه يقتلها، فما كان إلَّا أن مات هو وترك خلفه جثه رجل عجوز قبيح لم يتعرَّف عليه الخدم.

لقد كان القدر يحقق لأوسكار وايلد جميع رغباته، فانغمس فيها وصار ينهل منها بشراهة. لكن في داخل ذاته الشرهة تلك، كانت هناك نفس طيبة بعيدة عن كلّ الملوثات، في ما يبدو أنه قتلها وبرع أيضا في إخفائها. وتعد روايته الفلسفية «صورة دوريان جراي» The Picture of Dorian Gray (1890) تدوينا غير مباشر لسيرته الذَّاتية، وكذلك نبوءة بمصيره. والرواية على الرغم من عبقريتها وأسلوبها الفلسفي الرَّائع، لم تحظَ بترحاب واسع بين الأوساط العامة والأدبية حينها، بل كان يعتبرها البعض مخيفة. فالرواية تحكي قصة شاب رائع الجمال يرسم صورته فنان له آراء تحض على الانغماس في الاستمتاع بمباهج الحياة، وكان للفنان صديق آخر يخالفه الرأي ويدعو للسيرة الحسنة والفطرة القويمة، وكأن اجتماع هذين الصديقين تجسيد لنزعتي الخير والشرّ في النفس البشرية. لكن الشاب شديد الجمال «دوريان جراي» تمنى لو يبيع روحه للشيطان، مقابل أن يظل شابا طوال العمر. وبالفعل تحققت أمنيته، وحينها اختار الانصياع لرغباته، وكانت كل واحدة تسلمه لأخرى أسوأ منها، حتى أصبح قوَّة تدمر كل شيء جميل تلمسه، فماتت بسببه فتاتان رائعتا الجمال، وعلى الرغم من أنه كان يشعر بالذنب تجاههما، لكنه آثر أن يهمل ذاك الشعور، خاصة أنه لاحظ أن تغيُّر ملامحه وظهور آثار آثامه بدأ ينعكس على اللوحة وليس جسده. ومع زيارته لمنزل ذاك الفنان، يلتقى بالصديق الطيب، لكن «دوريان جراي» لم يحتمل الاستماع لنصحه ومحاولة دفعه للطريق القويم مرَّة أخرى، فقتل ذاك الرجل بدم بارد، وبذلك أصبح في رقبة «جراي» دماء ثلاث أرواح. وحتى عندما حاول أن يدمر نفسه بإدمان الكوكايين في أحد الأوكار، قابله أخو الفتاة التي انتحرت بسببه، وحاول قتله. لكن «دوريان جراي» عاد لرشده واستغل مظهره الشَّاب الجميل وأخبره أن الرجل الذي يبحث عنه بالتأكيد أصبح طاعنا في السنَّ، أمَّا هو فلا يزال شابا.
في نهاية الأمر، لم يحتمل الشاب كل تلك الذنوب والآثام التي كانت تظهرها له صورته التي أخفاها، منذ أن لاحظ أنها تعكس روحه، وآلمه أنها أصبحت شيطانية المظهر وشديدة الهِرَم. فاستل سكينا وغرسها في الصورة وكأنه يقتلها، فما كان إلَّا أن مات هو وترك خلفه جثه رجل عجوز قبيح لم يتعرَّف عليه الخدم. وتلك بالفعل كانت نهاية أوسكار وايلد، الذي في قمة شهرته، وبعد ثلاثة أيام فقط من عرض رائعته المسرحية «أهمية أن تكون إرنست/ جادا» The Importance of being Earnest، فوجئ بدعوى قضائية أقيمت ضده من قبل لورد عالي الشأن، قوامها أنه أغوى ولده ومارس الرذيلة معه، وكانت تلك هي السكين التي انغمست في صورة «دوريان جراي» وأحالته إلى رجل عجوز لم يتعرَّف عليه أحد، وتنصَّل منه الجميع بعد اعتباره مصدر خزي وعار عليهم. وعلى الرغم من أنه تم سجنه لعامين فقط، لكنهما قتلا روحه، كما يظهر ذلك في خطابه المفتوح الرائع «من الأعماق» De Profundis الذي كتبه في ثمانين ورقة، وأظهر فيها كيف انقلبت أحواله وماتت روحه. ويعد ذاك الخطاب جواز مروره من عصر لآخر وخلود سيرته وأعماله.
تناول مسيرة حياة أوسكار وايلد من منظور نفسي اجتماعي، أمر شديد التعقيد وبالغ الأهمية؛ لأنه مثالا يُحتذى به من النَّاحية الأدبية، وعبرة من المنظور النفسي والاجتماعي. وأمَّا أعماله فهي عبقرية يُغلِّفها الضحك والسخرية، ومثال واضح للألف الصغير الذي أوضحه لاكان عند شرح تقاطع حلقات الوعي البشري.

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية