تقرير التنمية البشرية: صدام الحضارات أم خواء البطون؟

حجم الخط
0

صبحي حديدي

في عهد كمال درويش، وزير المالية التركي الأسبق والموظف الرفيع السابق في البنك الدولي والمدير الحالي لـ برنامج الأمم المتحدة للتنمية البشرية، عادت هذه المؤسسة الدولية الكبري إلي سابق رطانتها العتيقة حول تنمية بلدان الجنوب، أو البلدان النامية، أو بلدان العالم الثالث… سمها ما شئت، فالتسميات سيان! وفي تقرير العام 2006 ثمة ردة إلي خطاب الستينيات الذي لم يسمن من جوع، ليس بالمعني البلاغي بل بالمعني الحرفي للتعبير، ولن يقي اليوم من مرض وجدب ومجاعات، ما دام يلف دون طائل في الدائرة المغلقة ذاتها: بناء ديمقراطيات قوية (في البلدان النامية، بالطبع!)، توليد نمو متساو عالمياً، منع الأزمات ودعم العلاج طويل الأمد، حماية كوكبنا الأرضي بما يفيد الفقراء، وقف انتشار مرض الأيدز، تمكين المرأة بهدف تحويل المجتمع، وعقد الشراكات الدولية من أجل التنمية.

لقد أسمعتَ لو ناديتَ حياً!

وحتي يسمع مَن في يدهم مفاتيح الحل والربط في تسعة أعشار قضايا التنمية البشرية الجنوبية، لا يبدو أن السيد كمال درويش بصدد العودة إلي آخر تقارير التنمية قبل أن يتسلم مهام منصبه، ولعله أخطر التقارير منذ تأسيس هذا البرنامج الأممي سنة 1965، أي ذاك الذي ذهب أبعد من مجرد سرد الأرقام القاتمة عن انقسام العالم إلي صف التخمة عند القلة القليلة، وأغلبية الجوع عند السواد الأعظم. وتقرير العام 2004 تناول، كما قال عنوانه اللافت، الحرية الثقافية في عالم اليوم المتنوع، وبالتالي سعي إلي نقض نظريات صراع الحضارات، بل وسمي النظرية الشهيرة ذاتها دون حرج أو تأتأة. كذلك بحث التقرير في مسائل الهوية علي امتداد العالم، وإشكاليات تعدد الهويات، ومختلف السياسات الثقافية التي تسود في عالم اليوم بصدد الانفتاح أو الانغلاق والتعدد أو التعصب، وكيف يمكن للتنوع الثقافي أن يكون ميدانا خصباً للتنمية.

وفي السطور الأولي من التقرير ثمة هذه الفقرة المدهشة: في زمن تتردد فيه بقوة ـ وبشكل يثير القلق ـ أصداء فكرة صدام الثقافات علي نطاق كوني، فإن العثور علي إجابات عن الأسئلة القديمة، بصدد أفضل وسائل الإدارة وتخفيف حدة الصراعات حول اللغة والدين والثقافة والأصل العرقي، يكتسب أهمية متجددة. وهذه ليست قضية مجردة في نظر المشتغلين بالتنمية. وبالفعل… التقرير سار خطوة فكرية غير مألوفة حين استعرض خمس أساطير حول التنافر الذي يعيق التنمية الإنسانية والسياسية والثقافية، ثم سعي إلي تقويضها واحدة تلو الأخري:

ـ الأسطورة الأولي، أن هويات البشر الإثنية تتنافس مع ارتباطهم بالدولة، ولهذا يوجد نوع من التنافر بين الإقرار بالتنوع وتوحيد الدولة.

ـ الأسطورة الثانية، أن المجموعات الإثنية ميالة إلي النزاع العنيف مع بعضها البعض بسبب صراع القِيَم، ولهذا يوجد نوع من التنافر بين احترام التنوع وتوطيد السلم.

ـ الأسطورة الثالثة، أن الحرية الثقافية تتطلب الدفاع عن الممارسات التقليدية، ولهذا يمكن أن يوجد نوع من التنافر بين الإقرار بالتعددية الثقافية وقبول أولويات إنسانية تنموية أخري مثل التقدم والديمقراطية وحقوق الإنسان.

ـ الأسطورة الرابعة، أن البلدان المتعددة إثنياً أقل من سواها قدرة علي التنمية، ولذلك يوجد تنافر بين احترام التنوع وتوطيد التنمية.

ـ والأسطورة الخامسة هي أن بعض الثقافات أكثر ملاءمة من سواها لتحقيق التقدم التنموي، وبعض الثقافات تمتلك موروثاً من القِيَم الديمقراطية لا يتوفر عند سواها، ولهذا يوجد تنافر بين الحفاظ علي بعض الثقافات وإشاعة التنمية والديمقراطية.

والحال أن هذا التقرير لم يشكل تسفيهاً مباشراً لآراء صمويل هنتنغتون ونظرية صدام الحضارات فحسب، بل وجه طعنات نجلاء إلي معظم آراء كبير مستشرقي عصرنا برنارد لويس، حول التنافر الذي يُبقي المجتمعات المسلمة بمنأي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. وهذا دحض، يُعد بليغاً إذ يصدر عن رهط من التكنوقراط الاقتصاديين والتنمويين، لتنظيرات لويس العديدة حول ملف محدد يُطرح الآن بالذات في قلب أوروبا وفي صلب معادلات الشرق و الغرب: الديمقراطية التركية، وصلاحية تركيا للانضمام إلي الإتحاد الأوروبي، وتطابق أو تنافر قِيَمها السياسية والثقافية مع تلك التي يؤمن بها الغرب.

والحال أن الديمقراطية التركية كانت علي الدوام عزيزة برنارد لويس، ليس فقط لأنها في نظره الوحيدة العلمانية في محيط شرس من الفقه (الإسلامي) اللاعلماني واللاديمقراطي في الجوهر، بل أساساً لأنها في عنده المثال الوحيد الذي نجح في أي مكان من هذا العالم الشاسع الواسع المترامي الأطراف، الذي تندرج أقوامه وإثنياته وعقائده وجغرافياته في تسمية واحدة خرافية هي دار الاسلام.

لكن لويس سكت عن مشكلات هذه العزيزة ذات يوم، في عام 1998، حين اتخذت المحكمة الدستورية التركية قراراً بحل حزب الرفاه، ومصادرة ممتلكاته، وحظر العمل السياسي علي خمسة من قادته حدث أيضاً أنهم كانوا نواب الشعب المنتخبين شرعاً، وحدث كذلك أن بينهم رئيس الحزب ورئيس وزراء تركيا الأسبق نجم الدين أربكان! الطريف أن كبير المستشرقين كان أقل ديمقراطية من جيمس روبن، الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية آنذاك! الأخير اعتبر أن الولايات المتحدة لا تدعم ولا تناهض أياً من الأحزاب السياسية التركية، ولكن الإدارة لا تخفي قناعتها بأن حظر العمل السياسي لأي حزب يضعف الثقة في الديمقراطية التركية، لأنه يمس في الجوهر مبدأ تعدد الأحزاب. أكثر من ذلك، طاب للرجل أن يعطي الأتراك دروساً في أصول الديمقراطية حين ذكر بأن أي إصلاح سياسي لا بد أن ينهض علي المزيد من تعزيز حرية التعبير وحرية الاجتماع.

لم نسمع كلاماً من برنارد لويس آنذاك، هو الذي بشر طويلاً، واستبشر مراراً، بالتجربة التركية في الديمقراطية التعددية والعلمانية السياسية والدستورية، والتي يقول إنها: لم تكن من صنع الحكام الإمبرياليين، ولم تفرضها القوي الغازية الظافرة. لقد كانت خياراً حراً مارسه الأتراك حين انتهجوا طريق الديمقراطية الطويل والشاق والمزروع بالعقبات، ولكنهم برهنوا أن حسن النية والتصميم والشجاعة والصبر كفيلة بتذليل تلك العقبات والتقدم علي طريق الحرية.

ومراراً شهد العالم هذه الديمقراطية وهي تترنح تحت الضربات المتلاحقة التي لم يتردد جنرالات الجيش في تسديدها إلي قلب التجربة، وكلما تعين أن يفعلوا ذلك استناداً إلي تقديرات مجلس الأمن القومي بوصفه الحارس الساهر علي العلمانية، والوحيد الذي يمتلك الحق في الاجتهاد العلماني وتحويل محتوي الاجتهاد إلي قرارات ملزمة للمجتمع. وكان يستوي أن يلجأ الجيش إلي القانون (المحكمة الدستورية وحل الأحزاب)، أو إلي حبل المشنقة (كما في مثال عدنان مندريس)، أو الإنقلاب العسكري بوصفه ذروة العلاج بالكي. ومراراً شهد العالم مهازل القضاء التركي ضد الديمقراطية وحقوق الإنسان، وكان النواب الأكراد (العلمانيون تماماً، الماركسيون أو اليساريون أو الليبراليون) أبرز ضحايا هذه العربدة الدستورية.

سكت برنارد لويس آنذاك، وهو اليوم أيضاً ساكت عن سابق قصد وتصميم، الآن إذْ يوشك الإتحاد الأوروبي علي تعليق مفاوضات ضم تركيا، وكأنه في نهاية المطاف يقول للأوروبيين: حتي هذه الديمقراطية المسلمة العزيزة علي نفسي لا تصلح للانضمام إلي أوروبا، لأنها (وكيف يمكن أن نلتمس له سبباً جوهرياً سوي هذا!) تعيش نوعاً من التنافر بين الحفاظ علي قِيَمها الإسلامية وقِيَم الديمقراطية وحقوق الإنسان… تماماً كما في الأسطورة الخامسة التي سفهها تقرير التنمية البشرية!

ولعلنا ننتقل أبعد قليلاً، من الأفراد إلي المؤسسات، فنتبصر في سابقة نوعية حول مبدأ التصالح مع الآخر، وإصلاح ذات البين مع التاريخ، قد تكون ذات صلة راهنة بما جري بين الفاتيكان والعالم الإسلامي بعد تصريحات البابا الأخيرة، قبيل زيارته إلي تركيا. قد يذكر البعض اعتذار الكنيسة الكاثوليكية من يهود فرنسا، أواخر العام 1997، وهو الحدث النوعي الذي بدا مختلفاً كل الاختلاف عما فعله المستشار الألماني الراحل فيلي براندت عام 1970 حين جثا أمام نصب الـ غيتو في وارسو؛ وعما فعله الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتيران صحبة المستشار الألماني السابق هلموت كول عام 1984، في مقبرة فردان؛ وما فعله وقاله الرئيس الفرنسي الحالي جاك شيراك عام 1995 بعد أشهر معدودات من فوزه في انتخابات الرئاسة. الاعتذار هذه المرة لم يأتِ من السلطات السياسية العلمانية، بل من الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية، التي اعترفت بعد 57 سنة أن صمتها المطبق إزاء ترحيل 75 ألف يهودي إلي المعسكرات النازية لم يكن سلوكاً مسيحياً لائقاً، وهو بالتالي يستوجب الإعتذار العلني وبأفصح العبارات.

المسألة هذه المرة ثقافية، بين ديانة وديانة، وتراث وتراث، وذاكرة وذاكرة. دلالاتها استثنائية حين يتذكر المرء الصمت (الرهيب بالفعل) الذي التزمته الكنيسة الكاثوليكية إزاء ترحيل اليهود، وقبل ذلك إزاء إخضاعهم لسياسات تمييز جائرة مثل تعليق نجمة داود علي الصدر بصورة إلزامية، والمنع من الوظائف الدبلوماسية والعسكرية والتدريسية، ومصادرة الأملاك. والدلالات استثنائية حين نتذكر هذا النداء، الرهيب بدوره، الذي أطلقه الكاردينال الفرنسي الكاثوليكي بودريار عام 1941 لأنني قس وفرنسي يمر بمرحلة حاسمة، هل في وسعي أن أرفض إقرار المشروع النبيل المشترك الذي تقوده ألمانيا، الذي يسعي إلي تخليص فرنسا وأوروبا والعالم بأسره من الهواجس الأشد خطورة، وإقامة تآخ صحي بين الشعوب علي خلفية تجديد مسيحية القرون الوسطي؟ ها قد حان الوقت لحملة صليبية جديدة. وأؤكد لكم أن ضريح المسيح سوف يتحرر. ومن خلال أحزان اللحظة سوف ينبلج فجر جديد.

ألم تكن المناسبة، وعلي مبدأ أن الشيء بالشيء يذكر، تستثير اعتذاراً مماثلاً عن صمت الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية إزاء المليون ضحية من الجزائريين الذين سقطوا أثناء حرب التحرير؟ وإذا كانت تعقيدات أرشيفية سياسية وتاريخية ما تزال تكتنف هذا الملف بالذات، فماذا عن المجزرة الرهيبة الشهيرة التي وقعت عام 1961، وذهب ضحيتها 200 من المتظاهرين الجزائريين الذين قضوا غرقاً حين دفعتهم مفارز الشرطة الفرنسية إلي مياه نهر السين، في قلب باريس وأيام الجنرال ديغول دون سواه؟ وفي المقابل، ألا يذكر الاعتذار من يهود فرنسا بغياب الاعتذار، أو بالصمت المطبق الذي ما تزال تمارسه الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية، والفاتيكان بأسره في نهاية المطاف، إزاء عمليات الإبادة الجماعية التي مارسها الفاتحون الإسبان ضد الأقوام الأصلية الأمريكية ( الهنود الحمر في تسمية كريستوفر كولومبوس) وسط لامبالاة الكنيسة، ولكن… وسط مباركتها للمذابح في أمثلة عديدة!

ثم ألا نتذكر، ولا ندهش كثيراً، أن مفردة الاستغفار، التي جاءت في خطاب البابا الراحل يوحنا بولس الثاني أثناء زيارته للجامع الأموي في دمشق صيف 2001، هي تراث الاعتذار الوحيد الذي يملكه الفاتيكان إزاء الحروب الصليبية، هذه التي تُستعاد كلما قُرع طبل لأية حرب بين الغرب والآخر، ولن يكون الرئيس الأمريكي جورج بوش آخر رافعي الراية إياها.

فعلي مَن يتلو كمال درويش مزاميره! وأية تنمية هذه التي يعد بها أبناء الفقراء حين تقول الأرقام إن قرابة 1.2 مليار آدمي يعيشون بأقل من دولار واحد يومياً، وأن مرض الإيدز حصد العام أرواح 22 مليون نسمة، محولاً 13 مليون طفل إلي أيتام؟ وإذا تعذر اعتماد البرامج التي تسمن من جوع وتقي من جائحة، فما الذي يبرر الردة إلي خطابات جوفاء بادت في حينها… حتي قبل أن تسود!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية