تقرير «لجنة التحقيق»… هل يستخدم ضد إسرائيل في الساحة الدولية؟

حجم الخط
0

في 25 شباط نشر تقرير لجنة التحقيق التي تشكلت بقرار من مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة للتحقيق في أحداث إطلاق النار على حدود القطاع والتي بدأت في 30 آذار 2018. لم تتعاون إسرائيل مع اللجنة ولم يسمح لأعضاء اللجنة بدخول القطاع. وكان السطر الأخير في التقرير هو أن هناك أساساً معقولاً للاعتقاد بأن إطلاق جنود الجيش الإسرائيلي النار على المتظاهرين في منطقة الجدار الحدودي كان غير قانوني في الغالبية الساحقة من الحالات بل كفيل بأن يعتبر كجريمة حرب أو كجريمة ضد الإنسانية. وحسب التقرير، تقع المسؤولية على من نفذ إطلاق النار، بمن في ذلك القادة في الميدان وكذا من صاغ أو أقر تعليمات فتح النار.
ويشار في التقرير إلى أن اللجنة جمعت معلومات عن هوية المنفذين لأعمال الإخلال بالنظام وهي تطلب أن ترفع هذه المعلومات، إلى جانب التقرير الكامل وعموم المواد المجمعة، إلى محكمة الجنايات الدولية، حيث يجري فحص أولي بشأن الجرائم التي يحتمل أن تكون ارتكبت في الأرض الفلسطينية المحتلة وكذا لسلطات التحقيق في الدول التي تسعى للتحقيق في الأحداث. كما يدعو التقرير الدول إلى ممارسة الصلاحيات القضائية في نطاقها ضد الجرائم الموصوفة فيه وكذا النظر في فرض العقوبات، بما في ذلك من خلال منع السفر وتجميد الأملاك، على من يعتبرون كمسؤولين عن ارتكاب الجرائم.
وحسب التقرير، فإن هذه مظاهرات مدنية في جوهرها، ذات أهداف سياسية، وإنه رغم أحداث عنف في إطارها، لم تكن جزءاً من معركة عسكرية، وبالتالي، فإن الإطار القانوني ذي الصلة هو إنفاذ القانون وتطبيق قوانين حقوق الإنسان، والتي بموجبها لا يمكن استخدام القوة الفتاكة إلا في حالات الدفاع عن النفس أو لحماية الآخرين من تهديد فوري على الحياة والذي معناه تهديد في مدى ثوان وليس ساعات، وحين تكون القوة ضرورية ومتوازنة. وتقول اللجنة إنه عندما وقع نشاط قتالي يرتبط بالمواجهة المسلحة بين الطرفين كان يمكن تبرير استخدام قوة فتاكة ضد من يشارك مباشرة في النشاط القتالي حتى بغياب تهديد فوري وفقاً للقانون الدولي الإنساني (قواعد المواجهة المسلحة).
يركز التقرير على المصابين الفلسطينيين ويفصل قوائم حالات القتل والإصابة، دون أن يتطرق تقريباً على الإطلاق للتهديد النابع من الأحداث على إسرائيل باستثناء ذكر قصير بموجبه ادعت إسرائيل بأنها رأت في المظاهرات تهديداً أمنياً جديداً بسبب صلتها بالمنظمات المسلحة الفلسطينية وكونها غطاء لتنفيذ «أعمال إرهاب» وأن اجتياز الجدار سيعد تهديداً فورياً.
وحسب التقرير، تم فحص 189 حالة وفاة للفلسطينيين، منها 183 بالنار الحية، وكذا 300 حالة إصابة بالنار الحية في أثناء المظاهرات. ويقدر التقرير بأنه أصيب 103 أشخاص بالنار فيما أصيب آلاف آخرون بالغاز المسيل للدموع. ويشير التقرير إلى أنه في إسرائيل قتل جندي واحد، وأصيب أربعة جنود ولحق ضرر بالممتلكات كنتيجة للبالونات الحارقة. ويقول التقرير أنه باستثناء مصابين اثنين ـ واحد أطلق النار نحو جنود الجيش الإسرائيلي والثاني حاول الاعتداء على جنود بسكين ـ في كل باقي الحالات كان استخدام جنود الجيش الإسرائيلي للنار الحية غير قانوني. فقد أطلق الجنود النار على المتظاتهرين الذين كانوا يقفون على مسافة بعيدة عن القوات ويعملون في نشاطات مدنية، دون أن يكونوا شكلوا خطراً فورياً أو قاموا بأعمال عدائية. ويسير التقرير شوطاً بعيداً ويعتقد بأن قناصة الجيش الإسرائيلي هاجموا بشكل مقصود أطفالاً، أعضاء طواقم طبية، وصحافيين ومقعدين، رغم أنهم رأوا بأن هؤلاء أناس يستحقون حماية خاصة. ويقول التقرير إنه كان يمكن استخدام وسائل أقل فتكاً وأن هناك وسائل دفاعية كافية، وبالتالي فإن استخدام القوة الفتاكة لم يكن ضرورياً أو متوازناً. ولا يفصل التقرير عن أي وسائل أخرى يدور الحديث. ويجمل التقرير بأن إطلاق النار يشكل خرقاً للحق في الحياة والذي هو في قوانين حقوق الإنسان ومبدأ التمييز الذي في القانون الدولي الإنساني يحظر المس المقصود بالمدنيين.

قال إن مظاهرات غزة مدنية وما ارتكب فيها يصل إلى جريمة ضد الإنسانية

يجد التقرير أنه كان بين القتلى 29 من رجال القوات المسلحة الفلسطينية (وكذا 18 آخرين لم يتم تشخيصهم بيقين). ومع ذلك، لما كان الحديث يدور عن حدث إنفاذ قانون وليس عن قتال نشط، فإن مجرد الانتماء لهذه القوات لا يشكل مبرراً قانونياً للقتل، إلا إذا كان القتلى مشاركين في أعمال قتالية في أثناء إطلاق النار أو شكلوا تهديداً فورياً.
وحسب التقرير، فإن الإذن في تعليمات فتح النار لإطلاق النار على أقدام «المحرضين الرئيسيين» يشكل شذوذاً عن الحالات التي تبرر استخدام السلاح الفتاك كونه لا توجد مكانة كهذه في القانون الدولي. ولا يتضمن التقرير تحليلاً قانونياً مفصلاً لهذا القول.
كما يشير التقرير إلى أن إسرائيل نفذت عدداً من التحقيقات وفتحت خمسة تحقيقات جنائية ولكنه يعتقد بأن عليها أن تحقق أيضاً في كل باقي الحالات. كما يشار إلى أنه في ضوء غياب أخذ إسرائيل للمسؤولية عن الأحداث التي وقعت في الحملات السابقة وفي ضوء تصريحات كبار المسؤولين في إسرائيل، هناك شك عظيم بشأن استعداد إسرائيل لفحص أعمال الجيش الإسرائيلي والقيادة السياسية التي كانت مسؤولة عن تعليمات فتح النار. إضافة إلى ذلك، حسب التقرير، تمتنع إسرائيل عن تعويض الضحايا وتمنع سبلهم للمطالبة بالتعويض في المحاكم في إسرائيل.
كما يتناول التقرير الحصار على قطاع غزة وآثاره الإنسانية، انهيار الجهاز الصحي في المنطقة، والذي تفاقم بسبب الحاجة لمعالجة الكثير من الجرحى، والقيود التي فرضتها إسرائيل ومصر على خروج الجرحى من غزة لتلقي العلاج الطبي. وقيل أن هذا خرق لحق العيش بكرامة وكذا خرق لواجبات إسرائيل تجاه سكان غزة، بصفتها الاحتلال في المنطقة. وحسب التقرير، فقد خرجت إسرائيل حرية التعبير والحق في التظاهر، ميثاق حقوق الطفل وواجب إعطاء الحماية الزائدة للصحافيين وللطواقم الطبية في الأوضاع القتالية. وبالنسبة لحماس، يكتفي التقرير بملاحظة بموجبها شجع أعضاء في اللجنة التي نظمت المظاهرات، بما فيها حماس، استخدام البالونات والطائرات الورقية الحارقة وأن السلطات الحاكمة في غزة فشلت في تنفيذ واجبها للعمل على منع استخدام هذه الأمور تجاه إسرائيل. بالمقابل، لا يوجد تطرق لمسؤولية حماس على أعمال العنف والإرهاب التي وقعت في إطار الأحداث أو لحقيقة أنها عرضت للخطر المدنيين عن قصد إذ وضعتهم في خط النار.
لقد عرض موقف إسرائيل، التي لم تتعاون مع اللجنة بالتفصيل في وثائق علنية وصلت إلى اللجنة، بما في ذلك من موقع الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي وفي البيانات التي رفعت إلى محكمة العدل العليا. وحسب ما ورد فيها، فقد كانت تعليمات فتح النار تتلاءم مع التعليمات التي تنطبق على أوضاع إنفاذ القانون في ظل التعاطي مع وجود مواجهة مسلحة بين إسرائيل وحماس. لم تسمح التعليمات بنار فتاكة ضد المتظاهرين، باستثناء حالة خلقت فيها أعمال الشغب العنيفة خطراً حقيقياً وفورياً للمس بالجنود أو بالمدنيين الإسرائيليين وفقط كوسيلة أخيرة. في إطار الأحداث التي جرت على مدى ساعات في أثناء أشهر كثيرة، كانت حالات تحولت فيها أعمال الشغب إلى عنيفة بقدر يهدد الجنود والمدنيين، حين كانت جموع المشاغبين تحاول هدم السياج والبنى التحتية الأمنية على طوله.
إضافة إلى ذلك، كانت أحداث إطلاق نار وإلقاء عبوات ناسفة نحو الجنود تحت رعاية أعمال الشغب. في مثل هذه الأوضاع، وبعد استنفاد استخدام الوسائل غير الفتاكة، سمحت التعليمات بإطلاق النار على أقدام من شخصوا كمحرضين أو مشاغبين رئيسيين. إضافة إلى ذلك سمح بإطلاق النار نحو شخص كعضو في القوات المسلحة لحماس أو كمنفذ لنشاط قتالي كإطلاق النار أو زرع عبوات. وحسب موقف إسرائيل، ليس صحيحاً التعاطي مع أعمال الشغب كمظاهرات مدنية في داخل دولة بل كأحداث عنف توجهها حماس التي توجد في مواجهة مسلحة مع إسرائيل، على طول الحدود بين إسرائيل والمنطقة التي توجد تحت سيطرتها. كما ينبغي الأخذ بالحسبان بأنه لو كانت جموع فلسطينية تسللت إلى إسرائيل نحو البلدات المحاذية للقطاع لكان وقع قتل أكثر بكثير. وذلك عقب الحاجة إلى استخدام قوة أكبر وبشكل أقل دقة. بل وتشدد إسرائيل على أن التماساً هاجم تعليمات فتاح النار ردته محكمة العدل العليا، التي صادقت على تحليل الوقائع والتحليل القانوني الذي تقدمت به الدولة.
إن الفجوة الهائلة التي تتبين بين الموقف المفصل في التقرير وموقف إسرائيل تنبع أساساً من أن التقرير يتبنى تماماً زاوية الضحايا الفلسطينيين في ظل وصف الأحداث كمظاهرات مدنية لم تبرر استخدام القوة ودون تناول الواقع المركب للأحداث. وبخاصة لا يوجد تناول لآثار وجود مواجهة مسلحة بين إسرائيل وحماس حيث الأحداث التي تجري على الحدود بينهما والمشاركة النشطة لمحافل حماس. وعليه، مع أن اللجنة وإسرائيل تتفقان على أن النار الفتاكة مبررة كقاعدة في أوضاع الخطر الفوري والملموس على الحياة أو الجسد، فإن تحليل كل طرف منهما لما يشكل خطراً كهذا يختلف تماماً.
مثل التقارير السابقة عن أعمال إسرائيل، لا شك في أن التقرير الحالي سيستخدم لمناكفتها في الساحة الدولية وكأساس لإغراق الساحة بالمبادرات لفرض العقوبات أو القيود عليها. وبخاصة أن رفع التقرير والمواد المتجمعة لدى اللجنة إلى المدعية العامة في محكمة الجنايات، والتي تفحص منذ الآن هذه الحالات، كفيل بأن يؤثر على قرارها فيما إذا كانت ستفتح تحقيقاً في هذه الأحداث. ومع ذلك، فإن أحادية الجانب التي في التقرير ستمنع استناد الجهات المهنية إلى استنتاجاتها هذه حرفياً.

بنينا شاربيت باروخ

نظرة عليها 14/3/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية