اعلن المجلس القومي لحقوق الانسان في مصر امس الاربعاء تقريره المرتقب، بشأن النتيجة المأساوية التي اسفر عنها فض اعتصام مؤيدي الرئيس السابق محمد مرسي في ساحة رابعة العدوية في الرابع عشر من آب/اغسطس الماضي. لكن يبدو ان التقرير أثار من الاسئلة اكثر مما قدم من الاجابات، وفشل في التوصيف الملائم للملابسات التي اودت بحياة 624 معتصما و8 شرطيين، ما يعتبر مجزرة مكتملة الاركان، حتى في حالة افتراضنا دقة هذه الارقام (التي ترفضها جماعة الاخوان وتقول ان العدد الحقيقي انما هو اضعاف ذلك).
وسارعت وزارة الداخلية الى الترحيب بالتقرير، والاشادة بـ’حياديته’، والتقليل من اهمية ‘الانتقادات’ التي وجهها اليها، وابرزها البدء في اجراءات الفض بعد 25 دقيقة فقط من توجيه الانذار للمعتصمين، و’عدم التناسبية’ في اطلاق النار ردا على ما وصفه بـ’المقاومة المسلحة’ من داخل الاعتصام، وعدم توفير الممرات الآمنة لخروج الراغبين في المغادرة.
ولعل الانتقاد الابرز الذي يمكن ان يوجه الى التقرير: كيف بدا عاجزا بعد كل هذه الشهورعن التوصل الى الحقيقة وراء حدوث ما وصفه من تقصير او اخطاء او خطايا من جانب قوات الامن؟ وكيف يمكن ان يقتل اكثر من ستمئة انسان نتيجة لـ ‘عدم تناسبية’ حتى اذا كانت هناك مقاومة مسلحة من البعض، كما قال؟ وكم كان سيكون عدد القتلى لو ان هناك نية متعمدة للقتل؟ ام ان الغرض من التقرير مجرد ‘ذر الرماد في العيون’ لاغلاق ملف هذه المأساة دون الوصول للحقيقة اي ‘طرمخة’ القضية، كما يقول المصريون في اللغة العامية؟
وهنا ينبغي التوقف موضوعيا عند عدد من المطالبات المشروعة بل الواجبة على الحكومة في ظل هذا التقرير الذي يبقى خطيرا رغم كل اي انتقادات او تحفظات:
‘ أولا: ينبغي على الحكومة ان تتعامل بمنتهى الجدية مع ما خلص اليه هذا التقرير الذي اصدره مجلس حقوقي هو في النهاية تابع لها، كما ان اغلب اعضائه من الخصوم المعروفين لجماعة الاخوان، حيث ان ‘عدم التناسبية’ التي اشار اليها ادت الى مجزرة كما يعترف ضمنيا، وبالتالي ثمة مسؤولية جنائية وسياسية كبيرة يجب ان يتحملها المشاركون في فض الاعتصام، ووزير الداخلية الذي اصدر الأمر بالفض.
وبكلمات اخرى ان يعلن رئيس الجمهورية قبول استقالة اللواء محمد ابراهيم فورا، ووقف القيادات والكوادر العناصر الامنية التي نفذت الفض عن العمل الى حين اتخاذ الاجراءات القضائية بحقهم.
‘ ثانيا: ان ما خلص اليه التقرير يتناقض تماما مع ما ضخته الماكينة الاعلامية الحكومية طوال الشهور الماضية، بشأن ‘الاحترافية العالية’ التي ميزت فض الاعتصام، وهو ما يجعل الحكومة بل النظام باكمله مطالبا باعتذار مضاعف، اولا لاهالي القتلى الذين راحوا ضحية ‘عدم التناسبية في اطلاق النار’، حسب التقرير، والاقرار بحقهم في التعويضات، دون ان يؤثر ذلك على الاجراءات الجنائية، وثانيا الاعتذار للشعب المصري عن حملة التضليل الاعلامي التي لم تكتف بالتدليس بل اسهمت في تعميق الانقسام، ونزع انسانية البعض استنادا الى كراهيتهم او غضبهم من الاخوان.
‘ ثالثا: ينبغي على الرئيس عدلي منصور ان يوسع تشكيل ‘اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق في كل ما وقع من اعمال عنف منذ الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير’ لتشمل محامين او حقوقيين من الاخوان، ليكون تقريرها اكثر انصافا واتزانا ودقة. فقد اصبح الوصول الى حقيقة ما حصل في رابعة ضروريا ومطلوبا من كل الاطراف، وليس جماعة او حزب واحد، بل انه من مصلحة النظام نفسه، خاصة بعد ما اكده هذا التقرير الحقوقي ‘الحكومي’ من وقوع لتجاوزات بل وجرائم اسفرت عن مجزرة. كما ينبغي عليه ان يأمر الحكومة بالتعاون الكامل مع هذه اللجنة، حيث تشير الانباء الى انها ترفض حتى الان توفير مقر للجنة لتجتمع فيه او ميزانية لتغطية نفقاتها، رغم ان القرار الجمهوري صدر بتشكيلها قبل اكثر ثلاثة شهور، وهو ما يثير شكوكا عميقة في امكانية ان تصل الى الحقيقة.
‘ رابعا: بات ضروريا ان تراجع كافة وسائل الاعلام موقفها من هذه المجزرة غير المسبوقة في تاريخ مصر الحديث، احتراما لمشاعر اهالي الضحايا، بل والشعب المصري بأسره. حيث ليس معقولا ان ‘يجرم’ متظاهر او محتج سلمي لانه يطالب بالتحقيق في مجزرة، وفي المقابل من المرفوض ان يحول البعض رابعة وشارتها الى ‘تجارة’ لابتزاز المشاعر وتهييج الشارع، والتهويل بالحديث عن عشرة او عشرين الفا من الضحايا دون دليل، والتحريض على اخذ الثأر، لتستمر البلاد في دوامة من العنف والعنف المضاد، ما سيؤدي لسقوط مزيد من الضحايا، والابتعاد عن لحظة الوصول الى حقيقة ما حصل في رابعة ومحاسبة المسؤولين عن مأساتها.