القاهرة ـ يو بي آي: كشف وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط اللثام امس عن بعض الغموض الذي ساد مباحثات كبار الدبلوماسيين المصريين والايرانيين في القاهرة أول أمس الثلاثاء والتي تلقفتها وسائل الاعلام بحماس باعتبارها أول مؤشر جاد نحو اعادة العلاقات بين البلدين والمقطوعة منذ نحو ثلاثة عقود.
فالوزير المصري قال قبل ذهابه الي نيويورك لحضور اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة ان القاهرة تسعي الي تطبيع العلاقات مع ايران من خلال التشاور البناء، وهو ما يعني ضمنيا أن مصر لا زالت في مرحلة التأني قبل اتخاذ قرار تبادل السفراء مع طهران.
واستبعد أبو الغيط احتمال عقد لقاء مع نظيره الايراني منوجهر متكي في نيويورك، مكتفيا بالاشارة الي انه حتي هذه اللحظة ليس هناك ترتيب لعقد اجتماع. الا انه أوضح بأنه من المؤكد أن يلتقي ومتكي في الكثير من هذه المداولات سواء في اجتماع دول عدم الانحياز أو منظمة المؤتمر الاسلامي.
ونفي أبو الغيط نية مصر تقديم أي ترتيبات لوجيستية في حالة ضرب ايران، مؤكدا أن مصر ترفض بشكل كامل استخدام العنف أو العمل العسكري ضد طهران.
وكانت وزارة الخارجية المصرية أعلنت الثلاثاء ان وزيري خارجية مصر وايران سيلتقيان قريبا لبحث تفعيل العلاقات الثنائية بين البلدين والمقطوعة منذ عام 1980 بعد نحو سنة من اندلاع الثورة الاسلامية بقيادة آية الله الخميني واستقبال الرئيس المصري السابق أنور السادات لشاه ايران المخلوع رضا بهلوي.
وقال المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية حسام زكي ان مساعد وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي اتفق خلال مباحثاته مع مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الآسيوية حسين ضرار ومساعدة الوزير نائلة جبر أمس في القاهرة علي مواصلة الحوار بين الجانبين بخاصة فيما يتعلق بالعلاقات الثنائية علي مستوي كبار المسؤولين ثم وزيري الخارجية.
وقال زكي ان المباحثات المصرية ـ الايرانية تأتي في اطار ما سبق الاتفاق عليه بين الجانبين من الاستمرار في الحوار والتشاور بهدف دعم العلاقات الثنائية بين الجانبين.
ولم يعط زكي تفاصيل اضافية عن الاجتماع، الا أن مصادر دبلوماسية مصرية قالت ان مباحثات عراقجي مع المسؤولين المصريين تناولت كيفية اعادة العلاقات الدبلوماسية بين مصر وايران.
ووصفت المصادر لـ يونايتد برس انترناشونال المباحثات بالايجابية، الا أنها رفضت الكشف عما اذا كان الجانبان قد توصلا لاتفاق حول موعد اعادة العلاقات.
وأوضحت المصادر أن اللقاء العلني بين عراقجي وضرار سبقته مباحثات سرية جرت خلال الأشهر الماضية لدراسة كيفية اعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين مصر وايران.
وكان الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد قد قال في آب (اغسطس) الماضي ان دبلوماسيين مصريين وايرانيين سيلتقون قريبا. كما أبدي في ايار (مايو) استعداد ايران الفوري لفتح سفارتها في القاهرة في حال الحصول علي موافقة مصرية.
وجاءت المباحثات بين القاهرة وطهران، في اطار التصعيد الغربي مع ايران وتزايد الحديث عن احتمالات توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الايرانية، وهو الأمر الذي سبق لمصر، احدي حلفاء واشنطن الرئيسيين في المنطقة، التحذير منه.
ويتوقع ان يبحث مجلس الامن الاسبوع المقبل مشروع قرار باصدار عقوبات جديدة ضد طهران لعدم التزامها بوقف عمليات تخصيب اليوارنيوم ورفضها الكشف عن تفاصيل في برنامجها النووي.
وتوجد مؤشرات عديدة تدفع الي الاعتقاد بوجود معطيات علي الارض ساهمت في بلورة قناعة لدي دوائر صناعة القرار المصرية بضرورة التفكير بجدية في اعادة العلاقات مع طهران بعيدا عن تحفظاتها السابقة كاطلاق اسم قاتل الرئيس السادات، خالد الاسلامبولي، علي أحد أهم ميادين طهران، أو معارضة ايران لاتفاقية كامب ديفيد التي وقعتها مصر مع اسرائيل في عام 1979 او ما قيل عن تقديم ايران المساعدة لجماعات العنف الاسلامية المصرية في تسعينيات القرن المنصرم.
فمصر، وهي الدولة العربية الوحيدة التي لا تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع ايران، أعربت مرارا عن رغبتها في ايجاد حل سياسي ودبلوماسي لأزمة الملف النووي الايراني، محذرة من ان استهداف طهران عسكريا قد يجلب عواقب وخيمة علي المنطقة التي لا تنقصها الأزمات.
وقالت المصادر المصرية ان القاهرة قد تلقت بعض التطمينات باستعداد ايران للعب دور أكثر ايجابية في الملفات التي تشتبك فيها بقوة في العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية بالاضافة الي ملفها النووي.
وكان نجاد قد قال الشهر الحالي بان ايران والسعودية قد تساعدان في ملء الفراغ في العراق في حال الانسحاب الأمريكي من العراق.
كما جاءت دعوة الامين العام للجامعة العربية عمرو موسي بداية الشهر الحالي لفتح حوار عربي ـ ايراني عالي المستوي حول العراق لتصب في خانة الارتياح المصري من ايران.
الا ان دبلوماسي عربي قال لـ يونايتد برس انترناشونال ان الخطوة المصرية باتجاه طهران قد تشجعها كذلك التخوفات المصرية من تقارير أثارت موضوع تقارب سعودي ـ ايراني محتمل قد يأتي علي مصالحها في المنطقة.
وأضاف الدبلوماسي الذي رفض ذكر اسمه ان القاهرة ممتعضة من تزايد الدور السعودي في المنطقة والذي ظهر بوضوح بعد توقيع اتفاق مكة بين حركتي فتح وحماس الفلسطينيتين، وتوسطها في الأزمة بين تشاد والسودان ومن ثم استضافتها للقوي المتصارعة في الصومال الشهر الحالي.
وتابع ان مصر تشعر وكأن الرياض تسعي لوراثة دورها الاقليمي في الشرق الأوسط.
ولا يبدو ملف العلاقات المصرية-الأمريكية بعيدا أيضاً عن هذا السياق. فالقاهرة مستاءة من طريقة التعاطي الأمريكي مع مؤتمر السلام الدولي، الذي دعا اليه الرئيس جورج بوش والذي لم يتضمن حتي اللحظة أي اشارات عن رغبة واشنطن في الضغط علي اسرائيل لبحث قضايا الحل النهائي (حدود الدولة الفلسطينية، القدس، اللاجئون، المياه، المستوطنات). ولا تري مصر في المؤتمر سوي رغبة اسرائيلية للتطبيع مع بعض دول الخليج العربي كالسعودية والامارات. ومن هنا، فان التهديد باعادة العلاقات مع طهران، الضلع الثالث في محور الشر الأمريكي، قد يساهم في تحسين أوراق القاهرة التفاوضية مع الولايات المتحدة من أجل الحصول علي تنازلات أكبر في قضايا عدة منها الصراع العربي ـ الاسرائيلي.
ويبدو ان العلاقة بين مصر والولايات المتحدة قد تشهد في المستقبل توترا في المسائل الداخلية.
وقالت جريدة البديل المصرية المستقلة امس ان النظام المصري يحاول استغلال حاجة الولايات المتحدة للدور المصري في العراق والسودان والأراضي الفلسطينية من أجل توسيع سيطرته وملاحقة معارضيه بدون التعرض لانتقادات واشنطن.
وأوضحت الجريدة في افتتاحيتها ان النظام المصري يسعي الي استغلال غيبوبة (الرئيس الأمريكي جورج بوش) في مسألة الضغط علي النظام المصري من اجل تطبيق الاصلاحات السياسية للدفع بنجل الرئيس جمال مبارك الي السلطة وقمع المعارضة.
وتشن السلطة منذ فترة حملة اعتقالات علي قيادات في حركة الاخوان المسلمين تتبعها محاكمات قضائية، في وقت تنظر محكمة مصرية في الأول من تشرين الاول (اكتوبر) المقبل في محاكمة رئيس تحرير جريدة الدستور المستقلة ابراهيم عيسي بتهمة نشر اشاعات كاذبة عن تدهور صحة الرئيس المصري الذي يدخل عامة الثمانين في ايار (مايو) المقبل.
ويناقش مجلس الشيوخ الأمريكي الشهر المقبل مشروع قرار بقطع 200 مليون دولار من المعونة الأمريكية العسكرية لمصر ما لم تقم بتحسين سجلها في مجال حقوق الانسان وتطوير نظامها القضائي ووقف الانتهاكات في أقسام الشرطة ووقف تهريب الأسلحة الي غزة.
الا ان الادارة الأمريكية أعلنت في تموز (يوليو) الماضي تقديمها نحو 23 مليار دولار أمريكية من المساعدات العسكرية لمصر في الأعوام العشرة المقبلة.