‘تقزيم’ دور مصر في مهرجان الشارقة!!

حجم الخط
0

د. حمدي الجابري

رغم أن ثورة كانون الثاني (يناير) قد نجحت في إثارة الكثير من المشاعر والتوقعات والآمال حول تغيير الواقع الثقافي الرديء الذي كانت تعاني منه مصر منذ سنوات طويلة بسبب إصرار الرئيس المخلوع وحرمه على عدم الالتفات الى الصرخات الكثيرة المعارضة للكثير من الأخطاء والخطايا الثقافية بسبب الرضا الكامل عن وزير الثقافة فاروق حسني، الذي أنعم عليه الرئيس المخلوع برفض استقالته بعد كارثة حريق مسرح بني سويف. كما أنعم عليه بالحماية الشاملة بعد فضيحة اليونيسكو التي لم يكتشف حجم اهانتها لمصر وللرئيس المخلوع شخصيا بعد أن ألقى بكل ثقله وراء ترشيح الوزير السابق للمنصب، وعندما لم يحصل عليه كافأه المخلوع بالدعم غير المشروط بكلمات قليلة كان لها فعل السحر لدى الحكومة الفاسدة السابقة وأيضا لدى رؤساء تحرير الصحف الفاسدة، الكلمات القليلة كانت ‘إرمي ورا ظهرك’، وبالفعل ‘رمى الوزير السابق’ وراء ظهره بالكارثة المهينة لمصر وثقافتها ووزيرها، بل ورئيسها السابق نفسه، حتى انتهى زلزال كانون الثاني (يناير) بالتخلص منهما ومعهما كل السلبيات والفساد المصاحب لفترة، أو هكذا تصور أهل مصر حتى اكتشفنا في الحقل الثقافي أن العيب كامن ومتحصن ولا أمل في إصلاحه ما دامت نفس أركان النظام القديم مسيطرة على الثقافة ووزارتها.. وهو ما كشفه خبر صغير في اليوم السابع عن تمثيل مصر في ‘مهرجان الشارقة المسرحي’ يجسد كل معاني ‘تقزيم’ مصر ودورها الثقافي لدى العرب.. ويبدو أن مصر ستظل دائما منكوبة في بعض أجهزتها الثقافية، فقد نشرت الصحف خبرا بعنوان ‘مشاركة مصر في أيام الشارقة المسرحية ‘يجسد كل معاني ‘تقزيم’ دور مصر الثقافي من خلال تمثيل مصر الوحيد في الدورة 21 المقامة في الشارقة خلال الفترة من 16 حتى 28 آذار (مارس) الجاري، فقط من خلال كل من الدكتور سامح مهران رئيس ‘أكاديمية الفنون’، وجلال عثمان مدير المركز ‘الأكاديمي’ للثقافة والفنون في أكاديمية الفنون وهو ما صرح به حسام نصار وكيل أول وزارة الثقافة ورئيس العلاقات الثقافية الخارجية الذي أكد أن الدكتور عماد أبو غازي وزير الثقافة قد وافق على مشاركة مصر في هذه الدورة بهما، تلبية للدعوة الموجهة من دائرة الثقافة والعلوم في دولة الإمارات العربية المتحدة، والمصيبة أن السيد الوكيل رئيس قطاع العلاقات الثقافية قد أكد أيضا أن هذه المشاركة هي أولى أنشطة القطاع مع دول العالم بعد الأحداث التي مرت بها مصر وبعض دول العالم العربي. وهو ما يعني بوضوح أن أنشطة القطاع والثقافة عموما بعد زلزال كانون الثاني (يناير).. لم تتغير!! ما لم يقله الوكيل وبالتأكيد لم يعلمه الوزير أن أيام الشارقة ‘مسرحية’ وليست ‘أكاديمية’ حتى تقتصر مشاركة مصر على من يحملون صفة ‘أكاديمية’ كما هو واضح في صفات كل من المرشحين، كما أن هذه المشاركة بهما ليست حقيقية لأن الأول عضو لجنة تحكيم سيتقاضى مكافأة، بينما الثاني مجرد ضيف ويمكن أن يتم قيامه بالتعليق على مسرحية ما كمبرر لصرف مبلغ مالي صغير له، ولم يكن أي منهما في حاجة الى الوزارة أو الوزير أو العلاقات الثقافية ليشارك في المهرجان المسرحي ما لم يكن السبب الخفي هو صرف بدل سفر حكومي لهما رغم أن ادارة المهرجان تتحمل كل شيء من تذاكر سفر واقامة ومكافآت عن المشاركة، وبالتالي حتى هذا السبب الواهي وراء موافقة الوزير فاقد المعنى والقيمة ببساطة لأنهما لن يصرفا بدل السفر!

وما لم يعلمه الوكيل أو الوزير أن مصر رغم النكبات ما زالت ولادة، وهو ما يدركه أهل مهرجان الشارقة، لذلك كانت مشاركة مصر في المهرجان أكبر بكثير من ‘التقزيم الحكومي’، ففي نفس المهرجان، بعيدا عن وزارة الثقافة ووزيرها الذي يبدو أنه غير مصدق لحقيقة توليه المنصب، تشارك مصر بعد غياب وضياع عروضها المسرحية في المهرجانت العربية، بجانب بعض الصحافيين، بالسيدة سميحة أيوب التي تم تكريمها في المهرجان بجائزة كبيرة، والأهم مشاركة بعض أبناء مصر في الندوات الثقافية بأبحاث علمية جادة وهامة تضيف الى المهرجان والمشاركين فيه كثير من المعرفة، ومنهم الدكتور سيد الإمام ببحثه ‘مقاربة منهجية لنظم الإنتاج في المسرح المصري’ والباحث سباعي السيد ببحثه ‘المسرح العربي على الانترنت: أي حضور، أية فعالية ‘وهما اضافة حقيقية تشهد للدارس المصري بعلو القدر والقيمة التي تحرص الأجهزة الرسمية على تهميشهما ربما حرصا على أن يكون العرب في المكانة العليا دائما على حساب مصر وثقافتها ومثقفيها.

الطريف هو أن الوزارة لم تذكر أي شيء عن أحد أهم أركانها أيام الرئيس المخلوع وهو رئيس قطاع الانتاج الثقافى السابق ورئيس هيئة المسرح المصرية السابق والرئيس الحالي للمجلس التنفيذي للهيئة العربية للمسرح الدكتورأشرف زكي وهي الهيئة التي أنشأها ومولها حاكم الشارقة الذي يمول المهرجان الذي تناسى رئيسه المصري واكتفى بالأمين الإماراتي للهيئة العربية للمسرح اسماعيل عبد الله، وفي ذلك ربما اتفق الجانب الإماراتي مع الجانب المصري، وبالذات في ادراك أن الهيئة العربية للمسرح مجرد اسم على غير مسمى، وهو أمر لا بد أن يثير الكثير من التساؤلات حول حقيقة دور الوزارة الرسمية في العلاقات الثقافية مع العالم الخارجي الذي بشرنا به الوكيل بعد ثورة كانون الثاني (يناير).. وهو ما لن يكون مثمرا ما دامت ثقافة مصر يحكمها نفس ‘لعبوا بها’ قبل الثورة!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية