عزت القمحاوي قانون النسبية الذي وضعه العبقري أينشتاين وأطلق به ثورة العلم الطبيعي، ليس قانونًا في العلم فحسب. هو قانون وجود ننسى أحيانًا صلاحيته لقراءة الواقع الاجتماعي والسياسي.
بالأمس كانت شاشة ‘الجزيرة مباشر’ مقسمة بين مدن عربية عدة، تغيب مجموعة لتحتل مجموعة أخرى مكانها، حيث صار يوم الجمعة موعدًا لطاعة الله وعصيان الآلهة المزيفة، ولم تعد الشاشة الواحدة تكفي لعرض كل هذا الغضب إلا من خلال تقنية التقسيم: حمص مع تعز والقاهرة، حماة مع عمان وصنعاء ودير الزور!
لم تكن بغداد على الشاشة؛ فكل العواصم ستحررها الشعوب من الاحتلالات الوطنية، لكن استئصال الديمقراطية الأمريكية من العراق يحتاج إلى مقدرة إلهية وشاشة عرضها السماوات والأرض.
في بغداد ألاعيب كبيرة وأصوات نشاز يغيب عنها جمال وشجن الموال العراقي، وفي مدن سورية أهازيج حزينة وضراعات تقطع نياط القلوب، وفي صنعاء خطيب شاب لم أعرف اسمه، لكن وجود مثله دليل مؤكد على أن ثورة اليمن ستحقق يومًا ما تتطلع إليه الأنفس المفعمة بالحياة وأشواق الحرية.
الشاشة المقسمة تعرض بلاد العرب الموحدة بالدم وليس بالأوبريت الرومانسي الذي قدم أملاً كاذبًا في أن تكون ‘بلاد العرب أوطاني’ بينما كان ما يفرقها أكثر مما يجمعها. الآن المشترك أكبر، مع وضع نظرية النسبية في الاعتبار، في الأردن احتجاجات لم تصل إلى حد القطيعة مع النظام التي وصلت إليها شعوب اليمن وسورية ومصر. أما تلك الدول الثلاث الموحدة فتشابهها يدعو إلى العجب!
في مصر ثورة بدا لوهلة أنها اكتملت، في مصر ذهب النظام من النافذة ودار سريعًا حول المبنى ليدخل مجددًا من أوسع الأبواب، في اليمن يجلس النظام مدليًا ساقيه من نافذة المبادرة الخليجية العجيبة، وبوسعه أن يقفز هنا أو هناك، وفي سورية نظام لن يعترف بوجود ثورة إلا في اللحظة الأخيرة، التي لم تدم أكثر من ثلاثين ثانية لدى القذافي، ومع ذلك قدمت له الجامعة العربية ـ من باب الاحتياط ـ نافذة كالتي منحها مجلس التعاون الخليجي للنظام اليمني.
تتجلى نظرية النسبية في شكل النظام هنا وهناك والمرحلة التي يعيشها، كما تتجلى في منسوب نهر الدم هنا أو هناك. لكننا نجد أنفسنا على ذات الأرض العربية الموحدة عنما نرى أن الأنظمة كلها تدرك الواقع بالطريقة الخاطئة نفسها وتتقاعس عن الاستجابة له أو تستجيب بذات البلادة. أليس مدهشًا أن ينظم العسكر مظاهرات لتأييدهم مثلما يفعل النظام السوري أو اليمني.
أليس مدهشًا هذا التشابه بين الشبيحة السوريين والبلطجية المصريين الذين يواصلون قتل الشباب من دون أن يعرفهم العسكر الحكام؟!
وأليس مدهشًا أن تنتج ذات الأرض العربية الواحدة مع ذات الثوار هذا العدد الكبير من العبيد الذين لا يستبشعون أن يمارس العسكر قتل الشباب وسحل الفتيات بينما يستبشعون تعطل المرور بفعل تجمع المحتجين؟!
وأما إذا ما تحدثنا عن مطلقات أخلاقية فالكل سواء، حيث إن ‘من قتل نفسًا واحدة فكأنما قتل الناس جميعًا’. وحيث لا يختلف مشهد الدق على ذبائح ميدان التحرير بالقاهرة عن ذبح ثوار باب عمرو بحمص.
هذه الأخلاقية المطلقة هي التي ينبني عليها الحق والباطل، وهي التي تجعل شكل بعثة المراقبة العربية في ســورية سورياليًا، وتجعل من رعاية مصر لمصالحة فتح وحماس فعل سخرية من الأخلاق؛ فالعسكر بحاجة إلى من يصالحهم على بلادهم وشباب الثورة الذين قاموا عندما نام الجنرالات وصرخوا بالرفض عندما نفذ الجنرالات الأوامر من دون حتى أن يتظلموا!
وهذه الورود التي تفتحت في مدن مصر مجددًا تعلن: دم رجالنا حرام، نساء مصر خط أحمر، هي ذاتها التي تلون أرض حمص الصابرة. وبالإذن من العبقري أينشتاين ستنتصر كل الثورات؛ فنسبية توازن القوى بين الثوار والكلاب المسعورة هنا أو هناك لا تمنع إطلاقية الحق في الحرية الآتية بلا ريب.