تقسيم العراق ونظرياته
تقسيم العراق ونظرياتهفجر السيناتور الديمقراطي الامريكي البارز جوزيف بايدن قنبلة ضخمة عندما طالب في مقال نشره في صحيفة امريكية بتقسيم العراق علي اسس طائفية وعرقية كحل اخير لمشاكله المتفاقمة مثلما حدث في البوسنة بشكل خاص ومنطقة البلقان بشكل عام.البيت الابيض سارع الي رفض هذا الاقتراح مؤكدا تمسكه بالقرار الدولي رقم 1546 الصادر عن مجلس الامن الداعي الي اقامة حكومة فيدرالية تعددية، ولكن ما يجري علي ارض العراق حاليا هو تكريس للتقسيم عمليا. فالحرب الاهلية الطائفية مستمرة، وعمليات التطهير العرقي تسير علي قدم وساق في معظم ارجاء العراق. فالسنة يغادرون مناطق الشيعة، والشيعة يغادرون مناطق السنة، وهناك ارقام تفيد بان اكثر من ثلاثين الف عائلة من مختلف الطوائف غادرت اماكن سكناها طلبا للسلامة.فكرة تقسيم العراق علي اسس طائفية وعرقية ليست جديدة، وكان اول من تحدث عنها بشكل صريح هو المؤرخ البريطاني اليهودي برنارد لويس المعروف بميوله الاسرائيلية، عندما نشر دراسة في دورية امريكية متخصصة، اكد فيها ان العراق دولة مصطنعة، اوجدها الانكليز، وتضم اعراقا وطوائف غير متعايشة، ولهذا يجب تفكيكها وانشاء ثلاث دول، احداها للشيعة في الجنوب، والسنة في الوسط والاكراد في الشمال.وكرست الولايات المتحدة هذا التفكيك عمليا عندما اقامت مناطق الحظر الجوي في الشمال والجنوب قبل الحرب، باستخدام طائراتها التي انطلقت من قواعد في السعودية وتركيا لمنع اي مقاومة عراقية لهذا التقسيم.ولم يكن مفاجئا ان تعمل الاحزاب والتكتلات العراقية التي عادت الي العراق بعد الاحتلال علي النص علي الفيدرالية في الدستور الجديد الذي وضعته، كخطوة اولي علي طريق الاستقلال التام في مرحلة لاحقة.الاكراد جسدوا استقلالهم عمليا، واقاموا كيانا خاصا بهم في الشمال، حيث توجد حكومة وبرلمان، وادارة وحدود، ولم يبق غير اعلان الانفصال رسميا، والمسألة باتت مسألة توقيت اولا، ثم ضم مدينة كركوك الغنية بالنفط الي هذا الكيان.وكان لافتا ان السيد عبد العزيز الحكيم رئيس تكتل الائتلاف العراقي الشيعي الذي فاز باغلبية في البرلمان طالب صراحة، واكثر من مرة، بكيان شيعي في المناطق الجنوبية يتمتع بالحكم الذاتي، ولاقت مطالباته هذه ترحيبا من احزاب رئيسية في الائتلاف المذكور.فالحكومة المركزية في بغداد واجهت وتواجه عمليات اضعاف متواصلة من قبل قوات الاحتلال اولا، والاحزاب المنخرطة في العملية السياسية ثانيا. فقوات الشرطة والحرس الوطني لا تمثل جميع الوان الطيف العراقي، وتتكون في معظمها من ميليشيات شيعية او كردية.ويواجه نوري المالكي رئيس وزراء العراق الجديد مهمة تشكيل حكومة عراقية غير طائفية، تمثل معظم الاحزاب والتكتلات المنخرطة في العملية السياسية تحت الاحتلال. وهي مهمة صعبة وشبه مستحيلة، ولعل المهمة الاصعب منها هي حل الميليشيات الطائفية والعرقية ودمجها في القوات النظامية، الامنية والعسكرية. فالائتلاف الشيعي لا يعارض بشدة هذه الخطوة لان قوات الامن والحرس الوطني باتت تتشكل من ميليشياته الاكثر قوة وتسليحا، بينما كان اكبر الرافضين لها السيد جلال الطالباني رئيس الجمهورية الذي قال ان الميليشيات الكردية خط احمر، لن يسمح بحلها مهما كانــت الظروف.التقسيم لم يعد مجرد احاديث هامسة، وانما واقعا حقيقيا علي ارض العراق للأسف. فهدف الحرب والاحتلال كان الوصول الي هذه الغاية، لكسر ظهر هذا البلد العربي المسلم، لانه الوحيد في المنطقة الذي يمكن ان يتحول الي قوة اقليمية حقيقية تقاوم الهيمنة الامريكية، وتحقق التوازن الاستراتيجي مع الدولة العبرية.9