رام الله- “القدس العربي” ـ من وليد عوض: فيما لا يزال يعاني الشعب الفلسطيني من الاحتلال الاسرائيلي وممارساته ما تزال الدراما الفلسطينية تعيش حالة من الشلل جراء التقصير الرسمي الفلسطيني وغياب الاهتمام الاهلي بذلك المجال للاستثمار به وتعزيز مكانته للتعبير عن هموم الفلسطينيين ومعانانهم.
ولتفعيل الدراما الفلسطينية دعت مؤخرا مؤسسات رسمية وخاصة ممثلة بوزارة الاعلام الفلسطينية والجمعية الفلسطينية للفنون السينمائية لتنظيم ورشة حول الانتاج الدرامي التلفزيوني بالشراكة مع مدينة روابي الفلسطينية، إضافة إلى تحرك من الفنانين الفلسطينيين الذين أسسوا موقعا على الفيسبوك باسم ‘انتفاضة الفنان الفلسطيني’ .. ونادوا من خلاله بالنهوض بدراما تلفزيونية تعكس الواقع الفلسطيني.
ولكن اذا ما يوجد اصلا دراما فلسطينية قال السيناريست الفلسطيني رياض سيف (كاتب مسلسل الاجتياح ومسلسلات أخرى) ل’القدس العربي’: من خلال متابعتي الحثيثة للدراما التلفزيونية بفلسطين، يمكن ان اصنفها بأنها محاولات تجريبية بدأت من الصفر ولم تستفد من تطور الدراما في الوطن العربي، ولذا تقوقعت في اطار السطحية من حيث تناول المواضيع ومن حيث الاداء والاخراج، وذلك لضعف الامكانيات المادية والاعتماد على القدرات الشخصية في التمويل. ولا تخرج عن هذا الاطار البدائي المسلسلات الممولة من الخارج والتي لو أحسن استخدامها لحققت نتائج باهرة لكنها بقيت في نفس الدائرة دائرة التجريب وذلك لعدم وعي القائمين على الدراما لمعنى الدراما ولعدم وجود الكفاءات الفنية والادارية.. مما سبب بالتالي ظلما كبيرا وعكس انطباعات سيئة عن الدراما الفلسطينية بهذه المحاولات غير الناضجة.. وبشأن امكانية الدراما الفلسطينية التعبير عن الهموم الفلسطينية ونقلها للعالم اذا ما جرى اهتمام بها قال سيف: نحن في زمن ثقافة السينما والصورة.. وهي الناقل بامتياز لهموم وامال الشعب الفلسطيني والمؤثر الحقيقى في الجماهير المتلقية على مساحة العالم.. ولا اغالي اذا قلت ان مسلسلا على مستوى متميز يضاهي مئات المؤتمرات والبرامج التوعوية لكونه يدخل في كل بيت وفي عقول ومشاعر المشاهدين ويخلق حالة من المعرفة والتعاطف بل والاقتناع بالقضية المطروحة.. فالدراما هي سفارة الامة الى العالم.. وهي بالنسبة لقضية بحجم القضية الفلسطينية انتصار كبير وتكوين رأي عام عربي مؤثر اذا ما تعرضت القضية لاية مؤامرة من اي طرف.. وفي غياب الدراما الفلسطينية غياب للفهم العام بأهم واخطر قضية… وحول ما الذي يحول دون تطوير الدراما الفلسطينية قال سيف هناك اسس تقوم عليها الدراما اذا ما تحققت استطاعت اثبات نفسها وتتمثل في: التمويل المادي، والكوادر الفنية والادارية القادرة على صنع الدراما، ووجود بيئة حقيقية لتشجيع الدراما من خلال تشريعات وقرارات تدفع بعجلة الدراما، والاستفادة من تجارب الاخرين ومشاركتهم والاحتكاك معهم والتعلم منهم، والاهم هو معرفة حجم القائمين على صناعة الدراما وسط هذا الفضاء الواسع. والابتعاد عن الغرور لمجرد عمل درامي لايساوي شيئا في التقييمات الفنية.. واضاف سيف: اذا ما تحققت هذه الامور سيكون هناك تطور ملحوظ وكبير.. ودراما منافسة على الفضائيات العربية.. ولكن للاسف لا يوجد لدى الجهات الرسمية الفلسطينية اي اهتمام او فهم بالدراما التلفزيونية.. فهي مازالت مغيبة من برامجها.. ومن الطبيعي ان لا تهتم بأمر لم تسمع به او تحاول ان تتلمسه.. بعكس الاهتمام بالسينما والمسرح والذي هو ايضا رغم انه يقع في خارطة اعمالها في بعض دوائرها الا انها لا تلقي بالا بأكثر من كون ما تقوم به تجاه المسرح والسينما وظيفة تنتهي مع نهاية الدوام الرسمي.. وبشأن اذا ما هناك جهات فلسطينية تحاول النهوض بهذا القطاع، وخاصة القطاع الخاص قال سيف: ليس هناك سوى محاولات تراوح في مكانها وهي المحاولات التي اشرنا اليها في بداية الحديث.. اما القطاع الخاص فليس له اية دراية بالاستثمار الدرامي. لكونه مشغولا بكلاسيكيات الاستثمار المتعارف عليها سواء بالعقار او الشركات التجارية والخدمية وما شابه.. ورأس المال كما تعودنا جبان فهو لايسلك مناطق مجهولة.. ولذا مهمتنا كممارسين ان نوضح للمستثمر الفلسطيني ان الاستثمار بالدراما (اذا ما اتقن صناعتها) له شقين: شق ربحي مادي لا يقل عن اي استثمار اخر.. وكلما زاد الصرف زاد العائد.. وشق وطني بتسويق هم الوطن واماله الى العالم الخارجي.. وهذه ميزة لا يحظى بها اي استثمار اخر.. ولا اعفي في هذه الحاله مسؤولية السلطة بدعم المستثمر الخاص من خلال شراء العمل الفلسطينى بأسعار مشجعة وبنفس الوتيرة التى يشتري فيها التلفزيون الفلسطينى اعمال العرض الاول.. وهنا اقول ان اي مسلسل عربي مهما دفع فيه التلفزيون الوطني لن يشاهد على شاشته بل يشاهد على الشاشات العربية الاقوى حظا. لكن العمل الفلسطينى يكون ميزة للتلفزيون الوطني تميزه عن باقي المحطات الاخرى.. وهنا الفارق… وحول رأيه كسيناريست فلسطيني صاحب تجربة خاصة في مسلسله الأخير’ الاجتياح’ والذي حظي بمشاهدة عالية وجوائز عالمية وعن صعوبة الترويج للأعمال الفلسطينية، قال سيف: من خلال عدة اعمال فلسطينية ورغم التخوف الكبير من عرض هذه الاعمال لاجندات المحطات العربية المختلفة كما حصل بالاجتياح.. الا ان جودة العمل واتقانه يفرض نفسه على المحطات العربية.. ولعل التغريبة والا جتياح كسرا هذا الحاجز وحققا عائدا ماديا ومعنويا كبيرا.. حتى ان المحطات سارعت الى اقتناء هذه الاعمال.. وما يميز الاعمال الفلسطينية انها تتناول احداثا انسانية واجتماعية وسياسية وقصصا حارة لم تشهدها الشاشات العربية حتى الان.. فالشاشات العربية الان تعاني من التكرار الممل للمسلسلات ذات الطابع الواحد وتفتقد الى الحدث الدرامي الاهم في التجربة الفلسطينية.. وهنا تأتي اهمية الاعمال الفلسطينية واهمية ظهورها على الساحة…… ومن جهته قال الممثل الفلسطيني رأفت لافي: لايوجد دراما فلسطينية حقيقية كان هناك بعض التجارب التي تفتقد الى مجموعة عناصر الانتاج الدرامي من ناحية غياب النص الفلسطيني والى افتقار الجانب الفني التقني ولاتتناسب مع شورط العرض الفضائي والتلفزيوني واضاف: باعتقادي ان الدراما هي اداة فاعلة للتواصل وايصال رسالتنا كفلسطينيين والرسالة العربية وهناك تجارب حقيقية في السنوات الاخيرة مثل تجربة ‘الاجتياح’ على الصعيد العربي كانت قادرة على التواصل مع العالم وتابع لافي الذي مثل في مسلسل الاجتياح: ونحن اليوم نعيش في زمن الاعلام، في الوقت الذي تنجح فيه اسرائيل (النقيض) باستخدام هذه الاداة للترويج لمشروعها الصهيوني لذا علينا الانتباه الى قيمة هذه الاداة وتطويرها، خاصة وان لدينا الكفاءات البشرية والمواهب القادرة على العمل في هذا القطاع ‘ولقد اثبتنا ذلك من خلال مشاركتنا كافراد في التجربة العربية والعالمية’. واضاف لافي: ولكن لكي يكون لدينا دراما يجب ان يكون هناك التفات من قبل المؤسسة الرسمية في فلسطين وكذلك المستثمر الفلسطيني والاستفادة من التجارب المحيطة السابقة في هذا المجال، ويجب الاسراع بانشاء معاهد متخصصة لتدريس اللفنون السينمائية والمسرحية ونحن اليوم بامس الحاجة الى تطوير هذا الجانب. دور المؤسسة الرسميةومن جهته قال الدكتور المتوكل طه- وكيل وزارة الاعلام الفلسطينية السابق في مقابلة خاصة قبل يوم من قسم اليمين كسفير فلسطيني في ليبيا: حتى نقول ان لدينا دراما في فلسطين يجب أن تتوفر المؤسسة الراعية للحراك الدرامي لخلق مناخات تؤدي الى انهاض هذا الجانب في حياتنا الثقافية والاعلامية. وأرى ان المؤسسة الثقافية الرسمية تكاد تكون غائبة بشكل جارح من حيث عدم وجود موازنات لدعم الانتاج الدرامي او لجهة انشاء مؤسسة ترعى الدراما وتعلو بها. اضافة إلى ان الدراما الفلسطينية مقتصرة الان على مشاركات ومبادرات فردية، تأليفا أو تمثيلا أو اخراجا، فيما يغيب الجانب الانتاجي كلياً. وتابع طه قائلا ل’القدس العربي’: وعلى الدراما الفلسطينية وحتى تكتسب ملامحها الخاصة بفلسطين باعتبار أن الهوية الفلسطينية هي هوية مقاومة وتأكيد على الذات المهددة بالالغاء والشطب وليست هوية قطرية او جهوية، عليها أن تمتد إلى اللجوء الفلسطيني وتحيط بكل القضايا التي تهم القضية الفلسطينية وطنيا وسياسياً وثقافياً، بمعنى ألا يقتصر العمل الدرامي الفلسطيني على المناطقية أو على بقعة دون أخرى. وباعتقادي فإن الدراما هي الذراع الأكثر تاثيرا ونفاذاً وبقاءً ضمن العمل الثقافي والاعلامي الفلسطيني ما يستوجب انشاء هيئة خاصة بالدراما وبالسينما والمسرح بموازنات كافية وبالشراكة مع رأس المال الوطني أو الشراكة مع الأشقاء العرب، ووضع القوانين اللازمة لتسهيل الانتاج الدرامي ورفع كل اشكال الضرائب والمعيقات من امام الانتاج الدرامي.
وطالب طه جمع كل ما تم انتاجه من اعمال درامية في العقود الماضية لتوفير مكتبة درامية فلسطينية، والعمل على تدعيمها ببنك معلومات وأرشيف يظاهر ويساند عملية تأصيل التاريخ الدرامي الفلسطيني، اضافة لايلاء الدراما الفلسطينية والعروبية والمقاومة مساحات أكثر اتساعاً في المؤسسات الصحفية والاعلامية والترويج لها، ودعوة كل العاملين في الدراما لتأسيس تجمع او نقابة تكون ارضا راسخة ينطلقون من خلال الرؤيا والاستراتيجية التي توفرها هذه النقابة.
اول ورشة في الانتاج الدرامي التلفزيونيهذا وتحاول بعض الجهات الفلسطينية معالجة الدراما الفلسطينية من حالة الشلل التي تعيشها من حيث اقناع رجال المال بأهمية الاستثمار في ذلك القطاع وامكانية جني الملايين من هذا الاستثمار، وفي ذلك الاتجاه قالت الكاتبة بثينة حمدان مسؤولة العلاقات العامة بوزارة الاعلام الفلسطينية: منذ شهور ونحن نفكر كيف ممكن أن نجمع منتجين فلسطينيين ورجال أعمال ومنتجين عرب وفنانين على مائدة واحدة، وبفضل قناعة رجال أعمال فلسطينيين بأهمية وجود دراما فلسطينية واهمية الاستثمار في هذا القطاع المربح، استطعنا أن نصل إلى تنظيم لقاء هو عبارة عن ورشة عمل تنظمها الوزارة والجمعية الفلسطينية للفنون السينمائية في نيسان.. وذلك من أجل حشد أكبر عدد ممكن من الفئات التي ممكن أن تفيد وتنهض بدراما فلسطينية تلفزيونية.
واوضحت حمدان أن الورشة التي ستنظم خلال الايام القادمة تستضيف بدعم من روابي منتجين ومخرجين وفنانين عرب أبدوا استعدادهم للتعاون في إنتاج أعمال درامية تلفزيونية فلسطينية. مضيفة أن المؤتمر سيتناول تاريخ الدراما التلفزيونية الفلسطينية والسينما وتجارب عربية ودور المؤسسة الرسمية في دعم الدراما الفلسطينية ودور المنتجين والمستثمرين الفلسطينيين والعرب في دعم والنهوض في هذا القطاع’. احتياجات الفنان الفلسطينيمن جهته اعتبر المخرج يوسف الديك رئيس مجلس إدارة الجمعية الفلسطينية للفنون السينمائية أن هذه الورشة هي الأولى من نوعها في فلسطين وقال: ‘نحن بحاجة إلى تظاهرة فنية، فالفنان الفلسطيني يحتاج إلى دعم ومساندة، وإلى أن تحتضنه المؤسسة الرسمية، وإلى مساحة يعلن فيها عن حاجاته ويتحدث فيها عن همومه وتطلعاته للنهوض بالدراما الفلسطينية.
وحول هدف تلك الورشة قال الديك: ‘تحمل الورشة رسالة مفادها ربط الفنانين والمنتجين والمخرجين وكل العاملين في مجال الدراما لإيجاد حالة من التعاون لإنتاج دراما فلسطينية واقعية، وتهدف إلى معالجة مشاكل الدراما الفلسطينية، وبحث آليات النهوض بها وتطويرها، ولفت نظر المستثمر الفلسطيني لأهمية الاستثمار في هذا المجال، خلق حالة من العصف الذهني حول سؤال الدراما الفلسطينية لأول مرة من حيث مستوى النقاش والحضور من خبراء ومختصين في هذا المجال، وجمع الفنانين برجال وسيدات أعمال فلسطينيين لبحث أفق التعاون’. واعتبر الديك أن فلسطين واحدة من الدول الأقل حظاً في الإنتاج الدرامي رغم غنى بيئتها من قصص وروايات تستحق أن تتحول إلى دراما، ورغم أن هنالك العديد من المبادرات الناجحة التي مر بها الإنتاج الدرامي بدءً من مؤسسة السينما الفلسطينية كواحدة من مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وانتهاءً بعدد من الأفلام التي أنتجت في فلسطين وحصلت على جوائز مهمة، إلا أن هذا القطاع لم يستطع الوصول إلى صناعة الإنتاج الدرامي على مستوى الاستثمار الوطني.
بصيص أمل وتوقعات… ومن جهته قال رجل الاعمال بشار المصري رئيس مجلس ادارة مؤسسة روابي: حرصنا في روابي علي دعم الورشة لنكون داعمين ومشجعين لفكرة أولى وجديدة كالإنتاج الدرامي في فلسطين لتفهمنا للتحديات التي تواجه كل جديد، كرؤيتنا في بناء أول مدينة جديدة وعصرية في فلسطينواضاف: فإننا نعمل جاهدين لتقديم ما يمكن لتوفير البنية التحتية التي تتناسب واحتياجات السينما والأعمال الدرامية من خلال توفير الاستوديوهات على سبيل المثال والمجهزة بأحسن التقنيات للنهوض بأعمال تلفزيونية و سينمائية جديرة بالمستوى الفني الفلسطيني والتي بالتالي ستخلق وتزيد فرص العمل والتي هي هدفنا الأساسي.
وعن توقعاته من تلك الورشة قال قال السيناريست الفلسطيني- رياض سيف: من خلال متابعتى واتصالاتى مع المنتجين العرب وجدت ترحيبا حارا وقبولا منقطع النظير لفكرة الشراكة مع نظراء فلسطينيين.. واتوقع اذا ما قامت المؤسسة الرسمية الفلسطينية بالتعاون مع المنتجين بقرارات وتشريعات مشجعة فستكون النتائج مرضية وسريعة.. واختصارا للوقت ولعدم الولوج في نقاشات كثيرة فأن لدى المنتجين العرب تصورا سيطرح في عدة بنود ملخصة واذا ماتم التوافق عليها اعتقد اننا سنبدأ مرحلة جديدة وانطلاقة جديدة لصناعة دراما حقيقية.. ومما يشجع اكثر هو ان من لم يتم دعوتهم عتبوا علينا لرغبتهم بالمساهمة.. وهذا لا يمنع ان تكون هناك جولات قادمة بمنتجين عرب للمشاركة بأعمال درامية فلسطينية.. اذا ما احسن المستثمر الفلسطينى انتهاز الفرصة.. واذا ما قامت المؤسسة الفلسطينية بدورها الداعم والمشجع.