لا أحسب الكثيرين منّا، ونحن في أيام أعياد، كما يُقال، لا يتذكّر قصيدة المتنبّي الشهيرة: عيدٌ بأيّة حالٍ عُدتَ يا عيدُ / بما مضى أم بأمرٍ فيكَ تَجديدُ؟
إذا كان للمتنبي سبب واحد رئيس، أثار فيه هذا النوع من التشاؤم، فأحسب أن ما لدينا اليوم من أسباب، لدى العرب من الخليج الثائر إلى المحيط الهادر، أو بالعكس، أسبابٍ تفوق سَبب المتنبي في كون الأحبّةِ البيداءُ دونَهمُ. فأحبّتُنا اليوم في بيدٍ دونها بيدُ. ومن يظن غير ذلك فإنه يحاكي النعامة، المُفترى عليها، في وضع الرأس تحت الرمل، لكي لا يرى الأمور على حقيقتها. فنحن العرب في الأساس من أهل البيد، التي كانت تفرِّقنا في الماضي، وعادت لتفرِّقنا في الحاضر. ففي بلاد نفطستان كان العربي، وما يزال، لا يستطيع الدخول إليها دون الحصول على فيزا دونها خَرط القَتاد، في كثير من الأحوال. أما الأجنبي فيدخل بلاد نفطستان دون الحاجة إلى فيزا، ويُستَقبل في المطار أو على الحدود بترحيب، مع البقاء لمدة شهر في البلد العربي النفطستاني، مع إمكان التجديد لشهر آخر أو أكثر. يا أمّةً ضحكت…
والعيدُ تقليدٌ قديمٌ بين بني البشر، ربّما يرجع أول ذِكر له في التراث الزرادشتي الفارسي قبل ثلاثة آلاف عام، إذ كان يدعى “نوروز” أي اليوم الجديد، وهو بداية العام الجديد من السنة في الحادي والعشرين من الإعتدال الربيعي. وتحتفل بهذا اليوم شعوب كثيرة في آسيا الوسطى. وفي العصر العباسي كانوا يحتفلون بهذا اليوم الأول من السنة بسبب تغلغل المؤثرات الفارسية حتى يومنا هذا. وأذكر من أيام المدرسة قصيدةً، لا أذكر اسم قائلها ولا عصره بالضبط ، ولكنها مثال على التكلّف والصناعة اللفظية:
لَبِسَ النوروز ثوباً مُعْلَما حيكَ من غَزلِ عيون النرجسِ
طرَّزته إبَرُ الوَبلِ بما رقّ من صُنع الجَواري الكُنَّسِ
وقد عرف الرومان يوم العيد من شهر آذار(مارس) إله الحرب، أو “مارت” كما في الأصل الإغريقي.
وكان العيد دائماً هو ما ينتظره الأطفال لما فيه من هدايا وألعاب وملابس جديدة، لكن الآباء أيضاً كانوا يشاركون أولادهم بالفرحة فيكون الفرح بالعيد للكبار الصغار معاً.
ولكن العيد في العصور الحديثة قد فقد الكثير من صفاته الدينية – الدنيوية – الاجتماعية، وغلبَتهُ صفةٌ تجاريةٌ في شكلها، وبخاصة في أمريكا. وصرنا نسمع ونرى الإعلانات التجارية عن كل بضاعة أو حفلة، تسبق حلول العيد وتحضّر له أذهان الكبار والصغار معاً. وقد أدّى ذلك في بعض الحالات إلى إرهاق الوالدَين، وإلى تعاسة بعض الأطفال الذين لم يتيسّر لهم من متطلبات العيد ما تيسّر لأقرانهم؛ وهو شعور يبقى يلازمهم على امتداد العمر، في أغلب الحالات.
وبالنسبة لمن تجاوز عمر الطفولة والشباب، وبلغ سن الرجولة أو الكهولة، يثير مجيء العيد في النفوس شتّى أنواع الحسَرات والأسى، وبخاصة لما مَرّت به بلادنا العربية في العقود الأخيرة من مشاكل في الإدارة والسياسة. فمن منّا ليس له صديق أو قريب تعرّض لظلم من جانب أهل الإدارة أو السياسة في البلاد، وهو لا يقوى على إزالة ذلك الظلم؟ ومن منّا لا يفكِّر بالألوف المؤلفة من اللاجئين في الخيام منذ عقود طويلة، وبالألوف المؤلفة الأخرى الذين ابتلعتهم أمواج البحر في هربهم من بلادهم التي ساهموا في بنائها وتقدّمها، وراحوا يطلبون المجهول في بلادٍ ليست بلادهم، بحثاً عن الأمن ولقمة العيش الكريم؟
مقابل ذلك لا يستطيع المرء إلاّ أن يتذكّر كيف أن بعض أهالي نفطستان ممّن لا يكاد يعرف كيف يكتب اسمه، بل لم يقرأ كتاباً في حياته، إذا أصابته حالة زكام بسيطة يُسارع بالذهاب إلى “مايو كلينِك” لتلقّي العلاج الذي يمكن أن يقدِّمه له أي طبيب من “الأيانب” المقيمين في بلاده التي لم يساهم حتى في بناء مدرسة فيها، وكان اعتماده منذ أن صارت صحراؤه “دولة” على هؤلاء “الأيانب” والذين لولاهم لبقي يعيش على صيد السمك. ليست هذه شطحة خيال مَرَضية، بل هي مما يراود ذهن المرء ويبقى من المسكوت عنه.
أما في شؤون السياسة، المحرّمة على المساكين من عباد الله الصالحين، فيجب أن لا تبقي من المسكوت عنه، ولو كَرِهَ الكافرون. من كان يمكن أن يُصدِّق إلى حدود الأمس القريب أن تنقلب بعض “بلاد العرب أوطاني” إلى أرضٍ مستباحةٍ لعدوّ الأمس القريب، يسرحون فيها ويمرحون على هواهم، ويتبادلون الزيارات و”العَبط” بالأحضان، ويقدّمون لهم من الطعام ما يأمرون به ويشتهون، وكأن لم يكُن بين الحُجون إلى الصفا/ أنيسٌ ولم يَسمُر بمكةَ سامِرُ.
كيف للمرء الذي يمتلك أية درجةٍ من الشعور الإنساني أن يقارن بين ما خَبِره في ماضي الأيّام الخيّرة، التي لا يمكن أن تعود إلاّ بمعجزة، وبين حاضر الأيام في شتى بقاع العالم العربي المعاصر؟ بلى، كان في أيامنا الماضية غير قليلٍ من منغّصات العيش مما كنا نشتكي منه دائما. ولكن كان بوسع المرء أن يحتال على سوء الأحوال بما ملكت يَدُه، على طريقة طَرَفة بن العبد، أو بطلب العون من صديق أو مسؤولٍ من أصحاب الإدارة والحكم. ولكن في أيّامنا الحاضرة، أي عونٍ يُرتجي من أصحاب الإدارة والسياسة في كثير من بلادنا العربية، حيث الكثير ممن بيدهم الأمر والنهي غير مؤهلين تربوياً أو علميا أو أخلاقياً لإشغال المناصب التي يشغلونها ويتحكّمون برقاب الناس؟ لقد بلغ الفساد ببعض هؤلاء أنهم لم يكتفوا بسرقة المال العام، بل بتحويل مكاسبهم الحرام إلى البنوك الأجنبية، لكي يؤمّنوا مستقبلاً مادّياً مريحاً لهم ولأبنائهم، بعد أن اكتسبوا جنسية تلك البلاد الأجنبية، وبقوا يدّعون أنهم في خدمة البلاد والوطن. من أية ِالطُرْق يأتي عندك الكَرَمُ، في معاملة أبناء وطنك يا خائنَ وطنك؟
وكيف لأيّ عربي لم تُفسِد أخلاقَه الحزبيةُ الكريهةُ أو الطائفيةُ المقيتةُ أن يشعر بالفرح لقدوم العيد ولا يتذكّر قصيدةَ أنور العطار، الشاعر السوري، الذي زارنا في المدرسة الإعدادية بالموصل، وألقى علينا بعض قصائده التي يستصرخ فيها العروبة وأذكر منها:
بغدادُ أختكِ شِلوٌ طائحٌ ويَدُ أين المروءات، لا ثارٌ ولا قَوَدُ
عُشّ العروبة أنقاضٌ مبعثرةٌ والآمنون ضحايا حَولها بُدُدُ
وفي السنة اللاحقة جاءنا شاعر سوري آخر، يوم كان الشعور العروبي الوحدوي هو الشعور الذي لا شعورَ غيره، والقى فينا قصيدةً أذكُر منها:
بغدادُ بالعابق المُخضَوضِرِ النادي رُدّي عليَّ رياحيني وأورادي
وألهمينيَ حُرَّ القولِ خالصةً ونضِّري في ثنايا الحَفلِ إنشادي
هِبي ليَ الشعرَ ألحاناً مُسَلسَلَةً تُهدى إلى الصيد من أهلي وأندادي
الساهرين على عقد قد انتثرَت حَبّاتُه بين أغوارٍ وأنجاد
تخطّفتهُ رياحُ الحِقد واطّرَحت نضيدَه سَورةُ المُستأسدِ العادي
على هذه المشاعر نشأنا أنا وأبناء جيلي، وكان العيد يعني البهجةَ ويدعو إلى الاحتفال. وقد استمر هذا الحال بين أبناء جيلي والمعاصرين في البلاد العربية الأخرى، حتى بدأت الأمراض الفكرية والتوجّهات الطائفية، في لُبوسٍ من السياسة الزائفة والوصولية، تنخر في الجسد العربي بتوجيهات من حركاتٍ عسكريةٍ لا تقوم على فَهمٍ سليمٍ لأوضاع الناس والبلاد، وتعتمد على دعم بالمال والسلاح في الغالب على جهات أجنبيةٍ لا تلبث أن تنكشف، بعد أن تكون تلك القوّات الدخيلة على السياسة ومصلحة البلاد قد ثبّتت أركانها بتعيين الأقارب والأصحاب في مراكز حسّاسة في البلاد، تتغذى على سرقه المال العام وتهريب الأموال إلى البلاد الأجنبية التي دَعَمت تلك الحركات العسكروسياسية.هؤلاء هم الذين عناهم المتنبّي بقوله:
ما يقبض الموتُ نَفساً من نفوسِهِمُ إلاّ وفي يَدِهِ من نَتنِها عودُ
إزاء هذه الأوضاع في البلاد، أنّى للمرء أن يشعُرَ بقدوم عيدٍ أو يشعر بالفرح؟
وفي بلادٍ عربيةٍ لا تشكو الفقر، ولا تخشى الوصول إلى سدّة الحُكم، لأن نظام التوريث والخلافة قد ضمن لها ذلك، ما الذي يدفعها إلى التكاتف مع العدوّ الأجنبي ودعوتِه إلى دخول بلادها ليَنعمَ بخيراتها، وهي تستطيب الوقوع تحت نيرِه؟ هل أصبحت الخيانة مطلباً في هذه الأيّام التي تذكِّرنا برحيل السيّاب الكبير، قبل خمسةٍ وخمسين عاماً، الذي كان يردِّدُ بحُرقةٍ: إنّي لأعجَبُ كيفَ يُمكِنُ أن يخونَ الخائنون/ أيَخونُ إنسانٌ بِلادَه!!!